
ثائر الزعزوع
روائي وصحفي.. جريدة الثورة السورية
استوقفني طويلاً تعليق لأحد الأصدقاء على منشور لي على صفحتي الشخصية على الفيسبوك، والمنشور الذي كان شطراً من بيت الشعر الأكثر شهرة، والمنسوب لواضع النقاط على الحروف، أبي الأسود الدؤلي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله، فكتب الصديق، الذي لا أعرفه شخصياً: «منذ أن بدأتَ الكتابة في جريدة الثورة السورية، صار نقدك ناعماً جداً»، هكذا حرفياً.
وقد أعدت قراءة التعليق مرات، ثم عدت لقراءة المقالات التي كتبتها في صحيفة الثورة السورية، والتي كنت أعتبرها مساهمة متواضعة في رصد ملامح تجربة الدولة السورية الجديدة، التي بعثت من رماد، ورغم أني اعتبرت، وفقاً لخبرة طويلة في الكتابة الصحفية، ما أكتبه يندرج تحت إطار نقدي، إلا أني لم أفكر فيما إذا كان نقدي ناعماً أو خشناً.
والحقيقة أني مرات كنت أحسب بأني أتجاوز خطوطاً حمراء فيما أكتب، لكن تبين لي لاحقاً بأن الصحيفة لا تتدخل في المقالات، فلا تحذف، ولا تغير، وقرأت مقالات لكتاب آخرين على صفحاتها، كان يمكن ببساطة ألا تنشر، لو أننا في زمن آخر، بل إن الكتاب أنفسهم، وأنا منهم، لربما كنا سنفكر كثيراً قبل أن نرسل مقالاتنا النقدية لصحيفة حكومية، وسواء أكان ذلك النقد ناعماً أم خشناً.
طيلة سنوات الثورة، لم نكن ننتقد السلطة البائدة، بل كنا نهاجمها، لأننا ثرنا عليها، ونحن نعلم أصلاً أن نقدنا لها، لن يقدم ولن يؤخر، فهي كانت بالنسبة لنا، سلطة ميتة، وكما يقال في العامية المصرية: «الضرب بالميت حرام». وبما أن ما كنا نكتبه ضدها كان يندرج في إطار مسيرة الثورة، فإنه بطبيعة الحال لم يكن نقداً، ولم نكن نحن أنفسنا نفكر فيه على أنه نقد، فنحن لم يكن يعنينا خلل في التعيينات، أو فساد مسؤول ما، في نظام لم يتورع عن قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، ولا بالأسلحة الكيماوية، فما الذي يعني بالنسبة له أن يكون وزراؤه فاسدين؟
بحثت مطولاً عبر محركات البحث عن مصطلح النقد الناعم، فلم أجد له تعريفاً واضحاً، لكن يمكن استشفاف معناه من خلال الكثير مما نقرؤه من «انتقادات» توجه للحكومة السورية الحالية، بوصفها تقع تحت مجهر النقد بشكل دائم، ويمكننا تلمس ملامح ذلك النقد من خلال تبريرات نسوقها لسلوك ما أو قرار ما، بأن نقول إنه قرار خاطئ، ونرفقها بـ«ولكن» وما سوف يأتي بعدها هو بطبيعة الحال تبرير ينسف ما قبله.
وللأمانة، فقد كثرت الــ«لكن» كثيراً، فلم يعد يخلو منها منشور فيسبوكي، ولا تغريدة على «إكس»، وطبعاً ولا المقالات التي تنشر، و كثرة الــ «لكن» تعني بالضرورة كثرة تبرير الأخطاء أيضاً، وهذا سببه أمران لا أظن أن لهما ثالثاً؛ إما ولاء للسلطة، وهذا أمر شائع، وخاصة فيمن ينظرون إلى السلطة بصيغة المخلص، من بعد السنوات الداميات التي مرت بها سوريا، و أما الأمر الثاني فهو الخوف على الدولة، الخوف على سوريا نفسها.
فماذا سيحدث، لا قدر الله، لو أن سوريا انجرفت إلى دوامة عنف، بسبب أخطاء يرتكبها بعض أفراد القوات الأمنية، الذين، وكما يعلم الجميع، لم يتم اختيارهم وفق قواعد معلومة، بسبب الظروف التي مرت بها البلاد؟ ورغم أن وزارة الداخلية، وكذا وزارة الدفاع، تصدران في بعض المرات بيانات تدين فيها تصرفات بعض أفرادهما، إلا أن هذا لا يبدو كافياً فالمطلوب محاسبة المخطئين، قبل أن يصير الخطأ عادة، وحتى في حالات تلك الأخطاء، مثلاً، فقد وجد المخطئون من يبرر لهم، صحيح هم أخطأوا ولكن.
والحقيقة، أن السلطة، أي سلطة، ليست في حاجة لمن يدافع عنها، ولا لمن يبرر أخطاءها، فبما أنها تمتلك الأدوات، التي ارتكبت من خلالها الأخطاء، فهي كذلك تمتلك الأدوات لإصلاح تلك الأخطاء، وتلافي الوقوع فيها في مرات لاحقة، وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب يقول: «رحم الله امرأً أهدى إلى عيوبي»، وهذا ما يقوم به النقد تماماً، فهو إنما يهدي السلطة أخطاءها، يقدمها لها على طبق من ذهب أو من صفيح، لا يهم.
المهم أن الناقد المراقب، والذي لا يكون جزءاً من «ماكينة» السلطة، يستطيع أن يرى الأمور بوضوح أكثر، من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أهل بيتها، وسدنة معبدها، يدبجون لها قصائد المديح فيما يرونه عملاً صائباً، ويسوقون أكداساً من الــ«لكن» دفاعاً عن أخطائها، على طريقة الأغنية العراقية الشهيرة «مابيها لوله، وحتى الخزر بالعين صايره سوله» و هل ثمة سلطة لا تخطئ؟!
ختاماً، أنا هنا لا أدافع عما أكتبه، ولا أعتبره، بطبيعة الحال، غاية النقد، ولا أصنفه فيما إذا كان نقداً خشناً، أو ناعماً، بل هو انطباعات مراقب، لا يعجبه الكثير مما يراه، ولكني على الأقل أستطيع أن أقول سامحيني أيتها الحكومة ههنا أخطأت، ولا أتبعها بــ«ولكن» أبداً. لعل الحكومة تلتفت إلى ما نكتب، وتكف عن ارتكاب الأخطاء.