في السنوات الأخيرة، بدت بكين وكأنها تراقب العالم من بعيد، تعيش في كوكب مختلف، بينما تتآكل شبكة نفوذها، أو على الأقل تتعرض لضغوط هائلة، من دون ردود فعل توازي حجم التحديات.
أول الاختبارات الكبرى ظهر في شرق آسيا، عند خاصرة الصين، فملف تايوان ظل لعقود خطاً أحمر بالنسبة لبكين، باعتباره جزءاً من سيادتها ووحدتها الوطنية. ومع ذلك، تزايدت التحركات العسكرية والسياسية حول الجزيرة، وتوسعت الشراكات الاميركية التي تهدف عملياً إلى احتواء الصين، إن لم نقل تهديدها وابتزازها واخضاعها.
برودة توازي الصقيع
هذا الأمر انسحب أيضاً على الازمة المستدامة في بحر الصين الجنوبي، حيث تمارس أميركا أقصى أنواع الابتزاز، مستفيدة من حساسية هذا البحر بالنسبة لبكين، كونه يمثل امتداداً مباشراً لأمنها القومي وممرّاً أساسياً لتجارتها الخارجية ووارداتها من الطاقة.
حافظت البحرية الأميركية على حضور عسكري دائم في هذه المياه تحت عنوان حرية الملاحة، وتسيّر بانتظام سفناً حربية قرب الجزر التي تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من سيادتها.
هذه العمليات لا تغيّر ميزان السيطرة الفعلية في البحر فحسب، بل تذكّر الصين باستمرار بأن خصمها قادر على الاقتراب من خاصرتها البحرية متى شاء، وأن أحد أهم شرايين اقتصادها يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط في أي مواجهة كبرى. وبذلك يتحول البحر الذي تراه بكين مجالها الحيوي الطبيعي إلى ساحة اختبار دائمة لنفوذها، وأداة ضغط تستخدمها واشنطن لتقييد صعودها الاستراتيجي، لكن كل ذلك لا يُقابل إلا ببرودة مستفزة توازي الصقيع.
هذه البرودة الرهيبة لا تقف عند حدود الجغرافيا القريبة. فالحرب في أوكرانيا تحولت إلى واحدة من أكثر الساحات التي تكشف محدودية الدور الصيني. فبكين، التي تجمعها شراكة استراتيجية مع موسكو، وجدت نفسها أمام معضلة معقدة. فمن جهة، حليفها الرئيس هو فلاديمير بوتين، ومن جهة أخرى تعتمد اقتصادياً على الأسواق الغربية. النتيجة كانت موقفاً حذراً إلى حد بعيد: دعم سياسي محدود، وابتعاد عن أي مواجهة مباشرة مع الغرب. لكن هذه المعادلة تعني عملياً أن روسيا تُستنزف في حرب طويلة، فيما تقف الصين متفرجة على حليفها وهو يغرق في مستنقع لا ينتهي.
في الشرق الأوسط، لا يبدو المشهد مختلفاً كثيراً. فسقوط نظام بشار الأسد، وهو أحد أبرز حلفاء محور إيران وروسيا والصين، شكّل تحولاً استراتيجياً في توازنات المنطقة. ومع ذلك، لم يصدر عن بكين سوى بيانات دبلوماسية باردة تدعو إلى الاستقرار والحوار. لا مبادرات سياسية أو عسكرية، ولا تحركات جدية تؤكد أن ما حدث يمس فعلياً شبكة مصالحها في الإقليم.
الأمر نفسه تكرر في أميركا اللاتينية. فالنظام الذي كان يُعد من أقرب الحلفاء للصين في القارة، أي نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، تعرض لصدمة غير مسبوقة عندما جرى خطف رئيس البلاد مع زوجته من داخل غرفة نومهما، في عملية مذلة ومهينة صدمت العالم برمته. هذا الحليف لم يكن مجرد شريك سياسي، بل كان مصدراً أساسياً للطاقة بالنسبة للصين، وقد استثمرت مليارات الدولارات في قطاع النفط الفنزويلي. ومع ذلك، جاء الرد الصيني باهتاً، مقتصراً على بيانات قلق تقليدية لا تعكس حجم الكارثة.
