.
رغم الضربات القاسية التي أضعفت إيران عسكرياً وسياسياً، تبدو طهران ماضية في إطالة أمد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبين حسابات البقاء وعقيدة المواجهة، تتحول هذه الحرب تدريجياً إلى أداة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية.
في الداخل، يواجه الإيرانيون أزمات اقتصادية متفاقمة، ونقصاً في الإمدادات، وتضرراً واسعاً في البنية التحتية. ومع ذلك، يواصل قادة النظام خطاباً تصعيدياً يؤكد القدرة على تحمّل الخسائر وإطالة الصراع. وترفض طهران مطالب “الاستسلام الكامل”، وتطرح في المقابل شروطاً مرتفعة لأي تسوية، تشمل الحفاظ على واقع إقليمي “على حاله”، والحصول على تعويضات، وإعادة النظر في تحالفات الخليج مع واشنطن.
على المستوى الاستراتيجي، تعتمد إيران نهج “الحرب غير المتكافئة”، القائم على استنزاف الخصوم ورفع كلفة الحرب بدلاً من المواجهة المباشرة. وفي هذا السياق، وسّعت نطاق الصراع عبر استهداف الملاحة وإمدادات الطاقة، خصوصاً في مضيق هرمز، ما أدى إلى اضطراب الأسواق العالمية وربط استقرارها باستقرار إيران.
كذلك، عمل الحرس الثوري على إعداد خطط لحرب طويلة الأمد، تقوم على وحدات لامركزية تتيح استمرار القتال رغم الضربات. وفي الوقت نفسه، يعكس التصعيد ضد أهداف إقليمية محاولة لفرض واقع ردعي جديد في المنطقة.
إلا أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من تحديات، إذ تتمسك دول الخليج بتحالفاتها مع الولايات المتحدة، وتواصل النظر إلى إيران بوصفها التهديد الرئيسي، ما يحدّ من قدرة طهران على فرض رؤيتها الإقليمية.
وبناءً على ذلك، لا يبدو أن إيران تسعى إلى حسم الحرب عسكرياً بقدر ما تهدف إلى البقاء، واستعادة الردع، وفرض شروط ما بعد الحرب، من خلال جعل استمرار الصراع مكلفاً لجميع الأطراف.
ويرى السفير العراقي الأسبق في باريس وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور غازي فيصل، في حديث لـ”النهار”، أن إصرار إيران على مواصلة الحرب تقوده بالأساس القوى الراديكالية المرتبطة بالحرس الثوري، والتي تنطلق من عقيدة دينية تعتبر نفسها مكلفة بمشروع “كوني” لإقامة نظام إسلامي وفق ولاية الفقيه، ومواجهة الولايات المتحدة والنظام الدولي القائم. وبحسب هذا المنطق، فإن الاستسلام يعني سقوط هذا المشروع الأيديولوجي.
في المقابل، يشير إلى وجود تيار إصلاحي يدفع نحو التفاوض وتغيير السلوك الإقليمي لإيران باتجاه دولة مؤسسات أقل تدخلاً في شؤون الآخرين، إلا أن هذا التيار يواجه قيوداً داخلية شديدة.
ويؤكد فيصل أن إيران تقف أمام مأزق حقيقي بين هذين الاتجاهين، في ظل اختلال واضح في موازين القوة العسكرية والتكنولوجية لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب الضربات الأمنية واختراقات الاستخبارات التي أضعفت بنيتها.
ويحذر من أنه إذا استمر التيار المتشدد في نهج التصعيد، فقد يؤدي ذلك إلى استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية وصولاً إلى هزيمة محتملة.
من جهته، يقول رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات أحمد الياسري، لـ”النهار”، إن الاستراتيجية الدفاعية لإيران ليست ردّ فعل اضطرارياً، بل خيار محسوب ومخطط له منذ سنوات، انطلاقاً من إدراكها لاحتمال تعرّضها لمحاولة إسقاط من قبل الولايات المتحدة. لذلك، اعتمدت نهج “حرب الاستنزاف” بدل المواجهة المباشرة، لعلمها بعدم قدرتها على مجاراة التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي.
ويشير إلى أن العقيدة القتالية الإيرانية تقوم على إنهاك الخصم تدريجياً، لا حسم المعارك سريعاً، وهو ما ظهر تاريخياً في الحرب العراقية-الإيرانية. كما يؤكد أن طهران نقلت الصراع من مواجهة عسكرية تقليدية إلى “حرب طاقة”، عبر استهداف الملاحة وإمدادات النفط، وصولاً إلى إغلاق مضيق هرمز، ما أدخل العالم في أزمة طاقة ورفع كلفة الحرب دولياً.
وبحسب الياسري، سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حصر الصراع جغرافياً بهدف إسقاط النظام الإيراني، لكن طهران نجحت في توسيع نطاقه، عبر استهداف دول ومنشآت نفطية، ما فرض واقعاً إقليمياً ودولياً أكثر تعقيداً، وأوقع واشنطن في “فخ” استراتيجي.
ويلفت إلى أن الضربات التي طالت القيادة الإيرانية دفعت إلى اعتماد لامركزية في إدارة المعركة، عبر توزيع الصلاحيات على قادة ميدانيين، خصوصاً في القوة الصاروخية، ما عزز قدرة إيران على الاستمرار رغم الخسائر.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو إيران عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في حرب استنزاف مكلفة، أو تقديم تنازلات صعبة. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل الصراع مفتوحاً على مزيد من التصعيد وعدم اليقين.