بين الصمت الرسمي والتسريبات المتقاطعة، تتصاعد الأنباء عن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني بضربة إسرائيلية، في تطوّر قد يعيد رسم ملامح القرار داخل النظام الإيراني ويدفع نحو خيارات أكثر تشدداً.
وكانت وسائل الإعلام الرسمية قد تأخرت أيضاً في تأكيد مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إذ لم يُعلن الخبر إلا بعد نحو 18 ساعة من وقوعه، عقب نفي أولي.
وتؤكد مصادر موثوقة أن لاريجاني قُتل ليل الأثنين – الثلاثاء مع نجله مرتضى، في شمال شرق طهران، جراء ضربة إسرائيلية باستخدام قنابل خارقة للتحصينات. وفي آخر ما نُسب إليه، يُرجّح أنه كُتب مساء الإثنين، قدّم التعازي ببحّارة إيرانيين قضوا في هجوم نفذته غواصة أميركية.
شخصية عقلانية في قلب القرار
منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، برز لاريجاني كأحد أبرز الوجوه في إدارة المواجهة على المستويين السياسي والأمني. وبصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، اضطلع بدور تنسيقي بين المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، وكان يُنظر إليه داخل دوائر القرار كشخصية معتدلة وعقلانية، ما جعله في موقع تباين دائم مع التيار المتشدد.
ولاريجاني (69 عاماً) خريج فلسفة ونجل أحد كبار مراجع الشيعة، شغل عدة مناصب، بينها وزير الثقافة، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى رئاسة مجلس الشورى الإسلامي. كما تولّى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في فترتين. وعُرف بدعمه خيار الديبلوماسية والتفاوض مع الغرب، ما جعله عرضة لانتقادات متكررة من التيار المتشدد.
وفي عام 2020، رُفضت أهليته للترشح للانتخابات الرئاسية بقرار من مجلس صيانة الدستور، في خطوة عُزيت إلى ضغوط من مؤسسات أمنية، ما دفعه إلى الابتعاد عن طهران والإقامة لفترة في قريته بمحافظة مازندران. لكنه عاد لاحقاً إلى الواجهة بعد انتخاب مسعود بزشكيان رئيساً للجمهورية، وأُعيد تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي قبيل حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو الماضي، ما أعاد بعض الأمل لدى التيار المعتدل بإمكان خفض التوترات.
إلا أن الأشهر التي سبقت الحرب أظهرت محدودية هامش حركته داخل بنية سياسية وأمنية يهيمن عليها التيار المتشدد. ومع اندلاع المواجهة الأخيرة، تبنّى لاريجاني خطاباً أكثر حدّة، وانخرط في إدارة التصعيد إلى جانب القيادات العسكرية، حتى إنه هاجم وسخر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريحات عدة، ما دفع الأخير إلى الرد قائلاً إنه لا يعرفه، لكنه لا يستبعد ألا يبقى على قيد الحياة.
ويُعتقد أن علاقته الوثيقة بعلي خامنئي، وما تلا اغتياله، أسهما في تشدد مواقفه خلال المرحلة الأخيرة.
غياب التوازن وترجيح الخيار العسكري
مقتل لاريجاني لا يُعدّ مجرد خسارة لشخصية سياسية بارزة، بل يحمل دلالات أعمق على مستوى توازنات القرار داخل النظام الإيراني، فغياب أحد أبرز الوجوه التي تميل إلى ضبط الإيقاع السياسي، قد يفتح المجال أمام ترجيح كفة المقاربة العسكرية.
وتشير تقديرات إلى أن “الحرس الثوري”، الذي يضطلع أصلاً بدور محوري في إدارة الحرب، قد يستفيد من هذا الغياب لتعزيز نفوذه، وسيمنحه مساحة أوسع لتنفيذ هجمات أكثر شدة ضد إسرائيل والقواعد الأميركية في الدول العربية.
وكان وجود لاريجاني يشكّل صمام توازن داخل منظومة القرار، مع حرصه على إبقاء قنوات الديبلوماسية مفتوحة في لحظات حساسة. ومن هذا المنطلق، فإن اغتياله قد يُفسَّر على أنه مؤشر إلى رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في تصعيد الصراع، أو أنه نتيجة خطأ في الحسابات.
حتى الآن، لا يبرز اسم واضح لخلافته، وإن كانت بعض التقديرات تشير إلى احتمال عودة الأدميرال علي أكبر أحمديان، الأمين السابق للمجلس وأحد قادة الحرس الثوري.
مناصب شاغرة
في موازاة ذلك، لا تزال مناصب حساسة شاغرة، بينها رئاسة هيئة الأركان العامة وقيادة الحرس الثوري، بعد مقتل شاغليها خلال الحرب الأخيرة، من دون تعيين بدلاء. ومع غياب ظهور المرشد الجديد مجتبى خامنئي في المشهد العام حتى الآن، تبدو عملية ملء هذه الشواغر مؤجلة.
وكان بيان منسوب إلى مجتبى خامنئي قد أكد أن جميع قرارات التعيين السابقة الصادرة عن والده لا تزال سارية ولا تحتاج إلى تجديد.
ورغم أن تعيين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي يتم رسمياً بقرار من رئيس الجمهورية، فإن موافقة المرشد تبقى حاسمة، ما يرجّح حسم هذا الملف قريباً نظراً لحساسيته في ظل تصاعد المواجهة.