عدي العبدالله -صحافي وكاتب سوري.. موقع درج
تعود الحكاية إلى بدايتها البسيطة والقاسية: فتاة قُتلت. هذه هي الحقيقة الأولى التي لا يمكن الالتفاف حولها. لكن ما أن نحاول فهم كيف وصلت الرصاصة إلى جسدها حتى تتكاثر الأيدي في المشهد. الأخ هو من نفّذ القتل، نعم، لكن اليد التي ضغطت على الزناد لم تتشكل في فراغ. خلفها أبٌ قرر أن الحماية التي تعهّد بها يمكن أن تُسحب في أي لحظة، وخلفهما عشيرة مارست ضغطها باسم السمعة، ومناخ اجتماعي يراقب النساء أكثر مما يحميهن، وسلطة غائبة تركت العدالة تُدار خارج مؤسساتها.
لم يُنشر اسمها في معظم التغطيات الإعلامية.
حتى بعد موتها بقيت بلا اسم، كما لو أن قصتها يجب أن تُروى بصيغة الغائب. لكن هذا التفصيل ليس عرضياً في حكاية كهذه. فهذه الشابة الضحية التي تنتمي إلى قبيلة الهيب في قرية الصيّاح بريف حلب الجنوبي، حاولت أن تفعل أمراً بسيطاً: أن تختار حياتها بنفسها. خرجت من منزل عائلتها مع شاب أرادت الزواج منه، فوجدت نفسها في قلب أزمة عشائرية تحولت سريعاً إلى قضية “سمعة” بين جماعتين.
انتهت القصة بجلسة صلح عشائري حضرها وجهاء القبائل، بل وحتى مستشار رسمي لشؤون العشائر في الرئاسة السورية. في ذلك المجلس وقف والدها، أديب جمعة الهيبي، متعهداً أمام الجميع بأن ابنته في أمان. قيلت كلمات كثيرة عن التهدئة وإغلاق الملف، وسُجلت التعهدات على كاميرات الهواتف كما لو أنها ضمانة نهائية.
لكن بعد ساعات فقط من انتهاء المجلس، عادت الفتاة إلى منزل العائلة… وهناك قُتلت برصاص شقيقها.
بهذا المعنى، لم تُصادر حياتها مرتين فقط: مرة حين مُنعت من اختيار مصيرها، ومرة حين قرر أفراد العائلة إنهاء حياتها. بل صودرت للمرة الثالثة أيضاً، حين اختفى اسمها من الحكاية نفسها، وبقيت تُعرف فقط بوصفها “الفتاة” التي قُتلت لإغلاق “ملف الشرف”، هي جريمة وقعت قبل أيام في شمال سوريا وطُويت سريعاً.
الوعد الزائف بالأمان
لم يستغرق الأمر أكثر من بضع ساعات كي يتحول الوعد بالحماية للفتاة التي لم تفعل سوى أن قررت أن تختار حياتها كما ترغب، إلى حكم بالإعدام. قبل ذلك بقليل، كان والدها يقف وسط مجلس عشائري مكتظّ بالرجال، يرفع صوته مطمئناً الجميع: ابنته في أمان. الكلمة قيلت أمام وجهاء القبائل، أمام مستشار رسمي، أمام كاميرات الهواتف التي سجّلت التعهد كما لو أنه عهد شرف لا يُنقض. ثم انتهى المجلس، وعادت الفتاة إلى البيت الذي قيل إنه سيحميها. وبعدها بقليل كانت جثتها ممددة على الأرض، مغطاة بعباءة. حدث ذلك في اليوم نفسه الذي كان العالم يحتفل فيه باليوم العالمي للمرأة.
لم تكن المشكلة أن أحداً لم يعدهابالأمان. المشكلة أن الجميع فعلوا. ومع ذلك، ماتت. في لحظة واحدة انهار كل شيء: الصلح، والضمانة، والكلمة التي قيلت علناً. كأن حياة امرأة يمكن أن تُعلَّق بين جملتين: وعد بالحماية في مجلس الرجال، ورصاصة تُطلق في البيت نفسه.
هكذا تُقتل امرأة أحياناً: ليس في الخفاء، بل بعد اجتماع كامل من الضمانات، وبعد كلمات كثيرة عن الشرف، وبعد أن يعتقد الجميع أن القضية انتهت. لكنها لم تكن قضية أصلاً. كانت حياة إنسانة انتهت لأن البعض ما زال يصدّق الخرافة القاتلة: أن دم امرأة قادر على إصلاح سمعة الرجال.
