حسان عباس… لن ينساك أحد عرفك فاديا لاذقاني القدس العربي

img

 

 

مهرجان كل أحد

قالت لي رلى ببسمتها الخاصة

ـ تعالي معي نتغدى غداءً لن تنسيه بحياتك

لحظتُ أنها لم تقل أعزمك، بل تعالي معي

– أين هذا المطعم؟

– ليس له تعريف.. قطعة من الجنة على أرض دمشق.

– إنه بيت كرم عريق يبقى مفتوحاً بابه طوال نهار الأحد.. أستطيع اصطحاب من شئت.. هو بيتي الثاني.

– كيف أرافقك من دون إخبار الداعين؟

ضحكت بخبث رلى تاركةً لي متعة المفاجأة والاكتشاف.

في الطريق القصير الساكبة جناينُ بيوته الدمشقية العريقة، فروعَ وزهور وروائح الياسمين، متدليةَ بثقلها الناعم تكاد تغطي كاملةً، أرصفة حويراتٍ كأنه تلزمك لوصفها مفرداتٌ آتية لتوها من روح “أناشيد الإنشاد”، بين فندق الفردوس مروراً بالفرنسيسكان، وقهوة النجمة الآفلة، وصولاً إلى “أبو رمانة”، ما برحت أتساءل عن كنه هذا البيت العجيب. بعضٌ من حرج يساورني، كالذي دعا نفسه بنفسه إلى وليمة لم أكن أعرف أنها ستكون عيداً طويلاً لا ينتهي!

الباب العريض مفتوحٌ للغادي والرائح. شرفة البيت في الطابق الأرضي مزينة  بزهورتشي بعناية و”حنيّة” ربة البيت، مقابل معهد الدراسات الفرنسية في دمشق، تتغنج ككل شقيقاتها في هذا الشارع الناسق الجميل. رخامٌ فاخرٌ يغطي المدخل الوسيع. شقة واحدة في كل طابق. إلى اليمين لوحة صاحب البيت “عبد الهادي عباس”. في الصالة الكبيرة يضيع للوهلة الأولى نظرُك بين العدد الهائل من الكراسي حول الطاولة البيضاوية، وأصحاب البيت الوديعين المرحِّبين من الوالد الكبير، الشخصية التي لعبت دوراً في تاريخ سوريا، لأم حسان ضئيلة الجسم فضفاضة الروح ببسمتها، التي تكفي عالماً كاملاً، وصوتها الهادئ الناعم الموشح ببعض خجل “أصيل” تلقائي.

كم كنا؟ خمسة عشر؟ عشرين؟ الوالدان الكبيران، حسان وزهّور، وآرام ويزن ما يزالان صغيرين يلعبان على الشرفة أو يركضان إلى مطبخ العيد العاجّ كورشة نحل لا تهدأ. أخت حسان وزوجها والابن، وأصدقاء ممن شاءت لهم صدف عيد الأحد المفتوح أن تحط بهم أرجلهم، أو جوعهم، هنا. أم حسان كانت مائدتها عامرةَ بأطيب أنواع الأكل الشامي واللبناني، كم صنفاً كانت تصنع كل أحد؟ ألوان وأشكال وأطعمة وأحجام تكفي لحارة. وهي تسكب لهذا وذلك قائلة: أحبُّ الأمور إلى نفسي إطعام الحبايب. وبعد نهاية الوجبات الدسمة، كانت أم حسان تعمّر لكل من يريد على حدة “أركيلته” الخاصة بلون وطعم مختلف حسب ذوقه وأمنيته، مع قهوة طازجة التحميص شامية أو شاي لمن يريد. حسان لم يكن يدخن.

الرجل الوقور عبد الهادي، القاضي الكبير، الباحث والمترجم والنائب ـ آن كان للنيابة شأنها – يحدثنا، مستشهداً تارةَ بذاكرته، وتارة من بعض كتبه العتيقة المالئة رفوفاً ورفوفاً، بعضها في الصالة الواسعة وبعضها في مكتبه، عن تجاربه، وينثر علينا مآثره وعبره. كم كان صعباَ الخروج من جنة الأحد هذه. لم يكن أحد منا يغادر قبل بداية حلول المساء منتظراً اللحظة الأخيرة، أما الساعات فكم كانت تمضي بسرعة على غفلة منا. بعد ذلك الأحد العجيب الذي ما زالت نكهته وجوّه وطعمه وروائحه طازجةً في التلابيب. أضحت روحاتي ومشاركاتي، غداء بيت أهل حسان عباس عاديةَ، لدرجة أنني صرت أشعر مثل رلى، التي تربت معهم منذ الصغر فهما عائلتان في واحدة، أن بإمكاني أنا “نفسي اصطحاب من أريد”. هذه كانت بالحرف كلمات والدة حسان لكل من يدخل بيتها. هكذا كان بيت أهل حسان الدمشقي العريق، ومهرجان عيده الأحديّ الدائم.

مشاوير الحي اللاتيني

في قهوة دانتون، قال لنا بحزن لا يوصف:

الشباب في بلدنا لا يعرفون معنى المواطنة.. أجريت معهم استفتاءً عن تعريفها. الأجوبة القريبة من الحسنة لا تتجاوز عدد أصابع اليد. البلد يتقهقر. يجب العودة.

