كما كان المتنبي يرفع من شأن خصومه ليعظم انتصاره، وزهير بن أبي سلمى يضخم صورة الحرب ليبرز قيمة الحكمة، وامرؤ القيس يصف المعارك بحدة ليؤكد بطولته، يوظف الإعلام الأميركي الأسلوب ذاته مع إيران؛ إذ يضخم قوتها العسكرية والسياسية ليُظهر المواجهة معها كصراع مع خصم شديد البأس، رغم أن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح واشنطن وحلفائها، فيتحول الانتصار المحتمل إلى إنجاز استراتيجي يبرر الحشد والدعم الداخلي والخارجي.
هذا التشابه بين البلاغة الشعرية القديمة والخطاب الإعلامي الحديث ليس مجرد مصادفة، بل يكشف عن آلية نفسية وسياسية عميقة تعتمد على “تضخيم الخصم” كأداة للتمجيد والتبرير. فكما كان شعراء الجاهلية يبالغون في وصف أهوال الحرب وقوة الأعداء ليبرزوا شجاعة قبائلهم وحكمة ساداتهم، نجد اليوم مؤسسات إعلامية كبرى تقدم صورة مكبّرة للقدرات الإيرانية، محوّلة إياها إلى “تهديد وجودي” يستدعي استنفاراً عالمياً وتحالفات عسكرية غير مسبوقة.
عندما ننظر إلى الأرقام والمؤشرات العسكرية المجردة، نجد تفاوتاً هائلاً لا يقبل الجدل. فالميزانية الدفاعية الأميركية تتجاوز 800 مليار دولار سنوياً، أي أكثر من عشرين ضعف الميزانية الدفاعية الإيرانية. وتمتلك واشنطن أكثر من 13 حاملة طائرات، في حين لا تمتلك إيران أي حاملة، وتمتلك الولايات المتحدة أكبر أسطول جوي في العالم بأكثر من 13 ألف طائرة حربية، مقارنة ببضع مئات من الطائرات الإيرانية التي يعود معظمها إلى عقود سابقة. كما تنتشر القواعد العسكرية الأميركية في أكثر من 70 دولة تحيط بإيران من كل اتجاه.
إيران قوة إقليمية مؤثرة تمتلك مشروعاً سياسياً قد يتعارض مع مصالح القوى الغربية لكن المطلوب خطاب إعلامي أكثر دقة وموضوعية يضع الأمور في نصابها
لكن المتتبع للخطاب الإعلامي الغربي، وخاصة الأميركي، قد يخرج بانطباع مختلف تماماً. ففي تغطية أي توتر مع إيران، نجد تركيزاً مكثفاً على “القوة الصاروخية الإيرانية”، و”برنامج الطائرات المسيّرة”، و”شبكة الوكلاء في المنطقة”، و”القدرة على إغلاق مضيق هرمز”. وكأننا إزاء قوة عظمى تمتلك أدوات حاسمة يمكنها قلب موازين القوى.
تتبع وسائل الإعلام الأميركية آليات محددة في تضخيم صورة الخصم الإيراني. أولها: التركيز على التهديدات غير المتماثلة، حيث تتحول قدرات محدودة نسبياً إلى “أسلحة استراتيجية” تهدد الأمن القومي الأميركي. فالطائرات المسيّرة الإيرانية، رغم تطورها، لا ترقى لمستوى التقنيات الأميركية، لكنها تُقدَّم في الإعلام كـ”ثورة في عالم التسليح”.
ثانياً: تضخيم دور الأذرع الإقليمية، إذ تُقدَّم جماعات كـ”حزب الله” و”الحشد الشعبي” و”الحوثيين” كأدوات على غاية الخطورة بيد طهران، وكأنها جيوش نظامية متكاملة.
ثالثاً: استخدام لغة التهويل المستقبلي، حيث تتحول السيناريوهات المحتملة إلى حقائق وشيكة. فعندما تطور إيران قدرات صاروخية، يتحول ذلك في الإعلام إلى “تهديد وشيك لأوروبا”، وعندما تتعاون مع الصين أو روسيا، يُقدَّم كـ”تشكيل محور شر جديد” يهدد النظام الدولي بأكمله.
هذا التضخيم ليس عشوائياً، بل يخدم أغراضاً استراتيجية واضحة. فأولاً: تبرير الحضور العسكري الأميركي في مناطق مختلفة حول العالم، فإذا كانت إيران مجرد قوة متوسطة محدودة القدرات، فسيكون من الصعب تبرير إنفاق مليارات الدولارات على قواعد عسكرية، أو إبقاء حاملات الطائرات هناك لعقود.
