الضربات التركية والاقتصاد المتدهور يدفعان أكراد سوريا نحو أوروبا أسوشيتد برس

باران رمضان مع مجموعة من المهاجرين متجهين من الجزائر إلى إسبانيا

كان، باران رمضان مسكو، مختبئا مع مهاجرين آخرين لأسابيع في مدينة وهران الجزائرية الساحلية، في انتظار فرصة لركوب قارب عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

قبل أيام من بدء الكردي السوري البالغ من العمر 38 عاما الرحلة، تلقى نبأ غرق قارب تهريب يحمل بعض أصدقائه بعد وقت قصير من مغادرته الساحل الجزائري، وغرق معظم الركاب.

كان الأمر بمثابة صدمة، بعد أن أمضى أسابيع للوصول إلى الجزائر من سوريا ثم انتظر لمدة شهر حتى يضعه أحد المهربين على متن القارب.

ولكن بعد أن أنفق آلاف الدولارات في الرحلة، ومع اعتماد زوجته وابنتيه البالغتين من العمر 4 و 3 سنوات عليه لتأمين حياة آمنة من الصراع، استقل المهندس قارب صيد صغيرا مع عشرات الرجال الآخرين والتقط صورة سيلفي جماعية لإرسالها إلى عائلاتهم قبل أن يتوقف اتصال الهاتف عن العمل.

وبعد رحلة ليلية استغرقت 12 ساعة، شق مسكو طريقه إلى ألميريا بإسبانيا في 15 أكتوبر، ثم سافر إلى ألمانيا بعد أربعة أيام، حيث أصبح الآن طالب لجوء في مخيم للمهاجرين بالقرب من بيليفيلد.

وفيما لا يزال يعتاد على الطقس البارد، ويستخدم تطبيق ترجمة على هاتفه لمساعدته على التنقل أثناء تعلم اللغة الألمانية، قال إنه يأمل أن تتم تسوية أوراقه قريبا حتى تتمكن عائلته من الانضمام إليه.

معسكر مهاجرين سوريين في أوروبا
معسكر مهاجرين سوريين في أوروبا

أسباب الزيادة

تركت سنوات من الصراع والاضطرابات الاقتصادية بصماتها على المناطق الشمالية من سوريا، التي تضم حوالي 3 ملايين شخص تحت السيطرة الكردية الفعلية.

واستهدفت المنطقة من قبل متشددي تنظيم داعش والقوات التركية وجماعات المعارضة السورية من الجيب الذي تسيطر عليه المعارضة في شمال غرب البلاد.

كما أدى تغير المناخ وتفاقم الفقر إلى تفشي الكوليرا في الأشهر الأخيرة.

ومثل مسكو يأتي كثير من المهاجرين من مدينة كوباني السورية التي تصدرت عناوين الصحف قبل سبع سنوات عندما صمد المقاتلون الأكراد أمام حصار وحشي من تنظيم داعش.

وقال، جوزيف ظاهر، الأستاذ في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا بإيطاليا، إن المدينة تركت في حالة خراب، ومنذ ذلك الحين، “لم يحدث الكثير” لمحاولة إعادة البناء، مضيفا أن معظم تمويل التنمية ذهب إلى المدن الواقعة في الشرق.

وأعطت الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا سكانها حافزا إضافيا للمغادرة.

وصعدت تركيا هجماتها على المناطق الكردية في سوريا بعد تفجير في اسطنبول في نوفمبر أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أكثر من 80 آخرين.

وتلقي أنقرة باللوم في التفجير على حزب العمال الكردي المحظور، والقوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، وحدة حماية الشعب في سوريا، وقد نفى كلاهما مسؤوليته.

ومنذ ذلك الحين، قصفت الغارات الجوية التركية مناطق في شمال شرق سوريا، بما في ذلك كوباني، مما أدى إلى مزيد من الضرب للبنية التحتية المدمرة بالفعل، وتعهدت أنقرة بغزو بري.

يتذكر بوزان شاهين، وهو مهندس من كوباني، غارة جوية تركية الشهر الماضي.

قال شاهين: “رأيت والدتي ترتجف من الخوف، وتحمل أختي البالغة من العمر 4 سنوات للحفاظ على هدوئها.

وهو يريد الآن الانضمام إلى تدفق الأكراد المتجهين من سوريا إلى أوروبا.

وقال: “لدي بعض الأصدقاء الذين وجدوا طريقة للوصول إلى لبنان عبر مهرب والذهاب إلى مكان ما عبر ليبيا”، مضيفا “لست على دراية بكل التفاصيل ، لكنني أحاول أن أرى كيف يمكنني القيام بهذه الرحلة بأمان.”

المهاجرون يواجهون اوضاعا صعبة
المهاجرون يواجهون اوضاعا صعبة

اختفاء مهاجرين

اختفى ما لا يقل عن 246 مهاجرا أثناء محاولتهم عبور غرب البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا في عام 2022، حسبما ذكرت المنظمة الدولية للهجرة.

وفي السنوات القليلة الماضية، لقي آلاف آخرون حتفهم أثناء قيامهم بالرحلة البحرية الخطرة.

