يحاول بعضهم التقليل من شأن ابن المقفع فيكيل له الاتهامات، كقولهم إن مذهبه مجوسي من أتباع زرادشت، وإنه لم يسلم إلا للمحافظة على روحه والتقرب إلى العباسيين
يعتبر كتابا “الأدب الصغير” و”الأدب الكبير” من أهم أعمال أبي محمد عبدالله بن المقفع، وقد صدرا في طبعة جديدة (بيت الحكمة -القاهرة) تتكئ على الطبعة التي حققها “شيخ العروبة” أحمد زكي باشا (1867 – 1934)، وعلى دراسة لها أنجزها الباحث الأكاديمي الدكتور أيمن صابر سعيد.
ولد ابن المقفع في قرية جور (فيروز آباد) في بلاد فارس عام 724 للميلاد وكانت وفاته عام 759 للميلاد، وكان اسمه “روزبه بن دانويه” قبل أن يسلم على يد عيسى بن علي عم الخليفة العباسي المنصور ووالي الأهواز وقتذاك حين كان يعمل كاتباً لديه، وكان ابن المقفع شاعراً وناثراً في غاية الفصاحة وكأن العربية لغته الأم، وقد سئل “من أدبك؟” فقال “نفسي، فقد كنت إذا رأيت من غيري حسناً آتيه، وإن رأيت قبيحاً أبيْتُه”، وهو كان مشهوراً حتى قبل إسلامه بمتانة أخلاقه، شغوفاً بالجمال ومؤمناً بقيمة الصداقة وإغاثة الملهوف، وكان كما يقول الدكتور أيمن صابر سعيد، مجتهداً في وضع أسس الإصلاح الاجتماعي بالمفهوم الحديث، وقال عنه الجاحظ “كان جواداً فارساً جميلاً”، “ولذلك فلا غرو إن قلنا إنه كان مصلحاً اجتماعياً من طراز رفيع” (ص-17)، بحسب مقدمة دراسة سعيد لتحقيق أحمد زكي باشا التي حملت عنوان “الربط النحوي عند ابن المقفع”.
من المؤلفات التي تشهد ببراعة ابن المقفع وقدرته على التوفيق بين الدال والمدلول كتاب “كليلة ودمنة” الذي يضم مجموعة من الحكايات الرمزية تدور على ألسنة الحيوانات والطيور كشخصيات رئيسة، يحكيها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم موضحاً من خلالها آراءه السياسية في المنهج القويم للحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والمشهور أن ابن المقفع ترجم هذه الحكايات عن الفارسية وأنها هندية الأصل، لكن هناك أبحاثاً كثيرة، كما يقول الدكتور أيمن صابر سعيد، تؤكد أنها من تأليفه الخاص وليست مجرد ترجمة، مضيفاً أنها على أية حال لم تكن ترجمة حرفية “وإنما ترجمة بلغة فنية عالية وبروح إسلامية، جعلت أهل عصره ومن أتى بعدهم يقبلون عليها ويتعاملون معها على أنها عربية النشأة، وينسون أصلها وأنها ترجمة عن لغة أخرى”.
أما “الأدب الصغير” فهو عبارة عن كلمات حكيمة منقولة أو مجمعة في الأخلاق، لا تسبر أغوار النفس ولا تغوص فيها غوصاً عميقاً، ولا تحلل الخلق تحليلاً دقيقاً واسعاً مستوفياً جميع الأركان، ولكنها عبارة عن جمل موجزة أشبه بالأمثال والحكم، أو خطرات تولدت من تجارب وتأملات عبر أجيال عدة صيغت في عبارات رقيقة رشيقة، وليس ثمة رابط يربط بينها أو وحدة عضوية لموضوع واحد من أوله إلى آخره، وإنها عندي، يقول أيمن صابر سعيد، أشبه بجدٍ ينصح ويوصي ويؤدب أحفاده وأبناءه، وهذا ما ذكره ابن المقفع حين قال “وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفاً فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق”.
وقد شبهه أحمد أمين (1886 – 1954) برجل يقرأ في كتب مختلفة، وكلما وجد كلمة أعجبته دوّنها، “لذلك ترى كلمة في محاسبة النفس وإلى جانبها كلمة في الصديق، ثم كلمة في معاملة الناس بحسب طبقاتهم، ثم في تعادي الرأي والهوى، ثم في سياسة الملوك والولاة، لكن الذي يجمع بينها على اختلافها هو أنها تهدف إلى الحديث عن مكارم الأخلاق، وربما يقصد أحمد أمين إلى طريقة التأليف والتجميع”.
