واحدة من المفارقات البارزة في سوريا اليوم هي التوكيد المستمر لاستثنائية الوضع في البلاد الخارجة من ثورة وحرب أهلية مديدة من جهة أولى، وعدم الإقرار الرسمي بأن سوريا هي في مرحلة انتقالية تقودها سلطة انتقالية. وتعني صفة الانتقالية أن الأمر يتعلق فقط بإدارة مؤقتة تكمن مهمتها في ضبط الأمن وتهيئة المناخ لانتقال سياسي عبر انتخابات عامة. المفارقة الأخرى هي في التوكيد على هشاشة الوضع الذي يتطلب تحديد أولويات بما يمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، أي التركيز على إطلاق عجلة الاقتصاد وتحسين الوضع المعيشي للناس، وترك “الأمور الأخرى” إلى وقت لاحق، لأن السلطة القائمة لا تستطيع هدر جهودها على مسائل “ثانوية” كترتيبات نقل السلطة وما يرتبط بها من متفرعات كاستكمال تشكيل المجلس التشريعي أو إصدار قوانين للأحزاب والانتخابات… لكن ما يحدث هو أن الوضع المعيشي يزداد تردياً، بدلالة ارتفاع أصوات التذمر الشعبي باطراد، والتهرب من تحديد أي خطوات على طريق الانتقال السياسي في الوقت نفسه.
في تسجيل مصور انتشر مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وهو يجيب عن سؤال يتعلق بقانون الأحزاب، وجهه إليه ناشط شارك في دعوة وجهت إلى شخصيات من المجتمع المدني للمشاركة في وليمة إفطار في قصر الشعب. استرسل الشرع مطولاً في جوابه، بخلاف عادته في اختصار الكلام، وكان الفحوى الذي يمكن تلخيصه يتركز حول “الظروف الاستثنائية” التي تمر بها سوريا، والحاجة إلى توحيد الجهود لبناء الدولة الجديدة بدلاً من تبديد الجهود في مناكفات بين الأحزاب. وأن نسخ تجارب البلدان المستقرة لا ينفع في إقامة حياة سياسية في الشروط المحلية. “فالبذرة المستوردة لا يمكن أن تنبت في أرض ترابها مختلف” على حد تعبيره. مع العلم أنه بدأ جوابه بالقول إنه ليس من شأنه الكلام على قانون الأحزاب الذي من المفترض أن يضعه المجلس التشريعي.
هشاشة الوضع الذي يتطلب تحديد أولويات بما يمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، أي التركيز على إطلاق عجلة الاقتصاد وتحسين الوضع المعيشي للناس
إذن يقرر الشرع نوع “البذار” الذي ينبغي استنباته، مع أن هذا ليس من صلاحياته كما قال. غير أن السؤال نفسه كان مشكلة، فقد طرح الناشط إياه سؤاله كما يلي: “سيادة الرئيس، هل سيكون لدينا قانون للأحزاب؟” فالسؤال بهذه الصيغة يفترض أن المخاطب هو الذي من المفترض أن يقرر فيما إذا كانت سوريا بحاجة إلى قانون أحزاب أم لا. وذلك في تعارض صريح مع نص الإعلان الدستوري الذي وضعته السلطة بما يناسبها، وكذلك مع تصريحات عديدة لأركان السلطة حين يمنعون نشاطاً سياسياً فيقولون إن عليكم انتظار صدور قانون الأحزاب.
على أي حال لا يمكن تصور حياة سياسية في أي بلد بدون قانون ينظمها فيجيز إنشاء أحزاب سياسية تشكل قنوات لا غنى عنها للمشاركة السياسية. ينطبق ذلك حتى على الأنظمة الدكتاتورية التي تضع قوانين أحزاب بما يخدم سيطرتها الدائمة. وفي نظام الأسد الذي من المفترض أنه سقط كان ثمة “جبهة وطنية تقدمية” تضم جميع الأحزاب الملتحقة بالنظام ويقودها حزب البعث الحاكم. فكانت الحياة السياسة تنتظم بتلك الطريقة. أما الأحزاب المعارضة فقد كانت خارج القانون وتتم ملاحقتها وسحقها بلا هوادة. أما السلطة الانتقالية القائمة في دمشق فمن المحتمل أنها تعمل في هذا الشأن بعيداً عن الأضواء لترتيب الحياة السياسية بما يناسب ديمومة سيطرتها. هذا ما كشف عنه تقرير صحافي في صحيفة المدن الإلكترونية أسند معلوماته إلى مصادر مغفلة، فقال إن السلطة بدأت العمل على تأسيس حزبها السياسي، برئاسة أحمد الشرع، استباقاً لإصدار قانون الأحزاب. وأن هذا العمل تتم إدارته من قبل الأمانة العامة للشؤون السياسية في وزارة الخارجية.
يمكننا الافتراض أن وجود الأمانة العامة هذه في بنية وزارة غير ذات اختصاص يعني فقط تبعيتها لأسعد الشيباني الذي يصدف أنه وزير خارجية. فقد سبق له وكان يدير الشؤون السياسية في إمارة إدلب واستمر في مهمته هذه إضافة إلى مهمته الجديدة. فهو يتمتع بثقة الشرع ودرس العلوم السياسية في إحدى الجامعات التركية، ومن المحتمل أن السلطة ليس لديها كوادر سياسية بديلة يمكن الاعتماد عليها في هذه المهمات الخطيرة (فالأساس هو الثقة!). وإنه ذو دلالة بالغة أن “الأمانة العامة” قد اتخذت مقرات لها المباني التي كانت تخص حزب البعث في عهد نظام الأسد. فإذا ربطنا هذه الواقعة بكلام الشرع في جوابه حول قانون الأحزاب يمكننا الافتراض أن الكتالوغ الذي تسترشد به السلطة لتنظيم الحياة السياسية هو كتالوغ مجرب تمكن نظام الأسد بفضله من البقاء في السلطة لأكثر من نصف قرن.
يواجه أنصار السلطة المطالبات بحرية العمل السياسي عادةً بالقول إن الأحزاب السياسية التقليدية قد أثبتت فشلها. قد يكون ذلك صحيحاً بدرجة معينة، ولكن يبقى السؤال لماذا إذن الخشية من حرية العمل السياسي إذا كانت تلك الأحزاب غير قادرة على تشكيل بديل قوي للسلطة القائمة؟
الواقع أن المجتمع السوري ليس بخيلاً بالمبادرات السياسية، وقد تشكلت أحزب وتيارات سياسية عديدة في سنوات الثورة، وثمة تجارب جديدة بدأت تطرح نفسها بعد سقوط نظام الأسد أيضاً. ففي النهاية لا يمكن للمجتمع إلا أن يعبر عن تطلعاته ومصالحه المتنوعة من خلال تيارات سياسية تسعى إلى الظفر بالشعبية في سعيها لاستلام السلطة وإدارة البلاد وفقاً لرؤية كل منها. هذا من طبيعة الأشياء كما يقال، وسواء سمحت السلطة الانتقالية بحدوث ذلك بسلاسة أو حاولت عرقلته فسوف تظهر الأحزاب وتتنافس على السلطة. من شأن الإسراع بإصدار قانون عصري للأحزاب أن يصرف فائض العنف في مجار شرعية سلمية، وفي هذا مصلحة للجميع بما في ذلك السلطة.
٭ كاتب سوري
القدس العربي