أشعلت نوبة سعال بوتين المسربة تكهنات جديدة حول صحته وهشاشة سلطته، وسط إشارات متزايدة إلى اضطرابات داخلية وتصدعات نادرة في صورة الزعيم القوي، لكن التحليلات تشير إلى أن غياب بوتين، إن حدث، لن يضمن روسيا أكثر اعتدالاً، بل ربما أكثر تشدداً.
أعادت نوبة السعال الحادة التي قاطعت جهود الرئيس الروسي لتسجيل رسالته بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، التكهنات من جديد حول صحة فلاديمير بوتين، بل وحتى الجدل حول وفاته. فاختفاؤه المتكرر لأيام متواصلة، وآخرها الشهر الماضي، ومظهره المنتفخ أحياناً، وما يفسر (لدى بعضهم) على أنه محاولات لإخفاء ارتجاف في اليد أو القدم، كلها باتت تقرأ باعتبارها مؤشرات على تدهور حالته الصحية
وطوال معظم سنوات حكمه التي بلغت الآن 25 عاماً على قمة السلطة في روسيا، حافظ بوتين، البالغ 73 سنة، على صورة لياقة وصحة فائقة. فقد كان طوال حياته تقريباً ممارساً لفنون القتال، ومواظباً على السباحة، ورياضة التزلج. وربما يمكن القول إن هذه الصورة النشطة التي روج لها لسنوات جعلت أية علامة معاكسة تكتسب أهمية مضاعفة.
ومن بين تلك المؤشرات احتجابه الطويل عن الأنظار خلال جائحة كورونا، وما عرف عنه في تلك الفترة من خوف مفرط من خطر الإصابة بتلك العدوى، وهو ما اتضح من خلال الإجراءات الصارمة التي اتبعها والمتمثلة بعمليات الحجر الصحي التي فرضت على المحيطين به، وفي الطاولة الطويلة التي جلس خلفها خلال لقائه الرئيس الفرنسي مطلع عام 2022.
ومهما تكن حقيقة الإشاعات المتداولة حول صحته الجسدية، فإن بروز المرض كدليل على ضعف سياسي يعد أمراً لافتاً. وقد قيل إن نشر مقطع السعال الذي استمر أربع دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي كان من قبيل “الخطأ”، وهو كذلك بلا شك من منظور الكرملين. غير أن مجرد تسريب الفيديو يوحي بأن هناك من أراد خروجه للعلن لأسباب سياسية، سواء كان شخصاً صادف أن اطلع عليه، أم فرداً معارضاً شارك في عملية التسجيل، أم شخصية نافذة من الدائرة الداخلية.
وليس هذا الحدث أول شرخ يظهر في الصورة التي يسعى بوتين دائماً إلى ترسيخها عن نفسه كزعيم لا يقهر، فمسيرة يفغيني بريغوجين ومرتزقة “فاغنر” باتجاه موسكو خلال صيف العام الثاني من الحرب في أوكرانيا تعد المثال الأبرز على ذلك، وإن ظلت مثل هذه اللحظات نادرة الحدوث.
وتزامن انتشار مقطع السعال مع انقطاعات في الإنترنت في موسكو، ومع إشاعات واهية عن محاولة انقلاب محتملة يقودها مقربون من نائب وزير الدفاع المقال حديثاً رسلان تساليكوف، مما غذى تكهنات غربية عن تنامي المعارضة داخل النظام. وهنا لا يمكن استبعاد احتمال وجود “دعاية سوداء” تقف خلفها أطراف معادية لبوتين، لا سيما خصومه في الخارج، لكن ليس من الضروري الذهاب إلى هذا الحد، واعتبار نشر مقطع السعال دليلاً على شيء يتجاوز مجرد نوبة سعال عابرة.
ومع ذلك، لن يتضح مدى أهمية هذه التكهنات إلا بأثر رجعي. فالقادة السلطويون، وليس الروس فقط، لا يرحلون إلا عندما يرحلون فعلاً. وعندما يحدث ذلك، غالباً ما يكون مفاجئاً. وعلى رغم الإغراء بإجراء مقارنات، فإن العقد الأخير للاتحاد السوفياتي، حين كان “العالمون بالشؤون الروسية” يترصدون موت قادته المسنين الواحد تلو الآخر قبل بروز ميخائيل غورباتشوف الأكثر شباباً عام 1985، لا يصلح نموذجاً للوضع الراهن.
ومن المهم بالقدر نفسه إدراك أن رحيل القادة الأقوياء – حتى عندما يتحقق فعلاً – لا يعني بالضرورة التغيير الذي يأمله خصومهم، في الأقل ليس سريعاً. فقد احتاج غورباتشوف النشط ذاته إلى أكثر من عامين لترسيخ سياستي “بيريسترويكا” و”غلاسنوست” في محاولته غير الناجحة لإنهاء الركود السوفياتي، كما استغرق الأمر ثلاث سنوات بين وفاة ستالين وخطاب خروتشوف الثوري – والسري في بدايته – الذي دشن عملية اجتثاث الستالينية.
وقد يؤدي موت قائد – خصوصاً إذا اعتبر مفاجئاً أو نتيجة تدخل خارجي – إلى تأثير عكسي يتمثل في التفاف الشعب حول النظام القديم، وربما يرى مثال على ذلك في إيران اليوم عقب اغتيال الولايات المتحدة للمرشد الأعلى، ويمكن أيضاً النظر إلى جهود الغرب لعزل روسيا بعد غزو أوكرانيا عام 2022 باعتبارها منحت بوتين زخماً إضافياً بين أبناء الشعب بدلاً من تعزيز المعارضة.
ولهذا السبب، ينبغي على الذين يأملون صراحة في نهاية عهد بوتين، أو يعملون من أجلها – ومن بينهم الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي قال في رسالته للعام الجديد إن “جميع الأوكرانيين يتمنون” أن يلقى “هو” حتفه – أن يتذكروا التحذير القديم: احذر ما تتمنى. وكذلك أولئك في الغرب الذين يرون في اختفاء بوتين السبيل الأفضل، وربما الوحيد، لإنهاء الحرب في أوكرانيا وفتح صفحة جديدة مع روسيا.
لكن هذا التصور يقوم على وهم، فأبرز الأصوات المعارضة لبوتين في الداخل اليوم تأتي من أولئك الذين يرون بوجوب تشدد روسيا في حربها في أوكرانيا، لا من الداعين إلى وقف إطلاق النار أو الرافضين للحرب. هذه هي الحقيقة، وهي حقيقة يجب أن يتذكرها من يعلقون آمالهم على “سعال بوتين”، باعتباره نذيراً بنهايته الوشيكة وبولادة روسيا أكثر تعاوناً.
اندبندنت عربية
