إن الحرب تسير حالياً وفق هذا النموذج الفسيفسائي، في ظل انقطاع التواصل بين القادة واختفاء المسؤولين السياسيين ووجود فجوات بينهم. غير أن مثل هذا النمط من الحرب قد يستمر على المدى القصير، لكنه يصبح صعباً على الإدارة على المدى الطويل، لأنه يتحول من عملية عسكرية منسقة إلى سلسلة من الإجراءات المتفرقة التي تتسم بطابع استنزافي وغير محدد الأهداف، بدلاً من أن تكون جزءاً من استراتيجية عسكرية متماسكة.
يجد مسؤولو الجمهورية الإسلامية أنفسهم اليوم أكثر من أي وقت مضى عرضة للخطر، ويرون أن النظام يقف على أعتاب السقوط. ولهذا السبب يسعون إلى إبقاء الشارع – بوصفه آخر وأهم معاقلهم – تحت سيطرتهم، ويطلبون بصورة متكررة من أنصار النظام عدم مغادرة الشوارع. وفي أحدث هذه الدعوات، نشر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، رسالة عبر منصة “إكس”، دعا فيها أنصار الحكومة إلى البقاء في الشارع.
وقد أثارت رسالة رئيس البرلمان، إلى جانب تصريحات مسؤولين آخرين في الحكومة، ردود فعل لافتة، إذ تساءل بعض مؤيدي النظام عن سبب عدم خروج هؤلاء المسؤولين أنفسهم إلى الشوارع، ولماذا لا يرسلون أبناءهم وبناتهم، ولماذا تركوا البلاد في ظل الظروف الحربية ولجأوا إلى المخابئ.
مكان المسؤولين الحكوميين المحتمل
تثار تساؤلات كثيرة حول المكان الذي يختبئ فيه المسؤولون الحكوميون حالياً، فبعض التقديرات تشير إلى أن عدداً كبيراً منهم انتقل إلى مخابئ في شمال شرقي إيران، بينما يطرح آخرون احتمال انقطاع الاتصال بينهم. وكان دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة، قد أشار في أحد تصريحاته الأخيرة إلى أن شبكة الاتصالات الخاصة بمسؤولي النظام قد تعطلت.
وإذا صحت هذه الفرضية، فهذا يعني أن عدداً من كبار المسؤولين في النظام يختبئون حالياً في مخبأ واحد، حتى يتمكنوا من التواصل المباشر في ما بينهم.
وقد اكتسب هذا الاحتمال مزيداً من الاهتمام بعد بث مقابلات مع وزير الخارجية عباس عراقجي، وقائد الأمن الداخلي للشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان، عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. إذ أشار بعض المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد نشر صور من هاتين المقابلتين، إلى أن التلفزيون الحكومي أجرى المقابلتين من موقع واحد.
وذهب بعض المستخدمين الفضوليين إلى توسيع نطاق البحث والتحقق، وبالعودة لصور سابقة خلصوا إلى أن المقابلتين أجريتا في فرع وزارة الخارجية الإيرانية في شمال شرقي البلاد، وبذلك يرجح أن يكون المسؤولان قد نقلا إلى مدينة مشهد أو حتى إلى مدن حدودية في تلك المنطقة.
مشهد كمقر بديل للحرب
كما طرحت فرضية أخرى تفيد بأن مسؤولي النظام يعتزمون، في حال سقوط النظام أو فقدان السيطرة على طهران، مواصلة الحرب انطلاقاً من مدينة مشهد.
ولم يغب هذا الاحتمال عن أنظار بعض المحللين والسياسيين في الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد نشر الكاتب والناشط الإعلامي الإسرائيلي شاؤول سادكا صورة لخريطة إيران على منصة “إكس” وضع عليها علامة عند مدينة مشهد، وكتب أن قادة النظام يبدو أنهم انتقلوا إلى هناك للبقاء بعيدين من الهجمات الأميركية من دون الاضطرار إلى الفرار فعلياً إلى أفغانستان.
كما علق مايك والتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، على هذا الموضوع في رسالة قال فيها “ليتنا ما زلنا نمتلك قاعدة باغرام الجوية”.