نمط يتكرر بلا أرقام
اختزال الجريمة في شخص واحد يبدو تبسيطاً مريحاً أكثر مما هو تفسير حقيقي. نعم، الأخ هو من قتلها. هو اليد التي نفذت، وهو من ضغط على الزناد في النهاية. غير أن مثل هذه الجرائم نادراً ما تولد فجأة في رأس فرد واحد، كما لو أنها نزوة لحظة أو قرار معزول. غالباً ما يكون الفاعل المباشر الحلقة الأخيرة في سلسلة أطول بكثير. فقبل أن تتحول الرصاصة إلى فعل، تكون الفكرة قد نمت ببطء داخل شبكة كثيفة من الضغوط: عائلة تخشى الفضيحة، عشيرة يثقلها هاجس السمعة، خوف دائم من كلام الناس، وإرث طويل من فكرة سامة تُسمّى “العار”.
داخل هذا المناخ يتشكل القاتل تدريجياً، لا بوصفه صاحب القرار الكامل، بل بوصفه الأداة التي تنفذ ما يُعتقد أنه واجب اجتماعي. بهذا المعنى، لا تبدأ الجريمة لحظة إطلاق النار، بل قبل ذلك بكثير، حين ينجح المجتمع في تحويل جسد امرأة إلى ساحة تُدار عليها معاركه الرمزية حول الشرف والسمعة. عندها يصبح القاتل مجرد اليد التي تُتم ما صُنع لها مسبقاً.
ولا تبدو هذه الحادثة، في هذا السياق، سوى فصل آخر في سجلٍ دمويٍ يتّسع بصمت، فهذا النزيف السوري المستمر، الذي وثقته التقارير الحقوقية عبر عشرات الجرائم المرتكبة تحت ما يُسمّى “دافع الشرف” خلال العامين الأخيرين، يثبت أننا أمام نمط متجذر لا مجرد استثناء عابر. ومع غياب شبه كامل لإحصاءات رسمية دقيقة، يظل الرقم الحقيقي مرشحاً لأن يكون أضخم بكثير مما يُعلن، بخاصة في ظل الميل العائلي الى التكتم وإغلاق هذه القضايا داخل الجدران ذاتها التي شهدت وقوعها.
إغلاق الملف بالدم
غير أن القصة لا تقف عند حدود العائلة أو الأخ الذي نفّذ القتل. فالجريمة هنا لم تكن انفجاراً فردياً معزولاً، بل تحرّكت داخل آلية عشائرية مألوفة تكاد تتكرر بالنمط نفسه في كل مرة. تبدأ الحكاية بفتاة تقرر أن تختار حياتها، فتقرأ العشيرة القرار بوصفه إهانة جماعية. يتحول الأمر سريعاً من علاقة بين شخصين إلى قضية “سمعة” تخص جماعة كاملة.
يبدأ التصعيد: خطف مقابل خطف، استعراض للقوة، ثم مجلس صلح مكتظ بالرجال الذين يتحدثون باسم الشرف والهيبة. تُقال كلمات كثيرة عن التهدئة والتعهدات، وتُرفع الشعارات عن إعادة الأمور إلى نصابها. لكن ما يحدث في العمق ليس حلاً للمشكلة بقدر ما هو إدارتها وفق منطق قديم: منطق “الشرف الجماعي” الذي يجب ترميمه بأي ثمن.
وفي مثل هذه المعادلات، نادراً ما يكون الثمن غامضاً، غالباً ما يكون جسد امرأة هو العملة الأسهل للتداول. هكذا تتحول حياة فتاة إلى بند ضمن ميزان قوة بين عشيرتين، ويصبح قتلها في النهاية أشبه بعملية “إغلاق للملف” تعيد الى الجماعة شعورها بالسيطرة، حتى لو كان ذلك على حساب إنسانة كان ذنبها الوحيد أنها حاولت أن تعيش حياتها كفرد، لا كملكية مشتركة لقبيلة.
السكين العابرة للقارات
في موازاة ذلك، يمتد الخيط الذي يجمع كل هذه الوقائع إلى ما هو أبعد من العائلة أو العشيرة، إنه يضرب في جذور فكرة أعمق وأكثر تجذراً، تتلخص في كلمة واحدة ألفناها حتى غدت بديهية لا تُساءل: “الشرف”. هنا يبدأ السؤال الذي نادراً ما يُطرح بجدية: لماذا يُحمَّل هذا المفهوم كله على جسد المرأة وحدها؟ لماذا يُقاس بما تفعله هي تحديداً، لا بما يفعله الرجال من حولها؟ فالرجل يستطيع أن يرتكب أخطاء لا تُحصى، أن يتجاوز القواعد الاجتماعية مرات ومرات، من دون أن يصبح وجوده نفسه موضع تهديد.
أما فتاة تختار شريك حياتها، أو تحاول أن تقرر مصيرها بنفسها، فقد تجد نفسها فجأة في قلب عاصفة تُقدَّم فيها حياتها كقربان ضروري لاستعادة “السمعة”. عند هذه النقطة، يتضح أن الكلمة التي يُفترض أنها تعبر عن قيمة أخلاقية سامية قد تحولت، عبر الزمن، إلى أداة رقابة قاسية تُفرض بها الحدود على جسد المرأة تحديداً.
