
كثيرةٌ هي العشايا اللبنانية. حين يُرخي الغروبُ بثقله على الجبل يعودُ اسمُ كمال جنبلاط كأنه امتحان. تقتربُ الذكرى ونقترب نحنُ كل عام لنحيي اغتيال رجل، فنجدُ أنفسنا على تخوم الأفكار التي تركها عالقة نردّدها ونعودُ إليها عند كلّ مفترق. اقتربت عشيّة كمال جنبلاط، واقتربت معها المناسبة. هل يمكنُ أن يقول أحدنا عن مناسبة أنّها مرآة؟ ربما ويجوز. مرآة نرى أنفسنا فيها أكثر مما نرى صورة المعلِّم.
عرفَ كمال جنبلاط طائفته جيداً. أرادَ لها أن لا تكون قدراً نهائياً. أراد أن تكون الجماعة التاريخيّة متجاوزة للجغرافيا الضيقة، خارجة على منطق الأقلية الخائفة. رأى أنّها في نهاية المطاف لن تخرج عن كونها ضميراً سياسياً في لحظة الانقسام. فهمَ كمال جنبلاط الزعامة هكذا، دعامة للبلد. عرفَ أيضاً أنّ الطائفة الموحّدة ركنٌ يحملُ مسؤوليّة بعيدة عن الامتيازات.
عشية اغتياله في العام 1977، نتذكر المشروع الذي سبقَ زمنه. ماذا يعني أن يتحدّث رجلٌ عن إصلاح بنيوي في بلد أمضى حياته وهو يتقن إدارة الأزمات. الرجل نفسه، دعا إلى علمنة سياسية تدريجية. كلّ ذلك في مجتمع لم يحسم علاقته بالدولة بعد. الرجل الذي أوكل إلى نفسه وشعبه مهمّة مساءلة السّلطة مهما كان لونها وطبيعتها.
عشية كمال جنبلاط. يرى الناظرُ إلى إرثه من جديد. يُعيدُ التنقيب في خزائنه الكثيرة، فيجد أنّ الذي بقي هو الطليعة الأخلاقية. في الوقت الذي يعيش الدُّروز همَّ الجغرافيا وقلقها وتبعات السياسة المتغيّرة، يبرز كمال جنبلاط. هنا تحديداً يعود الإرث. كان يدعو إلى الابتعاد عن المغامرات الانتحارية.
بحثَ عن موقع فاعل داخل المعادلة الوطنية، رافضاً لمنطق الإقصاء والهوامش. وأرادَ للدروز أن يكونوا شركاء في صياغة لبنان. وهذا ما يُرادُ لهم اليوم بصوته وبإرثه. في ظلّ التحولات الإقليمية العاصفة، والتوازنات الداخلية الهشة، والشعور الدائم بأنّ البقاء يحتاج إلى دقّة في الحساب.
في العشية، يكون الضوء خافتاً. يكشفُ التفاصيل أكثر من الظهيرة. تفاصيل التعب، وتفاصيل الخيبة، وأيضاً تفاصيل الإمكان. وكأنّ كمال جنبلاط في عشيّته يعود ليقول إنّ السياسة هي فنّ البقاء، وإنها أيضاً فن تغيير شروط البقاء. الكتابة عنه في عشيّته تمرينٌ على الشجاعة. شجاعة السؤال عن الفكرة التي لو أخذناها على محمل الجدّ لكنّا في مكان آخر. ماذا لو كانت طوائفنا جسراً إلى البلاد.
عشية كمال جنبلاط. نحن لوحدنا متروكون. أمام امتحاننا نحن الصّعب. لا خيارات في السلّة. الاختباء خلف الحنين أو المغامرة بمحاولة استعادة الرجل والفكرة والهويّة.
في عشيّته. نتذكر المعلّم الذي ورث أمانةً كبرى في البيت، وفي الذاكرة السياسيّة. اسمُ علمٍ كبير لا طاقةَ لعاديّ على حمله. فلسفة وأحلام وأمانة الموحّدين. ظنّ الآخرون أنَّ مصيره انتهى برصاصة. لكنّهم قلّة الذين يمشون على حبلٍ مشدود. وهذا ما فعلهُ كمال جنبلاط.