ربما يكون التطور الأكثر خطورة بالنسبة لبكين هو ما يجري الآن في إيران، فطهران أيضاً ليست مجرد شريك سياسي أو اقتصادي، بل هي عقدة مركزية في مشروع الحزام والطريق، أي النسخة الجديدة من طريق الحرير، علاوة عن أن بكين تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني الذي تحصل عليه بأسعار تفضيلية. لذلك فإن أي ضربة كبيرة لإيران لا تعني فقط خسارة حليف إقليمي وازن، بل تهديداً مباشراً لممرات الطاقة ولمستقبل مشروعها الاستراتيجي الكبير.
انكفاء يشبه الموت
اللافت أن بكين تلتزم الصمت إزاء كل هذه التطورات، وتكتفي أحياناً ببيانات دبلوماسية باردة، لا ترقى إلى مستوى الفاجعة السياسية والاستراتيجية. لغة حذرة. دعوات إلى التهدئة. ومواقف رمادية تحاول تجنب المواجهة. لكن في عالم يتغير بسرعة، قد يكون الصمت نفسه موقفاً مكلفاً.
فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو الجيش، بل أيضاً بالقدرة على حماية شبكة المصالح والحلفاء. وإذا كانت الصين تطمح فعلاً إلى لعب دور القطب في النظام الدولي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في النمو الاقتصادي فقط، بل في القدرة على تحويل هذا الوزن الاقتصادي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي.
المفارقة أن الدعوة إلى التوجّه شرقاً كانت تقوم أساساً على فكرة أن الصين تمثل بديلاً عن النظام الغربي. قيل إن بكين أكثر ثباتاً في دعم حلفائها، وأقل تدخلاً في شؤون الدول، وأكثر استعداداً لبناء نظام عالمي جديد. لكن الوقائع المتلاحقة أظهرت الصين بخلاف ذلك، وراحت تطرح تساؤلات محورية: هل بكين مستعدة فعلاً لتحمل كلفة القيادة العالمية؟ أم أنها تفضل البقاء كقوة اقتصادية عملاقة في الخباء، تتجنب المخاطر السياسية والعسكرية قدر الإمكان؟
المشهد اليوم يوحي بأن بكين تتبنى استراتيجية الانكفاء الحذر حد الموت. فهي تراقب الأزمات من بعيد، وتحاول تجنب التورط المباشر، حتى لو كان الثمن خسارة بعض المواقع أو الحلفاء. هذه السياسة قد تبدو منطقية من منظور اقتصادي بحت، لكنها تُهشّم صورة الصين كقوة عالمية قادرة على منافسة الولايات المتحدة.
ربما تختار الصين الصمت لأنها تعتقد أن الزمن يعمل لصالحها، وأن الصراعات الحالية ستُنهك خصومها. وربما تراهن على أن الاقتصاد، في النهاية، أقوى من السياسة. لكن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً: النفوذ العالمي لا يبنى بالصبر وحده، بل بالقدرة على الفعل عندما تتطلب اللحظة ذلك، وهذا تماماً ما عجزت عنه الصين في كل الاستحقاقات المحورية.
لعل أكثر ما يلخص هذا المشهد السوريالي، هو العبارة العفوية التي قالها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ذات مرة تعبيراً عن ضيق صدره من عجز بكين: “كس أخت الصين”.
عبارة صادمة في شكلها وفي مضمونها، لكنها تعكس حالة الإحباط المستدام من الدور الصيني. وسواء اتفق البعض مع هذا التعبير أو رفضه، فإنه يعكس الحقيقة المباشرة والعميقة والمجردة. ففي عالم يموج بالأزمات والتحولات، لا يكفي أن تكون قوة كبرى على الورق، لأن القوة الحقيقية تُقاس بما تفعله عندما تدق ساعة الاختبار.
اساس ميديا
