
ملخص
ما يجري في لبنان اليوم لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، حيث يتشكل مشروع اقتصادي استراتيجي هو ممر IMEC الذي يربط الهند بالخليج وإسرائيل وأوروبا. هذا المشروع يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، مما يجعل الصراعات الحالية جزءاً من إعادة ترتيب المشهد الأمني في المنطقة. في هذا السياق، يأتي طرح رئيس الجمهورية لمبادرة السلام والتفاوض المباشر مع إسرائيل كخطة لمرحلة ما بعد الحرب وليس كحل فوري.
في خضم الحرب الدائرة على الأرض اللبنانية، وبين صوت المدفع وتصاعد المواجهات، يبدو الشرق الأوسط بأسره وكأنه يدخل مرحلة تاريخية جديدة تعيد رسم خرائط السياسة والاقتصاد معاً، فما يجري اليوم في لبنان لا يمكن فهمه بوصفه مواجهة محلية معزولة، بل هو جزء من تحولات إقليمية ودولية أوسع ترتبط بإعادة تشكيل النظام الاقتصادي في المنطقة.
في قلب هذه التحولات يقف مشروع اقتصادي ضخم هو ممر الهند– الشرق الأوسط– أوروبا (IMEC) الذي يربط الهند بالخليج ثم بإسرائيل وأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديد والبنى التحتية اللوجستية. وهذا المشروع ليس مجرد خطة نقل أو تجارة، بل إنه مشروع استراتيجي يعيد صياغة موقع الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي، ويخلق شبكة جديدة من الترابط الاقتصادي بين آسيا وأوروبا مروراً بالمنطقة.
الممر الاقتصادي الجديد يهدف إلى اختصار المسافات التجارية وتسريع حركة الطاقة والبضائع والتكنولوجيا وخلق مسار اقتصادي منافس للممرات التقليدية، لكن الأهم من ذلك أنه يحمل رؤية مختلفة للشرق الأوسط، شرق أوسط يقوم على الاقتصاد والتكامل الإقليمي بدلاً من الصراعات الدائمة.
نظام أمني جديد
لكن أي مشروع اقتصادي بهذا الحجم لا يمكن أن يولد في بيئة غير مستقرة. فالممرات التجارية تحتاج إلى الأمن والاستثمارات تحتاج إلى الاستقرار والبنى التحتية العابرة للحدود تحتاج إلى بيئة سياسية هادئة، لذلك فإن التحولات الأمنية التي تشهدها المنطقة اليوم ليست منفصلة عن هذه المشاريع الاقتصادية الكبرى.
بمعنى آخر، كل نظام اقتصادي جديد يحتاج إلى نظام أمني جديد يحميه، وهنا يصبح لبنان جزءاً من الصورة الكبرى. فموقع لبنان الجغرافي على شرق المتوسط يجعله جزءاً من البيئة الاستراتيجية التي تحيط بهذا الممر الاقتصادي، وأي توتر دائم في لبنان، أو أي وجود لقوة مسلحة خارج الدولة قادرة على إشعال حرب في أية لحظة، يشكل خطراً مباشراً على الاستقرار الإقليمي المطلوب لإنجاح هذه المشاريع.
من هنا يمكن فهم جزء كبير مما يجري اليوم في المنطقة، فالصراع الدائر هو أيضاً محاولة لإزالة مصادر التهديد التي يمكن أن تعطل التحول الاقتصادي الذي يجري التحضير له.
لكن المشكلة في الحالة اللبنانية أن جزءاً من الداخل السياسي لا يزال يتعامل مع الواقع بعقلية تنتمي إلى مرحلة مختلفة تماماً، فتعنّت “حزب الله” وإصراره على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، ورفضه التزام قرارات الدولة اللبنانية والقرارات الدولية، أدت عملياً إلى انتقال الكلمة من السياسة إلى الميدان.
مبادرة جوزاف عون
في هذا السياق، تأتي الطروحات التي أطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية حول السلام في الشرق الأوسط والتفاوض المباشر مع إسرائيل. وقد سارع بعضهم إلى التعامل مع هذه الطروحات وكأنها محاولة فورية لوقف الحرب، أو مبادرة دبلوماسية مرتبطة باللحظة الراهنة.
لكن القراءة الأعمق تشير إلى أمر مختلف، إذ إن هذه المبادرة ليست مبادرة للحظة الحرب، بل خطة لليوم التالي للحرب، والجميع يدرك أن الظروف الحالية لا تسمح بتحقيق تسوية سياسية سريعة. فصوت المدافع لا يزال مرتفعاً والقرارات الفعلية لا تزال تصنع في الميدان. لذلك فإن الطرح الدبلوماسي الذي قدمه رئيس الجمهورية لا يمكن قراءته بوصفه حلاً فورياً، بل بوصفه محاولة لفتح أفق سياسي لما بعد انتهاء المواجهة، وهذا التفكير بحد ذاته خطوة استراتيجية مهمة.
