الحركة النسوية الإيرانية… لماذا وكيف؟ الحرية والديمقراطية لن تتحققا إلا إذا كانت الأمة مستعدة لدفع ثمنهما. الشرق الاوسط

طالبات مدرسة ثانوية ينزعن الحجاب ويرفعن شارة النصر في طهران أكتوبر الماضي (تويتر)
شيرين عبادي

في سبتمبر (أيلول)، قُتلت فتاة تُدعى مهسا على يد عملاء حكوميين وكان قتلها بمثابة عود ثقاب مشتعل ألقي في خزان بنزين. نزل الناس إلى الشوارع في أكثر من مائة مدينة إيرانية وطالبوا بإطاحة الجمهورية الإسلامية. هل كان كل المحتجين يعرفون مهسا؟ كلا، لم تكن شخصية معروفة ومشهورة لكي يتسبب مقتلها في مثل هذا الغضب. كان سبب غضب الناس من كثرة المطالب التي لم يتم تلبيتها على مدى سنوات ولم يكن لها جواب سوى السجن والرصاص. في السنوات الثلاثين الماضية، كان بعض الناس يمنون النفس بالإصلاحات داخل النظام، لكن ولأنهم لم يحقق ما طالبوا به، أرادوا بشكل موحد هذه المرة إطاحة النظام.

– جذور الحراك

كانت رائدات هذه الحركة من النساء الإيرانيات، اللواتي بدأ استياؤهن من الحكومة في الشهر الأول من الثورة، عندما صدر أمر الخميني بجعل الحجاب إلزامياً على النساء – رغم أن تنفيذ الحجاب الإلزامي استغرق ما يقرب من عام، لكنه شكل نطفة الحراك النسوي في 2022.

في السنوات الأولى للثورة، كانت المرأة وحيدة، ولم يرافقها المجتمع المدني والأحزاب والجماعات السياسية والرجال، لكن مضي الوقت أثبت أن القهر والتمييز في المجتمع يعملان مثل «الفيروس»، إذا لم تجر محاربته في البداية، فإنها ستنقل العدوى للآخرين.

إيرانية بلا حجاب تسير خلف ضباط للقوات الخاصة أكتوبر الماضي (تويتر)

الاختلاسات الكبيرة، والعصابات (الحزبية)، والتمييز ضد الأقليات العرقية والدينية، وتشديد الرقابة وغياب حرية التعبير، باختصار، فإن التفشي الممنهج لانتهاكات حقوق الإنسان إلى جانب الفجوة الطبقية الهائلة، جعل الرجال الإيرانيين يدركون خطأهم، لتعويض تجاهل التمييز بين الجنسين… وهذه المرة مثل السنوات القليلة الماضية، وقفوا إلى جانب النساء وعززوا صوت الحركة.

– الفروق بين الحراك الحالي والاحتجاجات السابقة

أولاً – كانت الاحتجاجات الواسعة النطاق التي حدثت في إيران في السنوات الـ43 الماضية «احتجاجات مطلبية»، بما في ذلك عام 2009، كان هناك احتجاج على وجود تزوير في الانتخابات الرئاسية، حيث قتل ما لا يقل عن 130 شخصاً وأعدم عدة أشخاص، أو الاحتجاجات الواسعة النطاق في عام 2019 بسبب ارتفاع أسعار البنزين التي أسفرت عن مقتل 1500 شخص على الأقل. لكن هذه المرة، مطالب الشعب مختلفة عن أي وقت مضى، تستهدف أساس الحكم وتريد إطاحة النظام.

ثانياً – الاحتجاجات السابقة لم تستمر أكثر من أسبوع لتنتهي بقمع حكومي، ويترك الناس المستاؤون الشارع ويعودون إلى منازلهم.

ثالثاً – تغير أسلوب نضال الشعب. على نقيض الماضي، لا يتجمع الناس في مكان واحد أو مدينة واحدة، بل ينزلون إلى الشارع على نطاق واسع ويتفرقون في أماكن مختلفة، ويحتجون ويرددون الشعارات، الأمر الذي تسبب في إرسال قوة القمع إلى كل مكان، ونتيجة لذلك أصبحت قوة القمع ضعيفة ومرهقة، وقد تسبب هذا في قيام الحكومة بتجنيد عدد من المأجورين مقابل دفعات مالية.

إيرانية تحرق الحجاب في مظاهرة وسط طهران سبتمبر الماضي (تويتر)

رابعاً – في المرات السابقة، مثل هذه المرة، لم يكن لأفراد الشعب مطلب واحد ولم يقاوم القمع بشكل موحد، ولكن هذه المرة، بتوجيه من الخبراء القانونيين الإيرانيين، استخدموا مبدأ «الدفاع المشروع» لصد هجمة قوات القمع.

الناس ليسوا مسلحين ويواصلون الكر والفر بالعصي والحجارة فقط، وأصيب عدد من أفراد قوة القمع في هذا الصدد. كذلك، إذا أراد ضباط الأمن اعتقال شخص ما، يهاجم الآخرون ولا يسمحون بالاعتقالات، لهذا فإن معظم الاعتقالات تتم بعد منتصف الليل وباقتحام منازل المحتجين.

– مآلات احتجاجات 2022؟

الاحتجاجات التي بدأت في سبتمبر 2022 هي «بداية» لـ«نهاية» الجمهورية الإسلامية وستؤدي إلى سقوط النظام، لكن دعونا لا ننسى أن «السقوط» عملية لا بد أن تأخذ مسارها، ولهذا السبب، من الطبيعي أن تنحسر في بعض الأيام، وتكون أكثر حدة وتسارعاً في البعض الآخر، لكن دون شك لن يعود الوضع إلى طبيعته حتى سقوط النظام.

