جودة الكتابة لا تتحكم فيها الكثرة أو القلة أو البطء أو العجلة، فتوقيت الكتابة الصادقة يشبه منطق الجنين في بطن أمه، لا يمكنه أن يتقدم عن ساعة ميلاده أو يتأخر، وإذا ما اختل ذلك الموعد يكون الوليد حينها معرضاً لأعطاب صحية وعاهات جسدية، ومعه تكون الأم أيضاً في خطر محدق.
لماذا هناك كاتب غزير الإنتاج وآخر مقل؟ ومتى تكون الغزارة حالاً إيجابية ومتى تكون استسهالاً؟ وكيف نفسر النجاح المبهر لكتاب بعمل واحد في حياته وإخفاق آخر في عشرات العناوين بل المئات؟ وكيف نقرأ الأسباب الاجتماعية والذاتية والأدبية التي تقف خلف ظاهرة الغزارة في الكتابة؟
إذا ما حاولنا قراءة تاريخ المشهد الأدبي العالمي والوقوف عند تجارب الأسماء الوازنة التي تظل علامات فارقة في ذاكرة هذه الآداب، سنجد بأن هناك كتاباً كباراً ملتزمين بإيقاع بطيء في الكتابة أو في الأقل في النشر، فهم يكتبون بكثير من الشح والتقتير والتقطير، فترى الواحد منهم لا ينشر كتاباً إلا بعد مرور أعوام، وبعضهم اكتفى طوال حياته ببعض العناوين القليلة، وفي المقابل هناك كتّاب لهم حضور كبير في تاريخ الآداب ينشرون كل عام من كتاب إلى ثمانية كتب، وقد مثلت بعض عناوينهم منعطفاً حاسماً في الكتابة الأدبية شكلاً ومضموناً.
تعد الروائية أغاثا كريستي كاتبة مكثرة، فقد نشرت 66 رواية و19 مسرحية وعدداً كبيراً من القصص القصيرة، وكانت تنشر بمعدل كتابين إلى أربعة سنوياً، كما أن جورج سيمنون نشر 500 رواية، ويقال عنه إنه كان قادراً أن يكتب رواية في 11 يوماً، ومتوسط نشره سنوياً كان يتراوح ما بين خمس و 10 روايات خلال العام، وتتميز غزارة الروائي فيكتور هوغو بحجم رواياته الضخمة حتى إن المتخصصين في أدبه قدروا عدد الكلمات التي كتبها بأكثر من مليوني كلمة في الرواية والشعر والمسرح، ووصل عدد كتب بلزاك إلى 91 مؤلفاً نشرها خلال 20 عاماً، أي بمعدل أربعة إلى خمسة كتب سنوياً، وقد توفي وهو في الـ 50 من عمره، ونشر وهو في قمة عطائه ما بين ست إلى ثماني روايات في العام، وكان يكتب ما بين 15 و 18 ساعة يومياً، وقد أسهم وضعه الاجتماعي، بخاصة الديون التي تراكمت عليه، في هذه الغزارة الأدبية، ووصل عدد كتب ألكسندر دوماس إلى أزيد من 250 كتاباً، وفي عز نشاطه الأدبي كان ينشر ما بين ثلاث وخمس روايات سنوياً، ويقدر معدل نشره السنوي ما بين أربع إلى 10 روايات، وكتب الكاتب الأميركي جاك لندن 50 كتاباً ومات ولم يتجاوز الـ 40 من عمره، وهنا أذكر هذه الأسماء المكثرة لأنها تمثل روح الآداب العالمية وأصبحت من الأسماء الخالدة.