والتجربة اللبنانية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن المشكلة ليست في وقف الحرب، بل في طريقة إنهائها. فكم من مرة توقفت الحروب بوقف إطلاق نار موقت، ثم عادت بعد أعوام لأن الأسباب العميقة للصراع لم تُحل. ووقف إطلاق النار التقليدي غالباً ما يتحول إلى هدنة تسمح للأطراف المتقاتلة بإعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لجولة جديدة من الصراع، وهكذا يتحول السلام إلى مجرد استراحة قصيرة بين حربين.
من هنا تأتي أهمية التفكير في نهاية مختلفة للحرب الحالية، نهاية لا تقوم على وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل على تأسيس مرحلة جديدة بالكامل.
ومبادرة رئيس الجمهورية التي تتحدث عن مسار سلام إقليمي وعن احتمال أن تكون قبرص منصة للقاءات بين وفدين لبناني وإسرائيلي، تندرج تحديداً في هذا السياق، فهي محاولة لفتح باب سياسي لما بعد الحرب، وليست مجرد محاولة لإطفاء النار الحالية، والأهم من ذلك أنها تربط بين السلام السياسي والمستقبل الاقتصادي للبنان.
فلبنان اليوم يقف أمام فرصة اقتصادية كبيرة تتمثل في إمكان الدخول في ممر IMEC، وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن انضمام البلاد إلى هذه المنظومة الاقتصادية يمكن أن يدرّ عليه ما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم ضخم بالنسبة إلى بلد يعاني انهياراً اقتصادياً عميقاً منذ أعوام.
لكن هذه الفرصة ليست مجانية، فالدخول في هذا المشروع الاقتصادي يتطلب شروطاً واضحة، أولها الاستقرار الأمني لأن المستثمرين الدوليين لن يضخوا أموالهم في بلد يعيش على حافة الحرب، وثانيها السلام الإقليمي لأن الممرات الاقتصادية لا يمكن أن تعمل في بيئة نزاعات مفتوحة، أما ثالثها فترتيب ملفات الحدود البرية والبحرية، مما لا يمكن تحقيقه في ظل حال الحرب الدائمة.
حتى ملف النفط والغاز في البحر اللبناني يرتبط بهذه المعادلة، فالشركات الدولية لن تستثمر مليارات الدولارات في استخراج الطاقة من شرق المتوسط إذا كانت المنطقة مهددة بالانفجار في أية لحظة، لذلك فإن السلام بالنسبة إلى لبنان ليس شعاراً سياسياً أو خياراً أيديولوجياً، بل ضرورة اقتصادية وجودية.
“السلام بالقوة”
وفي موازاة هذا النقاش الاستراتيجي، تبرز مسألة أساسية أخرى تتعلق بدور الجيش اللبناني خلال المرحلة المقبلة، فالمؤسسة العسكرية هي الركيزة الأساسية لأية دولة تريد استعادة سيادتها وبناء الاستقرار.
وفي الفترة الأخيرة ظهرت حملات دعائية تحاول الإيحاء بأن الجيش اللبناني قد ينقسم أو أنه مؤسسة طائفية غير قادرة على تنفيذ مهماتها، وهذه الروايات ليست سوى جزء من البروباغندا التي يسعى بعض الأطراف إلى نشرها بهدف ضرب الثقة بالمؤسسة العسكرية.
لكن الواقع مختلف تماماً، فالجيش اللبناني بقي، على رغم كل الأزمات والانقسامات السياسية في البلاد، المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً. وهو اليوم سيكون أمام مهمة تاريخية في مرحلة ما بعد الحرب، تثبيت سلطة الدولة وفرض الاستقرار على كامل الأراضي اللبنانية.
وهنا يبرز أيضاً مفهوم “السلام بالقوة” الذي أصبح محوراً في كثير من النقاشات الاستراتيجية الدولية والذي يستند إلى فكرة أن السلام الحقيقي لا يقوم على الضعف، بل على وجود دولة قوية قادرة على فرض الاستقرار. وبالنسبة إلى لبنان، فإن تحقيق هذا السلام يتطلب جيشاً قوياً ومتماسكاً قادراً على حماية الدولة ومنع أية قوة مسلحة من إعادة البلاد لدوامة الحروب.
في النهاية، الحرب الدائرة اليوم من الممكن أن تطول أو تقصر، ومن المحتمل أن تتغير موازين القوى فيها. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف ستنتهي هذه الحرب، بل كيف سيبدو لبنان بعد انتهائها. هل سيكون لبنان جزءاً من شرق أوسط جديد يقوم على الاقتصاد والانفتاح والاستقرار؟ أم سيبقى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية التي لا تنتهي؟
والفرق بين الخيارين قد يحدد مستقبل لبنان لعقود، ولهذا السبب فإن التفكير في اليوم التالي للحرب لم يعُد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية ملحّة لأن الدول التي تنتظر نهاية الحرب كي تفكر في المستقبل غالباً ما تكتشف أن المستقبل صُنع من دونها.
اندبندنت عربية