ولادة آرام في باريس. وهاجس العودة للـ”وطن” يلبس حسان، كي يكون إلى جانب والده المريض، وكي يعطي وينقل جلّ ما أمكنه للأجيال الناشئة.

عاد حسان وعمل في مركز الدراسات الشرقية الفرنسي، رفض كل عروض الدروس الخصوصية، لم يكن يهمه المال: أحرم نفسي مرتين أو ثلاث مرات من المطاعم، وكل غذائي وهنائي نقلُ وتعليم ما أتاحت لي الحياة تعلمه، سواء في المعهد المسرحي، أو في ندواته، التي كان ينظمها لوحده من الألف إلى الياء. كم من شاعر وفنان رسم ومبدع، دعا حسان إلى صالونه الذي بدأ الشباب يتقاطرون عليه؟ في بيته بمشروع دمر، كانت الكتب تعج بالمواضيع، وكذلك أسطوانات الموسيقى ومجموعة هائلة من “البُومات” كنا نداعبه بتقديم ما استطعنا إليه سبيلاُ منها. أما هو، فبالكاد كان يحمل أقصى ما يستطيع حمله من الكتب واسطوانات الموسيقى الكلاسيكية الغربية والشرقية في كل سفرة من سفراته. ثم كان رحيله الإجباري إلى بيروت، وإنشاؤه للرابطة السورية للقلم، ونشره نتاجات سنوات الجمر، وإدارته لنادٍ سينمائي، ومشاركته العديدة في مؤتمرات بحثية في أكثر من مجال، إلى إصداره عديداً من الكتب البحثية.

كان يأتي كلفحة غيمة.. كثرٌ هي المرات لم نكن نستطيع رؤيته لدى مروره، كان يعتذر بإصرار عن الدعوات المسائية والعشاءات، شاكراً أصدقاءه ومحبيه بلطفه الفواح وصوته المميز: أرجوكم افهموني، أنا في باريس زيارة خاطفة مشاركاً في مؤتمر. كم حفلة موسيقية وفيلما وعرضا مسرحيا، راح عليّ وأود أن أراه بين سويعات فراغ برنامج المؤتمر. قيل لي البارحة إنه، ذات مرة في مؤتمر في بريطانيا، كاد أ لا يستطيع روية ابنه يزن المقيم هناك، بعد الخروج الكبير، وقيلت لي حادثة، وما أكثرها، تعكس تواضعه الجم وأدبه العميق. صحافي من تلامذته يعمل في راديو “بي بي سي” لندن، شكره على تبادل بينهما قائلاً له إنه شرّفهم، كان ردّ حسان الاعتذار عن التأخير، و”أنا الذي تشرفت بموضوعك”. ألم يكن يردد لنا ما تقوله له زهرة بين المزاح والشكوى الناعمة “أكاد أنا صرت حافظة دروسك عن ظهر قلب، كل مرة تحضير تحضير، كل يوم كل يوم، قراءة وكتابة حتى الرابعة صباحاً. ألم تملّ من تحضير الدرس نفسه؟ كان يقول بعينيه اللماعتين وبسمته العريضة تهرب من خلل شاربيه الكثين: من قال إنني أكرر الدرس نفسه؟ العالم يرى الظاهر، فيظنه نفسه، لكن لكل درس طعمه وروحه وخصوصيته حسب الموضوع وشخصيات الطلاب. لم أعرف شاباً، سورياً كان أم أجنبياً، لم يُغرِق في مدحه. هكذا يكون المعلمون الكبار.

بعد ثلاثة عشر عاماً دراسة في باريس مع زهرة الرقيقة الكريمة، التي ترشح ذكاءً ومهارة في العمل، والتي يحترمها القاصي والداني. كانت العودة إلى دمشق.. ثم الطوفان و”الخروج الأكبر” إلى التيه، إلى بيروت. تشرذمت العائلة التي كانت تنعم بوضع مريح في الشام، فأضحى كل عضو من أعضائها الأربعة في مكان من أقاصي الأرض.

قبل تركه دمشق بأشهر، كتب مقالته المؤثرة جداً إبان مغادرة أحد أصحابنا الأعزاء من برزة إلى التشرد. عنوان المقال: البيوت الموؤدة. يا له من مقال مستطلع للمستقبل.

كل الذين أحبهم ذهبوا..

قاعة التشريفات في السوربون، في الصدر منها تمثال روشيليو يحرسنا: حضرنا مراسم دفاع حسان عن أطروحته “القصة القصيرة بين الحربين العالميتين” وتعبت أيدينا ونحن نصفق له فرحاً وتهليلاً، إذ حاز أعلى درجة ممكن أن يمنحها كبار الأساتذة لخريجي الدكتوراه في الأدب الفرنسي. مع تهنئة خاصة منهم.

كافيه الأوديتور، المطعم الياباني آخر شارع مسيو لو برانس، من جهة حدائق اللوكسمبورغ، شوارع الحي اللاتيني كلها تقريباً، شارع جوليان لا كروا، غابات الواز ضواحي باريس حيث الشواء مسموح،

وداعاً حسان “الغالي”.

كاتبة فرنسية من أصل سوري

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة