مقاتلون من العشائر إلى جانب قوات حكومية على مشارف مدينة السويداء – 14 تموز 2025 (أسوشيتد برس/ مالك خطاب)
رحبت الحكومة السورية بالتقرير الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، والذي غطى المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد، معتبرة أنه سجل “خطوات إيجابية” اتخذتها في مجالات التحقيق والمساءلة.
جاء ذلك في بيان صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين، الجمعة 13 من آذار، اطلعت عليه عنب بلدي، بمناسبة نشر التقرير الذي يغطي فترة وصفتها الحكومة بـ”الدقيقة” التي تمر بها البلاد، بعد عقود من “الاستبداد والانتهاكات الممنهجة”.
وقالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، إن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال “هشة”، رغم بعض الخطوات التي اتخذتها السلطات السورية نحو الإصلاح، محذّرة من أن استمرار الانتهاكات يقوّض مسار بناء دولة قائمة على سيادة القانون.
إشادة بالخطوات المحلية
وأشار بيان وزارة الخارجية السورية إلى أن التقرير الأممي أبرز عدة جهود قامت بها الحكومة السورية الحديثة، من بينها إجراءات العفو العام عن غير المتورطين “بدماء السوريين”، وإجراءات دمج الفصائل، وجهود وزارتي الداخلية والدفاع لحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
ولفت البيان إلى أن التقرير ينوه بعمل اللجان الوطنية المستقلة، ويقرّ بحق الضحايا في الوصول المتساوي إلى المساءلة والعدالة.
كما سلط الضوء على إنشاء اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل، والعمل الجاري بها، بالإضافة إلى خارطة الطريق التي أعلن عنها وزير الخارجية بشأن أحداث السويداء.
وفي السياق ذاته، رحبت الحكومة بإشارة التقرير إلى الإعلان الدستوري الذي “يكرس الحقوق والحريات” المنصوص عليها في المعاهدات الدولية، وإلى اتساع نطاق حرية الإعلام وانتعاش نشاط المجتمع المدني.
واعتبرت أن المرسوم الرئاسي رقم 13 يضمن الحقوق الثقافية واللغوية وحقوق المواطنة لكرد سوريا، وأن تشكيل الحكومة راعى التنوع الجغرافي والمجتمعي.
التعامل مع الانتهاكات الداخلية
وفيما يتعلق بالانتهاكات أو التجاوزات التي أوردها التقرير، ولا سيما الأحداث المأساوية في الساحل والسويداء، أكدت الحكومة التزامها بمحاسبة جميع المتورطين، وعدم التساهل مع أي اعتداء على المدنيين أو خروج على القانون.
وأوضح البيان أن الدولة السورية باشرت خطوات أولية لتوقيف ومحاكمة عدد من المتهمين، وإقامة محاكمات علنية بحضور مراقبين مستقلين، بالإضافة إلى اعتقالات أولية على خلفية أحداث السويداء.
وأشار التقرير، بحسب البيان، إلى أن القوات الحكومية اتخذت خطوات لحماية المدنيين في بعض عملياتها بحلب والشمال الشرقي، وهو ما اعتبرته دمشق “دليلًا عمليًا” على نجاحها في منع تكرار الفوضى.
وكان التقرير الأممي استمرار انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في عدة مناطق، بينها حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، تشمل القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، وسوء المعاملة، والوفيات في أثناء الاحتجاز، والاختفاء القسري، إضافة إلى انتهاكات تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات.
ووفق اللجنة، قُتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين، في آذار 2025 في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، على يد القوات الحكومية ومسلحين متحالفين معها.
كما وثّق التقرير مقتل أكثر من 1500 شخص في محافظة السويداء في تموز 2025، معظمهم من المدنيين الدروز والبدو، خلال اشتباكات شاركت فيها القوات الحكومية ومجموعات درزية مسلحة ومقاتلون قبليون.
وقالت اللجنة إن أنماط الاستهداف أظهرت وجود دوافع مرتبطة بالانتماء الديني والعرقي والعمر والجنس، معتبرة أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب، وربما إلى جرائم ضد الإنسانية إذا تأكدت عناصرها خلال التحقيقات.
اتهامات لإسرائيل وتنظيمات إرهابية
من جهة أخرى، شدد بيان وزارة الخارجية السورية على ما وصفها بـ”الانتهاكات الخطيرة” التي ترتكبها إسرائيل داخل الأراضي السورية، والتي وثقها التقرير الأممي.
وجاء في البيان أن إسرائيل صعّدت من عملياتها العسكرية بشكل غير مسبوق منذ نهاية عام 2024، بما في ذلك مئات الغارات الجوية والعمليات البرية التي استهدفت مواقع داخل سوريا، وأدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير ممتلكات وتهجير سكان.
كما اتهم البيان إسرائيل بتنفيذ عمليات توغل عسكري واحتجاز تعسفي لمدنيين سوريين ونقلهم إلى الأراضي الإسرائيلية، واستخدام القوة المميتة ضد متظاهرين، وهي ممارسات وصفتها الحكومة بأنها “قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بل وقد تشكل جرائم حرب في بعض الحالات”.
وأبرزت الحكومة في بيانها ما ورد في التقرير بشأن استمرار تهديد “التنظيمات الإرهابية”، وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي نفذ هجمات دامية استهدفت مدنيين وأماكن عبادة، معتبرة أن هذه الأعمال تعكس “الدور التخريبي” للجماعات المتطرفة في تقويض الاستقرار”.
مسار مستمر للحوار
واختتمت وزارة الخارجية بيانها بالإشارة إلى أن الحكومة تنظر بإيجابية إلى التوصيات الواردة في التقرير، وترى فيها أساسًا للحوار “المؤسسي والجاد” مع اللجنة والجهات الأممية.
وأكدت التزامها بالعمل بشكل وثيق مع اللجنة للبحث في آليات تنفيذ ما يتوافق مع الأولويات الوطنية السورية.
وجددت الحكومة التزامها “بالمسار الوطني الذي يوازن بين العدالة والاستقرار”، معتبرة أن تحقيق قصة نجاح في سوريا يتطلب دعمًا دوليًا مسؤولًا وبناء لتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، بما يساعد الشعب السوري على تجاوز آثار النزاع.
لجنة التحقيق الأممية أشارت إلى أن السلطات السورية أوقفت وبدأت محاكمة 14 شخصًا يشتبه بضلوعهم في أحداث العنف.
إلا أنها اعتبرت أن آليات التدقيق وإصلاح الأجهزة الأمنية لا تزال غير كافية، خصوصًا فيما يتعلق بمساءلة القادة وكبار المسؤولين.
ودعت اللجنة إلى تنفيذ إصلاحات شاملة في القطاعين الأمني والقضائي، إضافة إلى برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج المقاتلين، مع إخضاع جميع أفراد القوات المسلحة والأمنية لتدقيق في سجلهم الحقوقي وتدريب على احترام حقوق الإنسان.