وكانت قاعدة باغرام الجوية أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في أفغانستان، وتقع بالقرب من كابول، وقد لعبت حتى انسحاب القوات الأميركية عام 2021 دوراً مهماً في العمليات العسكرية والاستخبارية الأميركية في المنطقة. وتعد مدينة مشهد، من الناحية الجغرافية، إحدى أقرب المدن الإيرانية الكبرى إلى الحدود الأفغانية.
ومع ذلك، لا توجد بيانات موثوقة تؤكد انتقال مسؤول أو أكثر من مسؤولي النظام الإيراني إلى مشهد أو إلى مدن حدودية في محافظة خراسان. غير أن استمرار غيابهم، حتى عن مراسم تشييع قادة الحرس الثوري الإيراني، أفسح المجال أمام انتشار عدد من التكهنات.
أماكن محتملة أخرى للاختباء
ذكر بعض المستخدمين خلال الأيام الماضية أن عدداً من المسؤولين الحكوميين يقيمون في مستشفيات حكومية، بينما طرح آخرون احتمال اختبائهم في أنفاق طهران. وذهب بعضهم إلى القول إنه ليس من المستبعد أن يكونوا قد لجؤوا إلى أماكن مثل الأقبية الواقعة تحت ضريح الإمام الثامن لدى الشيعة، كما انتشرت إشاعات تفيد بأن بعضهم أرسل أفراد عائلاته إلى دول مثل سلطنة عمان.
غير أن الحقيقة هي أن مكان اختباء المسؤولين الحكوميين لا يغير كثيراً في جوهر القضية، فالأمر الأهم يتمثل في أنهم، بينما يقيمون هم وعائلاتهم في الملاجئ، يدعون من تلك المخابئ نفسها قوات الباسيج وأنصار النظام إلى النزول للشوارع، مستخدمين إياهم دروعاً بشرية.
القيادة العسكرية في ظل الفوضى
لا يعد نقل القادة العسكريين إلى الملاجئ خلال أوقات الحرب أمراً غير مألوف، ففي عدد من الدول تنقل مراكز القيادة إلى مواقع آمنة حفاظاً على حياة القادة وضمان استمرار إدارة العمليات العسكرية، غير أن الوضع في النظام الإيراني يبدو أكثر تعقيداً.
فالمؤشرات المتوافرة توحي بعدم وجود قيادة حربية موحدة ومركزية في إيران قادرة على إدارة العمليات بصورة منسقة، وتشير بعض الدلائل وتصريحات مسؤولين حكوميين ومؤيديهم إلى أن عدداً من القادة الميدانيين يعملون عملياً وفق مبدأ إطلاق النار، وفق تقديرهم الخاص (تعني بالفارسية: آتش به اختيار).
وقد ألمح عراقجي إلى مثل هذا الوضع في إحدى مقابلاته، كما قال جواد موغويي، وهو مخرج أفلام وثائقية مقرب من الحكومة، في مقطع فيديو إن القادة الميدانيين يطلقون النار على أهداف محددة، استناداً إلى “دفتر (قائمة) أهداف” جرى تزويدهم به مسبقاً.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير حديث أن مسؤولي النظام الإيراني خلصوا، بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو (حزيران)، إلى أن تلك المواجهة كانت خطأ استراتيجياً وأكثر الحروب التي خاضوها اختلالاً في ميزان القوى. وبحسب الصحيفة، فإن هذا التقييم دفع طهران إلى تبني نموذج يعرف باسم “الاستراتيجية الفسيفسائية”، التي تمنح القادة الميدانيين صلاحية مواصلة العمليات العسكرية، استناداً إلى أهداف محددة مسبقاً حتى في حال انقطاع الاتصال بالقيادة المركزية.
هذا، ويبدو أن الحرب تسير حالياً وفق هذا النموذج الفسيفسائي، في ظل انقطاع التواصل بين القادة واختفاء المسؤولين السياسيين ووجود فجوات بينهم، غير أن مثل هذا النمط من الحرب قد يستمر على المدى القصير، لكنه يصبح صعباً على الإدارة على المدى الطويل، لأنه يتحول من عملية عسكرية منسقة إلى سلسلة من الإجراءات المتفرقة التي تتسم بطابع استنزافي وغير محدد الأهداف، بدلاً من أن تكون جزءاً من استراتيجية عسكرية متماسكة.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”