أما عند الكتاب العرب والمغاربيين فقد تميز نجيب محفوظ بغزارة إنتاجه حتى إن بعضهم أطلق عليه اسم “بلزاك العرب”، ففي 70 عاماً من عمر عطائه الأدبي كتب نجيب محفوظ ما يقارب 50 رواية، بحسب بعض الإحصاءات، وكتب 350 قصة قصيرة وأزيد من 30 سيناريو كتابة واقتباساً لأفلام أساس في تاريخ السينما العربية والإذاعة والتليفزيون، وسبع مسرحيات وآلاف المقالات في الصحف اليومية، وقد وصل متوسط النشر لديه في عز عطائه إلى أكثر من روايتين في العام إضافة إلى النشاطات الأدبية الأخرى، ونشر إحسان عبد القدوس 60 رواية ومجموعات قصصية كثيرة غالبيتها حُوّلت إلى أفلام أو مسرحيات للمسرح أو للإذاعة، فكان بذلك واحداً من الكتاب المكثرين، ويعتبر محمد ديب من أكثر الكتاب الجزائريين والمغاربيين غزارة في الإنتاج حيث وصل عدد كتبه المنشورة إلى 60 كتاباً ما بين رواية كلاسيكية ونص هجين ومجموعات قصصية ومجموعات شعرية وكتب للأطفال، وهذه الغزارة لم تنقص من القيمة الأدبية عند محمد ديب بل إنه حافظ على حس مغامرة الكتابة من حيث الجنس الأدبي والأسلوب والطروحات الفلسفية المعقدة، ونحن نحتفل هذه العام بمرور 60 سنة في عمر الكتابة عند رشيد بوجدرة، ويمكن اعتبار هذا الأخير واحداً من الكتاب غزيري الإنتاج في الجزائر وشمال أفريقيا، إذ نشر نحو 30 رواية بالفرنسية والعربية، ومجموعة من الدواوين الشعرية والسيناريوهات والكتب النقدية واليوميات وكتب الهجاء السياسي والديني، وتظل الروائية آسيا جبار من الأديبات غزيرات الإنتاج أيضاً، وهي أول كاتبة مغاربية وعربية تدخل الأكاديمية الفرنسية معبد الخالدين، فعلى مدى نصف قرن من الكتابة تقريباً، من روايتها الأولى “العطش” وحتى “اندثار اللغة الفرنسية”، خلفت للقارئ والباحث أزيد من 30 عنواناً أساساً في الرواية والشعر والمسرح، إضافة إلى أربعة أفلام سينمائية كتبت سيناريوهاتها وأخرجتها.
ما الذي يتحكم في غزارة الكتابة وشحها؟
هناك جملة من العوامل الذاتية والاجتماعية والأدبية والسياسية التي تتحكم في غزارة الكتابة أو قلتها عند هذا الكاتب أو ذاك، فالأدب ساحة للمنافسة المقنعة والمعلنة في الوقت نفسه، وهذه المنافسة قد تكون محفزاً لكثرة الكتابة سعياً إلى جلب الانتباه ولفت الأنظار وتحريك الإعلام، لكنها قد تصبح فخاً حقيقياً وحاجزاً خطراً في وجه جودة الكتابة، فكلما كانت المنافسة دافعاً خارجياً من دوافع الأدب كانت الكتابة في معظمها سطحية يغلب عليها حس التهافت الذي يغرق في الاستسهال والتكرار والسطحية، ومن أسباب الغزارة في النشر والكتابة لدى كتاب اليوم يجيء عامل ضرورة الحضور الأدبي المتواصل، ففي المشهد الأدبي الفرنسي والأوروبي بعامة على الكاتب أن يكون حاضراً سنوياً بعنوان في الأقل وإلا نُسي اسمه في زحمة الأسماء الكثيرة والعناوين المتلاحقة المتسارعة، وهذا الذي يجعل من كاتبة مثل أميلي نوتومب تسجل حضورها سنوياً برواية أو أكثر، يتكرر ذلك ويتأكد منذ أزيد من ربع قرن، والشيء نفسه مع الكاتب الأكثر مبيعاً في فرنسا غيوم ميسو، والحال نفسها مع الكاتب الجزائري محمد مول السهول الذي يؤكد حضوره سنوياً بعنوان ومرات بأكثر، إضافة إلى كتابة سيناريوهات لأفلام سينمائية، فالكاتب الذي لا يسجل حضوره في الدخول الأدبي، في المشهد الأدبي الفرنسي وأوروبا بعامة، قد يتعرض فوراً إلى النسيان من الإعلام والقارئ في ظل وتيرة حياة ثقافية وأدبية متسارعة، وخلال العشريتين الأخيرتين ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي من الضغط السيكولوجي على الكتّاب، فأصبحت لها سلطة محو اسم وتعويضه باسم أدبي آخر بين عشية وضحاها.
وإذا كان العامل المادي قد أسهم في ظاهرة الغزارة الأدبية لدى بعض الكتّاب في أوروبا وأميركا لما يمثله الكِتاب من قيمة وازنة في الاقتصاد والاستثمار، ففي العالم العربي والمغاربي لا يمكن اعتماد هذا المقياس كمحفز على كثرة الكتابة لأن في هذه البلدان لا الكتابة ولا الأدب يطعمان خبزاً، وحقوق المؤلف هزيلة جداً بل وغائبة في الغالب.