ومسكو هو من بين عدد متزايد من الأكراد السوريين الذين يقومون بالرحلة إلى أوروبا في مسار متعرج يشمل السفر بالسيارة والطائرة عبر لبنان ومصر وليبيا والجزائر، ثم أخيرا بالقارب إلى إسبانيا.

ويقولون إنهم يختارون هذا الطريق الدائري لأنهم يخشون الاعتقال من قبل القوات التركية أو المسلحين المدعومين من تركيا في سوريا إذا حاولوا التسلل إلى تركيا، الطريق الأكثر مباشرة إلى أوروبا.

ووفقا لبيانات وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي فرونتكس، عبر ما لا يقل عن 591 سوريا البحر الأبيض المتوسط من الجزائر والمغرب إلى إسبانيا في عام 2022، أي ستة أضعاف إجمالي العام الماضي.

وقال مهرب كردي سوري في الجزائر إن عشرات الأكراد من سوريا يصلون إلى مدينة وهران الساحلية الجزائرية كل أسبوع في رحلة بحرية.

وقال المهرب لوكالة أسوشيتد برس “لم يكن لدي أرقام بهذا الارتفاع من قبل”.

رشاوى للجنود السوريين

وقال مهاجرون ومهربون إن العملية، التي تستغرق أسابيع وتكلف آلاف الدولارات، تديرها شبكة مهربين تقدم رشاوى للجنود السوريين لإدخال الناس عبر نقاط التفتيش حيث يمكن احتجازهم بسبب التهرب من التجنيد أو النشاط المناهض للحكومة، ثم عبر الحدود التي يسهل اختراقها إلى لبنان.

هناك، يقيم المهاجرون عادة في شقق مزدحمة في بيروت لمدة أسبوع تقريبا في انتظار جوازات سفر عاجلة من السفارة السورية عن طريق وسيط المهربين.

ومع جوازات السفر في متناول اليد، يسافرون إلى مصر، حيث يمكن للسوريين الدخول بدون تأشيرة، ثم يستقلون رحلة أخرى إلى بنغازي في ليبيا التي مزقتها الحرب قبل الشروع في الرحلة إلى الجزائر عبر شبكة أخرى من المهربين.

ظروف قاسية

قال مسكو “ذهبنا في شاحنات صغيرة وسيارات جيب ونقلونا عبر ليبيا عبر طرابلس والطريق الساحلي وكنا نبدل السيارات كل 500 كيلومتر أو نحو ذلك”.

وخلال الرحلة عبر الصحراء، اضطروا إلى عبور نقاط التفتيش التي تديرها مختلف الجماعات المسلحة الليبية.

وقال: “عاملنا بعض الحراس عند نقاط التفتيش بشكل فظيع عندما عرفوا أننا سوريين، وأخذوا نقودنا وهواتفنا، أو أجبرونا على الوقوف في الخارج في الحر لساعات”.

وقال مسكو إن جماعة مسلحة اختطفت مجموعة المهاجرين الذين غادروا قبله وطالبت بمبلغ 36 ألف دولار لإطلاق سراحهم.

وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى مدينة وهران الجزائرية، شعر ميسكو بالارتياح للجوء إلى شقة يديرها المهربون.

وبينما كانوا ينتظرون لأسابيع، قضى هو والمهاجرون الآخرون معظم وقتهم في الداخل.

وقال مسكو “لم نتمكن من التحرك بحرية في وهران، لأن قوات الأمن منتشرة في كل مكان ولم نعبر إلى البلاد بشكل قانوني”، مضيفا “كانت هناك أيضا عصابات في المدينة أو حتى على الساحل تحاول تهريب المهاجرين وأخذ أموالهم”.

اعتقال المهاجرين

واتهمت جماعات حقوق الإنسان السلطات الجزائرية باعتقال المهاجرين، وفي بعض الحالات طردهم عبر الحدود البرية.

ووفقا لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، طردت الجزائر أكثر من 13000 مهاجر إلى النيجر المجاورة إلى الجنوب في النصف الأول من عام 2021.

وعلى الرغم من ارتياحه لوصوله بأمان إلى ألمانيا مع فرصة لإحضار زوجته وبناته إلى هناك، يشعر مسكو بالندم على مغادرة كوباني.

وقال: “كنت دائما أعارض فكرة الهجرة أو حتى النزوح”. كلما اضطررنا للانتقال إلى منطقة أخرى بسبب الحرب، كنا نعود إلى كوباني بمجرد أن نستطيع”.

ويقضي مسكو معظم وقته في مقابلات اللجوء وجلسات المحكمة، لكنه يقول إنه في حالة معنوية جيدة مع العلم أنه بدأ عملية كان يحلم بها منذ أشهر.

ويأمل أن يحصل على وضع اللجوء قريبا، حتى تتمكن زوجته وبناته من لم شملهن معه في أوروبا.

وقال “سوريا أصبحت بؤرة للحرب والفساد والإرهاب”. لقد عشنا بهذه الطريقة لمدة 10 سنوات، ولا أريد أن يعيش أطفالي هذه التجارب، وأن يروا كل الفظائع”.