الدرة اليتيمة
أما “الأدب الكبير” أو الدرة اليتيمة، كما يسميه بعضهم، فهو عبارة عن كلمات مرتبة يدور أغلبها على موضوعين رئيسين شغلا ابن المقفع طوال حياته، أولهما السلطان والولاة وما يتصل بهما من صفات الصديق الصالح وحسن المعاشرة، إذ قدر الصداقة تقديراً كبيراً ووضعها في منزلة أسمى من منزلة الزواج الذي هو رابط مقدس، و”يتيمة ابن المقفع” تلك يُضرب بها المثل لبلاغتها وبراعة منشئها، وهي رسالة في نهاية الحسن تشتمل على محاسن من الآداب العامة ودروساً في الأخلاق والتعاملات وذات نزعة مثالية تسعى إلى الكمال، ومن ذلك قوله “ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك (معارف المرء) رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحنُنك، ولعدوك عدلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد”.
ويتناول رذائل مختلفة مثل رذيلة انتحال الكلام والأفكار والآراء وتأثيرها في العلاقات التي قد يصل إلى هدمها نتيجة ما تحدثه من استياء المنتحَل والعار الذي يلحق بالمنتحِل، والذي قد يصل إلى انتحال المنتحِل في حضور المنتحَل، وهو الأكثر غرابة وظلماً، وفي ظل نزعته المثالية تلك يطالب المعتدى على أفكاره بمسامحة المعتدي ومقابلة الإساءة بالحسنى.
تميز ابن المقفع بأسلوبه الرشيق السهل، فقد كان رأيه، كما يقول سعيد، أن البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها، وكان ينصح باختيار ما سهل من الألفاظ مع تجنب ألفاظ السفلَة، ويقول في هذا الشأن “إن خير الأدب ما حصل لك ثمره وبان عليك أثره”، وكان مع ذلك غزير المعاني، دقيق الألفاظ، يمعن في اختيار المعنى ثم يمعن في اختيار اللفظ، وقد ذكر في “زهر الآداب” أنهم قالوا “كان قلم ابن المقفع يقف”، فسئل عن ذلك فقال “إن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لتخيره”، وقال محمد بن سلام في “رسائل البلغاء”: “سمعت مشايخنا يقولون لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع”، وقال جعفر بن يحيى “عبدالحميد أصل وسهل بن هارون فرع وابن المقفع ثمر وأحمد بن يوسف زهر”.
وبحسب دراسة سعيد فقد تميز أسلوب ابن المقفع عموماً بأنه “صوت يعبر عن أغراضه ويصل العالم الفارسي بالعالم العربي”، وفي “الأدب الصغير والأدب الكبير” بخاصة امتاز بغلبة السلاسة البلاغية والوضوح والإيجاز وبالطريقة العقلانية المنطقية في الصياغة والبحث والاتساق والانسجام بين الأفكار، وهو لا يستخدم الصيغ البلاغية إلا باعتدال، إذ قال ناصحاً “إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر”.
يحاول بعضهم التقليل من شأن ابن المقفع فيكيل له الاتهامات، كقولهم إن مذهبه مجوسي من أتباع زرادشت، وإنه لم يسلم إلا للمحافظة على روحه والتقرب إلى العباسيين، ويتهمونه كذلك بالزندقة، ولكن الحقيقة، يقول أيمن صابر سعيد، أنه في ضوء مؤلفاته التي بين أيدينا وحقيقة أنه لا يعلم البواطن إلا الله، فقد كان صاحب نفس شريفة يقدر الصداقة حق قدرها، وقد رأى الأصدقاء عماد الحياة ومرآة النفس ولهم منزلة مقدسة عنده، لذا نصح بالدقة والتثبت والتحري في اختيار الأصدقاء، وإذا كان ابن المقفع قد أظهر عيوب النُظم الإدارية في عصره وفضّل النظم الإدارية الفارسية التي تفوّق فيها العجم، فإن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن العرب كانوا بعيدين كل البعد من مثل هذه النظم، بحسب سعيد، وحين تولى عمر بن الخطاب الخلافة فإنه “أخذ كثيراً من النُظم الإدارية عن الفرس والتي مكنته من بناء دولة قوية على أسس متينة، كان لها أثرها الكبير في تثبيت أركان الدولة الإسلامية”.