وهناك عامل أدبي يتحكم في الغزارة وهي الرواية البوليسية، فالروايات المسلسلة المتتالية تنتمي عادة للأدب البوليسي، وهي كتابة لها قراؤها الكثر، وكاتب مثل هذا الجنس الأدبي مضطر إلى أن يظل على تواصل ما بينه والقارئ المتابع لمسارات الشخوص الروائية، والباحث عن حل العقد البوليسية المطروحة في الكتاب الأول يفتح عادة على عقد أخرى تحتاج إلى فك لتفتح على عقد متلاحقة وهكذا دواليك، لذلك نجد كتّاب الأدب البوليسي من أكثر الكتّاب غزارة في الإنتاج، وخلال الأعوام الأخيرة ظهر أدب لادارك رومان، كتابة لها تقاليدها (الإثارة) ولغتها (الشعبية البسيطة ولغة الشارع) ومواضيعها (العنف ضد المرأة والجنس والمخدرات)، ويعرف كتّابها بغزارة إنتاجهم وبروايات ضخمة وأجزاء متتالية، وفي هذا الجنس الأدبي يمكن ذكر تجربة الروائية الجزائرية سارة ريفينز التي تمثله أحسن تمثيل في الغزارة وحجم الروايات والنجاح.
ولا تتوقف ظاهرة الغزارة في الكتابة على الأدب فقط بل نلاحظ ذلك أيضاً في الكتب الفلسفية والفكرية، ففيلسوف مثل ميشال أونفراي (1959) يعد من المفكرين الأكثر غزارة في الكتابة، فقد نشر 140 كتاباً في الفلسفة وتاريخها وفي سير بعض الكتاب والمفكرين من أمثال نيتشه وفرويد وكامو وديوجين وغيرهم، ويشكل ميشال أونفراي ظاهرة ثقافية وفكرية تغرق أكثر فأكثر في لعبة الإعلام وتبعده من العمق.
خلال الفترة الأخيرة، أي منذ مطلع الألفية الثالثة، ظهر عامل آخر في الساحة الأدبية العربية والمغاربية، وأصبح محدداً ومثيراً لهذه الغزارة الأدبية وهو الجوائز الأدبية والخليجية بالأساس، فنجد معظم الروائيين، إن لم يكونوا جميعهم، يضبطون مواعيد صدور رواياتهم سنوياً على مواعيد تاريخ فتح وغلق باب الترشح لهذه الجائزة أو تلك، مما رفع غزارة الكتابة الروائية بشكل ملاحظ وأصبح هناك تهافت واضح ومكشوف، وكثيراً ما يكون على حساب الجودة.
وقد يكون عمر الكاتب أيضاً سبباً في تحديد الغزارة والقلة في الكتابة، فكلما تعمقت التجربة في الحياة أصبح للكتابة شروطها، إذ يبدأ الكاتب يحاسب نفسه ويعامل نصوصه بصرامة قبل أن يحاسبه الآخرون، وربما تغزر الكتابة ويقل النشر، وفي النهاية فجودة الكتابة لا تتحكم فيها الكثرة أو القلة أو البطء أو العجلة، فتوقيت الكتابة الصادقة يشبه منطق الجنين في بطن أمه، لا يمكنه أن يتقدم عن ساعة ميلاده أو يتأخر، وإذا ما اختل ذلك الموعد يكون الوليد حينها معرضاً لأعطاب صحية وعاهات جسدية، ومعه تكون الأم أيضاً في خطر محدق.
للكتابة منطقها الداخلي الخاص بها، فقد يكتب الروائي رواية جميلة ناجحة في شهر وقد يكتبها في خمسة أعوام، مثلما حصل لفلوبير مع روايته الشهيرة “مدام بوفاري”، وقد ينشر عملين أو أكثر في العام وربما يصمت لأعوام، فالامتلاء الإبداعي له عوامله الذاتية والاجتماعية والسياسية والسيكولوجية المعقدة، وفوق هذا وذاك يظل الصدق والحرفة والتجدد والقراءة والنقد الذاتي عوامل تجعل من نجاح هذا العمل أو ذاك مضموناً.
اندبندنت عربية