النقطة المهمة هي ما نوع الحكومة التي يريدها الشعب بعد سقوط النظام؟ يمكن فهم رغبات الناس جيداً من الشعار الذي يختارونه. المتظاهرون يهتفون بقلب واحد وصوت واحد «المرأة، الحياة، الحرية». ولهذا الشعار جانبان: جانبه السلبي هو نفي الاستبداد الديني الحاكم لإيران. سلطة تؤمن بتفسيرها الخاص للدين ولا تتسامح مع أي طريقة أو دين آخر. وبالأحرى، فهي عدو «حرية الدين والمعتقد»، وعلى هذا الأساس، فهي تتدخل في جميع الشؤون الشخصية والعائلية للناس وحتى في طريقة عبادتهم، وقد تم اعتقال أو إعدام العديد لهذا السبب.

صورة نشرتها منظمة «حقوق الإنسان لإيران» لامرأة تنزع الحجاب أثناء وقوفها فوق حاوية في مسيرة احتجاجية (تويتر)

أما الجانب الإيجابي لشعار الشعب هو إقامة دولة ديمقراطية وعلمانية. فقط في مثل هذه الحكومة يمكن تحقيق شعار «المرأة، الحياة، الحرية». في مثل هذه الدولة، لا يوجد تمييز لأن الشعب يقرر مصیره بنفسه من خلال الانتخاب الحر للممثلين، ولا يعاقب أحداً على معتقداته الدينية، ولا يوجد فرق شاسع في الطبقية.

وسيكون للمرأة نصيب متساو من الحرية مثل الرجل، وسيتم الاعتراف بالكرامة الإنسانية للجميع.

– ثمن بلوغ أرض الأحلام

يعرف الشعب الإيراني أن الحرية والديمقراطية لهما ثمن ولن تتحققا إلا إذا كانت الأمة مستعدة لدفع الثمن، ولقد أظهر الشعب الإيراني أنه قادر على تحمل تكلفة الديمقراطية.

وعلى مدى السنوات الـ43 الماضية، فقد عدد كبير من الشعب الإيراني أرواحهم لمعارضة الحكام.

عدد القتلى في احتجاجات متعددة غير معروف. لأن الحكومة لا تعلن عن إحصاءات قط. ويتم الإعلان عن الإحصائيات كحد أدنى فقط من خلال إبلاغ العائلات، وبعد التحقق من قبل مؤسسات حقوق الإنسان.

في الاحتجاجات الأخيرة، قُتل ما لا يقل عن 510 أشخاص على يد النظام، 68 منهم على الأقل من الأطفال دون سن 18 عاماً، مما دفع اليونيسف، في 8 نوفمبر (تشرين الثاني)، للاحتجاج على هذا العنف الجامح.

كما أن العدد الدقيق للمعتقلين غير معروف، لكنني أعلن بحزم أنه تم اعتقال أكثر من 19000 شخص. وما لا يقل عن 300 منهم من طلاب المدارس الثانوية.

وبسبب امتلاء السجون ونقص الحيز المتاح، يتم وضع المعتقلين في ظروف غير صحية وغير نظامية، في الثكنات والمباني الحكومية التي تم إخلاؤها لهذا الغرض.

حتى الآن، بدأت محاكمة عدد من الموقوفين، وصدر حكم بالإعدام على 18 شخصاً، وأعدم اثنان منهم.

إيرانية خلال احتجاج على مقتل مهسا أميني في طهران مطلع أكتوبر (أ.ب)

أحد الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام هو الدكتور حميد قره حسنلو، وهو طبيب معروف قام ببناء عدة مدارس في المناطق المحرومة، وخدم في الحرب الإيرانية – العراقية لمدة ست سنوات.

وألقي القبض على هذا الطبيب في منزله وتعذيبه لدرجة كسر عظم ضلعه، ولأنه لم يعالج في الوقت المناسب، ثقبت رئته بسبب اختراق العظام. وفي المستشفى، أبلغ بإصدار حكم الإعدام ضده. حُكم على زوجة هذا الطبيب، وهي اختصاصية أشعة، بالسجن لمدة 25 عاماً. تم القبض على شخص آخر وحُكم عليه بالإعدام لغنائه بعض أغاني الراب.

حتى أن العنف الحكومي امتد إلى المستشفيات، حيث يقوم المسؤولون الحكوميون بتحديد واحتجاز الأشخاص المصابين في التجمعات الاحتجاجية، وإذا قاوم الطاقم الطبي، يقومون باعتقالهم وحتى في حالة واحدة، تم استخدام الغاز المسيل للدموع داخل فناء المستشفى.

في 17 ديسمبر (كانون الأول)، عُثر على جثة طبيبة شابة تدعى آيدا، بينما كانت آثار التعذيب واضحة للعيان على جسدها. وحسب أصدقائها وزملائها، فقد اعتادت الذهاب إلى منازلهم ومعالجة الجرحى الذين لم يرغبوا في الذهاب إلى المرافق الطبية، والآن الاعتقاد السائد، نظراً لسجل الحكومة، أنها تعرضت للتعذيب ثم قتلت على يد العملاء الحكوميين.

ما قيل هو تلخيص لمعاناة بلدي المفجوع، ويسع نطاق هذا المقال. النقطة المهمة أننا جميعاً نؤمن بالضوء والنور الذي سنصل إليه في نهاية نفق الرعب للجمهورية الإسلامية، وعندها سنعيش مع جيراننا بلطف وطمأنينة.

– محامية تترأس مجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في إيران

حصلت على جائزة نوبل للسلام لعام 2003