ثانياً: حشد الدعم الداخلي، فالإدارة الأميركية تحتاج إلى “خطر كبير” لتبرير فرض عقوبات قاسية، أو لتمرير صفقات أسلحة ضخمة بمليارات الدولارات. وقد أثبتت التجارب أن التهديدات المتوسطة لا تحقق الإجماع السياسي المطلوب داخل الكونغرس الأميركي.
ثالثاً: توحيد الحلفاء تحت المظلة الأميركية، فـ”الخطر الإيراني المشترك” يشكل الغراء الذي يجمع تحالفاً فضفاضاً يضم إسرائيل وبعض القوى الأوروبية. وكلما بدت إيران أقوى، ازدادت هذه الدول تمسكاً بالتحالف مع واشنطن.
“الخطر الإيراني المشترك” يشكل الغراء الذي يجمع تحالفاً فضفاضاً يضم إسرائيل وبعض القوى الأوروبية وكلما بدت إيران أقوى ازدادت هذه الدول تمسكاً بالتحالف مع واشنطن
ما يفعله الإعلام الأميركي اليوم يذكرنا بشكل لافت بتقنيات البلاغة العربية القديمة. فالمتنبي لم يكن ليقول “الخيل والليل والبيداء تعرفني” لولا أنه صوّر خصومه كأقران أكفاء يستحقون قلمه وسيفه. وزهير بن أبي سلمى لم يبلغ قصيدته “من لم يصانع في أموره” ذروتها إلا بعد أن صوّر الحرب كقوة هائلة تطحن الأخضر واليابس.
لكن الفرق الجوهري أن الشاعر كان يتحدث باسم قبيلته أو ذاته، بينما يتحدث الإعلام الأميركي اليوم وكأنه صوت “الموضوعية” و”العالمية”. وتلك مفارقة لافتة: فبينما تقدم وسائل الإعلام نفسها كحارس للحقيقة، نجدها توظف تقنيات شعرية بدائية لخدمة سياسات قد تكون كارثية على شعوب المنطقة.
ويتجلى التشابه الكبير بين التضخيم الإعلامي الحالي للقوة الإيرانية مع التكتيك نفسه الذي طُبق قبل غزو العراق، حيث استخدم الإعلام الغربي أسلوب “تهويل العدو” لتحقيق أهداف سياسية واضحة. ففي المرحلة الأولى، تم تصوير الخصم كتهديد وجودي لا يستهان به بالحديث عن “جيش صدام المليوني” و”أسلحة دماره الشامل”، وذلك لتبرير التكلفة الباهظة للمواجهة وحشد التحالفات الدولية وتعظيم صورة الانتصار المتوقع. أما المرحلة الثانية، فتبدأ بعد تحقيق الأهداف العسكرية، حيث يتحول الخطاب فجأة إلى التقليل من شأن العدو المنهزم وكشف “هشاشته” التي كانت مخفية.
لا يقتصر تأثير هذا التضخيم على الصورة الذهنية فحسب، بل يمتد إلى صناعة القرار نفسه. فصانع القرار الأميركي الذي يستمد معلوماته من هذه التغطية، وقد يكون محاطاً بمساعدين يقرؤون التقارير ذاتها، يدفع باتجاه سياسات أكثر تشدداً مما يتطلبه الردع العقلاني. ويدفع هذا بدوره إلى تصعيد متبادل، ترد عليه إيران بخشونة قد تصل إلى حد المواجهة.
لا يعني هذا التحليل إنكار التحديات التي تمثلها السياسات الإيرانية، أو تجاهل قدراتها العسكرية المتنامية، أو إغفال دورها الإقليمي. فإيران قوة إقليمية مؤثرة، تمتلك مشروعاً سياسياً قد يتعارض مع مصالح القوى الغربية. لكن المطلوب هو خطاب إعلامي أكثر دقة وموضوعية، يضع الأمور في نصابها، ويميز بين التهديدات الحقيقية والتهويل الإعلامي.
فالدقة في وصف الخصم ليست نزاهة فكرية فحسب، بل ضرورة استراتيجية. فالمبالغة في تضخيم العدو قد تدفعه إلى التصعيد بحثاً عن مكانة لا يملكها، أو قد تؤدي إلى استنفار داخلي يزيد من شرعيته الشعبية. كما أن التقليل من شأن الخصم قد يؤدي إلى مفاجآت غير سارة. والحل هو في التوازن الذي يجمع بين الوعي بالتحديات وعدم الانجرار وراء لغة التهويل.
في النهاية، يبقى الشعر العربي القديم معلماً مهماً في فهم آليات بناء الصور الذهنية للعدو، ليس فقط في زمن المتنبي وزهير، بل في عصر الصورة والقنوات الفضائية ووسائل التواصل.