لم يعد “الشرف” هنا مبدأ أخلاقياً بقدر ما أصبح آلية اجتماعية لضبط السلوك، تُستخدم حيناً للترهيب وحيناً للتبرير، لكنها في النهاية تؤدي الوظيفة نفسها: تقييد حرية النساء باسم قيمة لا يملكنَ حقَّ تعريفها، بل يُحددها المجتمعُ لهنَّ ويُحاسبهنَّ عليها.
هذه العقلية العابرة للحدود لم تمنعها جغرافيا اللجوء من ملاحقة النساء حتى في قلب أوروبا، فثباتُ نمط الجرائم السنوية التي ترصدها منظمة (Terre des Femmes) الألمانية داخل مجتمعات المهاجرين، يثبت أن السكين التي ذبحت فتاة ريف حلب هي ذاتها التي سافرت في حقائب الأفكار المتطرفة لتنفيذ أحكام “الإعدام الاجتماعي” في بلاد الاغتراب، متحديةً بقسوتها كل قوانين الحماية في الدول الحديثة.
الفراغ الذي تملؤه العشيرة
وإذا كان كل ما سبق يكشف عن طبقات اجتماعية وثقافية تدفع بالجريمة إلى الأمام، فإن الطبقة الأعمق تكمن في الفراغ الذي يُفترض أن تملأه الدولة. ففي المجتمعات التي يحكمها قانون واضح ومؤسسات قادرة على فرضه، لا تُحل مثل هذه القضايا في مجالس صلح ولا تُدار عبر تعهدات شفوية بين وجهاء العشائر. وعلى الرغم من التعديلات القانونية التي طرأت على المادة 548 من قانون العقوبات السوري، والتي كانت تمنح عذراً مخففاً لمرتكبي ما يُسمّى بجرائم الشرف، إلا أن الواقع القضائي والاجتماعي لا يزال يفتح ثغرات واسعة عبر ما يُعرف بالاستفادة من “الأسباب المخففة تقديرياً”.
وهذه الثغرات تجعل كثراً من الجناة مطمئنين إلى أنهم لن يواجهوا العقوبة القصوى، الأمر الذي لا يضعف الردع القانوني فحسب، بل يمنح المنظومة العشائرية شعوراً ضمنياً بإمكانية الحلول محل المحاكم الرسمية. وحين تتراجع سلطة القانون أو تصبح بعيدة عن حياة الناس اليومية، يملأ هذا الفراغ نظامٌ آخر أكثر بدائية: نظام التحالفات العائلية والسطوة المحلية ومنطق الرد بالمثل.
عندها تتحول الصراعات الخاصة إلى ملفات تُدار عبر المساومات، وتصبح العدالة مسألة توازن قوى لا مسألة حق. في هذا المناخ، لا تعود حياة الأفراد محمية بمظلة قانونية متساوية، بل تخضع لموازين النفوذ والهيبة بين الجماعات. وغالباً ما تكون النساء الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لأن أجسادهن تُستخدم كأقصر الطرق لإغلاق النزاع وإعلان استعادة “الهيبة” المفقودة. هكذا لا تبدو الجريمة مجرد فعل فردي، بل نتيجة طبيعية لفراغٍ سياسي وقانوني يسمح لمنطق القوة أن يحل محل العدالة.
وفي النهاية، تعود الحكاية إلى بدايتها البسيطة والقاسية: فتاة قُتلت. هذه هي الحقيقة الأولى التي لا يمكن الالتفاف حولها. لكن ما أن نحاول فهم كيف وصلت الرصاصة إلى جسدها حتى تتكاثر الأيدي في المشهد. الأخ هو من نفّذ القتل، نعم، لكن اليد التي ضغطت على الزناد لم تتشكل في فراغ. خلفها أبٌ قرر أن الحماية التي تعهّد بها يمكن أن تُسحب في أي لحظة، وخلفهما عشيرة مارست ضغطها باسم السمعة، ومناخ اجتماعي يراقب النساء أكثر مما يحميهن، وسلطة غائبة تركت العدالة تُدار خارج مؤسساتها.
عند هذه النقطة يتغير السؤال كله: من قتل هذه الفتاة؟ الإجابة لم تعد اسماً واحداً يمكن وضعه في خانة الاتهام. فمثل هذه الجرائم لا يخلقها شخص بمفرده، بل منظومة كاملة من الأفكار والضغوط والصمت. ولهذا، حين تسقط امرأة قتيلة تحت هذا العنوان المسمّى زوراً “الشرف”، نكتشف الحقيقة الأكثر إيلاماً: ليس هناك قاتل واحد فقط، بل مجتمع كامل يمسك بالسكين