في أوقات التوتر تعود إلى السطح لغة قديمة تقوم على العتب وتبادل الاتهامات. يتساءل البعض لماذا لم تتخذ هذه الدولة أو تلك موقفا أشد صرامة، أو لماذا لم تنخرط في المواجهة كما يتمنى بعض المعلقين؟ معظم هذه الخطابات تنطلق من افتراض قيام نظام قديم للتضامن العربي، رغم أن هذا النظام قد انهار منذ زمن العصر العباسي الثاني وتعدد الدول في محيطنا العربي. لا فائدة من النفخ في جسد ميت.
معظم تلك التعليقات تنطلق من تصور نظري عن السياسة لا ينسجم مع طبيعة المسؤوليات التي تتحملها الدول العظيمة في محيطها. فالدولة ليست منصة للخطابة، ولا ساحة لتصفية الانفعالات. هي كيان معقد يدير مصالح شعبه ويحافظ على استقرار محيطه. ولهذا فإن الحكمة السياسية كثيرا ما تظهر في القدرة على ضبط الإيقاع، لا في رفع الصوت. وهذه القاعدة ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل خلاصة خبرة تاريخية طويلة في إدارة القوة، حيث تعلمت الدول الراسخة أن الضجيج ليس بديلا عن الفعل، وأن الصمت المدروس قد يكون أحيانا أكثر تأثيرا من الضجيج المرتفع. لا فائدة في حوار مع طرف يتهمك بالشيء ونقيضه.
في هذه اللحظة الإقليمية المتوترة تبدو السعودية مثالا على هذا النوع من السياسة. فالمملكة ليست دولة هامشية في المنطقة حتى تتصرف بردود فعل عاطفية، بل هي دولة مركزية في توازنات الإقليم، وركن مؤثر وفاعل في الاقتصاد العالمي من خلال دورها في أسواق الطاقة. وهذا الموقع يجعل قراراتها ذات أثر يتجاوز حدودها المباشرة. فالدول التي تحتل موقعا محوريا في النظام الدولي لا تتحرك وفق الانفعال اللحظي، بل وفق رؤية بعيدة المدى تحسب نتائج كل خطوة ضمن شبكة معقدة من التوازنات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، ليس بهدف حماية حدودها فقط، بل لحماية الإقليم كله.
لقد عرفت المنطقة خلال العقود الماضية كيف يمكن للحروب أن تتسع بسرعة وتخرج عن نطاق السيطرة. فالنزاعات التي تبدأ بضربة محدودة قد تتحول في الشرق الأوسط إلى صراعات طويلة تتداخل فيها القوى الإقليمية والدولية، وتدفع ثمنها الشعوب والاقتصاد والاستقرار السياسي. ولهذا فإن التعامل مع الأزمات الكبرى يحتاج إلى قدر كبير من التعقل والحساب الدقيق للعواقب. فالتاريخ القريب يعلمنا أن الشرارة الصغيرة قد تشعل حرائق واسعة يصعب إخمادها، وأن منطق التصعيد إذا ترك دون ضابط قد يقود المنطقة إلى دوائر من الفوضى لا يمكن التحكم في مآلاتها.
السعودية اختارت منذ تأسيسها نهجا يقوم على تقليل التوتر الإقليمي قدر الإمكان. وقد ظهر ذلك في أكثر من محطة، سواء في محاولات تهدئة الصراعات أو في التركيز على التنمية الداخلية وبناء اقتصاد متنوع يفتح آفاقا جديدة للمجتمع. فالدولة التي تنشغل بمستقبلها الاقتصادي وبمستوى حياة مواطنيها لا تنظر إلى الحرب باعتبارها خيارا سياسيا مرغوبا، ما لم يفرض فرضا لا خيار فيه. بناء المستقبل يتطلب استقرارا طويل الأمد، والاستقرار لا يولد في بيئات الصراع المفتوح، بل في مناخات التهدئة والعمل المتواصل.
هذا التوجه ليس علامة ضعف كما يتصور بعض المعلقين الذين تزاحموا في فضاء المنصات، بل هو تعبير عن إدراك داخلي من باطن الدولة لطبيعة الدور الذي أصبحت المملكة تؤديه. فالدول التي تمتلك اقتصادا كبيرا وشبكة علاقات دولية واسعة تدرك أن الاستقرار الإقليمي ليس مصلحة محلية فحسب، بل عنصر أساسي في استقرار النظام الاقتصادي العالمي. ولهذا فإن المسؤولية السياسية تفرض عليها أن تفكر في النتائج البعيدة لا في ثورة الانفعالات العاجلة، وأن توازن بين متطلبات الأمن ومتطلبات الاستقرار العام.
كما أن السعودية لم تتخل في الوقت نفسه عن مسؤوليتها في حماية أمنها وأمن الخليج، فهي دولة تمتلك قدرات سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، وتعرف كيف تدافع عن مصالحها عندما تقتضي الظروف ذلك. غير أن الفرق بين السياسة الرشيدة والسياسة الانفعالية يكمن في اختيار التوقيت والأسلوب المناسبين لكل خطوة. فالقوة ليست مجرد امتلاك الوسائل، بل القدرة على استخدامها ضمن حسابات دقيقة تمنع الانزلاق إلى مسارات غير محسوبة.
ولعل ما يميز التجربة السعودية هو قدرتها على الجمع بين الحزم والاستقرار. فمن جهة، عملت على تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز حضورها الإقليمي، ومن جهة أخرى، ركزت على مشاريع تنموية كبرى تعيد تشكيل اقتصادها وتفتح مجالات جديدة للاستثمار. إن هذا الجمع بين الأمن والتنمية يعكس فهما عميقا لطبيعة القوة في الزمن الحديث، حيث لم تعد المكانة الدولية تقاس بعدد الجنود والمدرعات، بل بالقدرة على بناء مجتمع مزدهر واقتصاد متنوع ومجال ثقافي حي.
لقد أصبحت المملكة خلال العقد الأخير مركزا لعدد متزايد من المبادرات الاقتصادية والثقافية في المنطقة. فمشروعات التحول الاقتصادي، وتوسيع الاستثمارات، واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، كلها تعكس ثقة متزايدة بدور السعودية في الاقتصاد العالمي. وهذا الحضور الاقتصادي لا ينفصل عن الدور السياسي، بل يمنحه وزنا إضافيا في توازنات المنطقة. كما أن موقع السعودية في قلب العالمين العربي والإسلامي يمنحها بعدا آخر يتجاوز الحسابات التقليدية للسياسة. فهي بلد الحرمين الشريفين، والمكان المقدس عند مليارين من المسلمين، وصوت مهم في قضايا العالم الإسلامي. وهذا الموقع الرمزي يضيف إلى مسؤولياتها بعدا حضاريا يجعل الاستقرار الإقليمي قضية تتجاوز المصالح المباشرة إلى مسؤولية أوسع تجاه المنطقة. وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه الأزمات، تصبح الحكمة في إدارة القوة أهم من مجرد إعلانها.
بهذا المعنى تبدو السعودية اليوم دولة تعمل على تثبيت الاستقرار في منطقة اعتادت الاضطراب، وتسعى إلى أن يكون مستقبلها مبنيا على التنمية والانفتاح والازدهار، لا على دوائر الصراع المفتوحة. وهذه الرؤية هي التي تفسر هدوءها في الخطاب، وثباتها في الموقف، وإصرارها على أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر البناء لا عبر الحروب.
