تقارب تركيا ونظام الأسد: رفض شعبي وصمت للمعارضة السورية تقارير عربية باريس عدنان أحمد. العربي الجديد

تظاهرة في مدينة الباب السورية أمس، رفضاً للتقارب التركي السوري (بكر القاسم/فرانس برس)

على الرغم من أن اللقاء الذي جمع وزراء دفاع روسيا وتركيا والنظام السوري، سيرغي شويغو وخلوصي أكار وعلي محمود عباس، في موسكو، الأربعاء الماضي، لم يكن مفاجئاً، وسبقه الكثير من التصريحات التركية الممّهدة، إلا أنه أصاب المعارضة السورية بشيء من الصدمة، بعدما انتقلت معه التصريحات التركية بشأن التقارب مع نظام بشار الأسد، إلى خطوات ملموسة، من المتوقع أن تتطور تباعاً خلال العام المقبل.

وبينما لاذت الأطر الرسمية للمعارضة السورية المدعومة من تركيا بالصمت، صدرت مواقف رافضة للمصالحة مع النظام من القوى الأخرى. كما دعت فاعليات ثورية إلى تظاهرات واعتصامات احتجاجاً على هذا التقارب.

تظاهرات شعبية احتجاجاً على التقارب

وبالفعل، شهدت الكثير من مناطق الشمال السوري في مدن وبلدات ريف حلب الشمالي والشرقي، وريف إدلب، بعد صلاة أمس الجمعة، تظاهرات تحت مُسمى “انتفضوا لنعيد سيرتها الأولى”، وذلك إحياءً لروح الثورة السورية، وتأكيد التمسك بأهداف الثورة في إسقاط نظام الأسد وعدم الاعتراف بنتائج أي تقارب معه.

شارك الآلاف من السوريين في ريفي إدلب وحلب وتل أبيض بريف الرقة، أمس، في تظاهرات رافضة للتقارب

وذكر مراسل “العربي الجديد” أن الآلاف شاركوا في تظاهرات في إدلب، وجسر الشغور وأطمة، بريف إدلب الشمالي، وفي كلّ من مدن إعزاز، ومارع، وعفرين، والباب، وجرابلس، بلدات أخترين، وجنديرس، والراعي، ودابق، وصوران، شمال شرقي محافظة حلب، وتل أبيض في ريف الرقة الشمالي. وردّد المشاركون هتافات، وحملوا لافتات، تؤكد على “ثوابت الثورة وأهدافها”، وعبّروا عن رفضهم لأي جهود تسعى إلى تعويم النظام السوري.

كما ذكر موقع “تجمع أحرار حوران”، أن العشرات من أبناء مدينة جاسم شمالي درعا، في الجنوب السوري، شاركوا في تظاهرة أمس، مطالبين بإسقاط نظام الأسد وطرد المليشيات الإيرانية، والإفراج عن المعتقلين من سجون النظام.

من جهته، قال “اتحاد الإعلاميين السوريين” في بيانٍ تحت عنوان “لن نصالح”، إنه “مع التصريحات واللقاءات التركية الأخيرة مع شخصيات النظام المجرم، تطلب الساحات أهلها وتنادي الثورة أبناءها ليجددوا العهد ويعيدوا سيرتها الأولى”.

وفي بيان مماثل، رأى اتحاد إعلاميي حلب وريفها، أن هناك “محاولات لإعادة تعويم النظام في الساحة الدولية على الرغم من كل تلك المجازر والجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري لمجرد مطالبته بالحرية”. وطالب الاتحاد السوريين في الداخل وفي كل دول العالم، بالنزول إلى الساحات للتعبير عن رفض هذه التصريحات والعمليات السياسية والتأكيد على الموقف الثابت.

وأكد “المجلس الإسلامي السوري” في بيان، رفضه أي خطوات للتقارب مع نظام الأسد، قائلاً “الموت ونحن نتجرع السمّ أهون ألف مرة من أن نصالح عصابة الإجرام التي دمّرت سورية وأبادت أهلها”. وأضاف المجلس: “أخذنا على أنفسنا العهد ألا نكون شهود زور على مشاريع تصفية الثورة السورية”.

واعتبر أن “مصالحة تلك العصابة تعني أن يموت شعبنا ذلّاً وقهراً، وتعني بيع دماء الشهداء الذين مضوا وهم ينشدون كرامة سورية وعزة أهلها”، داعياً إلى “الثبات الكامل على مطالب الثورة السورية والتمسك بوثيقة المبادئ الخمسة” التي أصدرها من قبل.

وكان المجلس أصدر في سبتمبر/أيلول 2015 وثيقة “المبادئ الخمسة” للثورة السورية، وقّع عليها نحو 140 من الشخصيات والكيانات والفصائل المعارضة، وتتضمن “مجموعة ثوابت وطنية لقطع الطريق على محاولات إجهاض الثورة السورية وإعادة تأهيل النظام”، على رأسها: إسقاط بشار الأسد وجميع أركان نظامه، وتقديمهم للمحاكمة العادلة.

بدورها، أعربت “إدارة الشؤون السياسية” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، في بيانٍ لها، عن “رفضها واستنكارها أن يقرر مصير الثورة بعيداً عن أهلها لأجل خدمة مصالح دولة ما أو استحقاقات سياسية تتناقض مع أهداف الثورة السورية”.

وقال البيان: “نقدر المواقف النبيلة التي دعمت تركيا بها ثورتنا المباركة ونشكر لها حسن استقبالها للسوريين إلى يومنا هذا، ونتفهم كذلك الضغوط التي تواجهها اليوم على المستوى المحلي والدولي ونتضامن معها”.

وأكدت الإدارة، أنه “مع اقتراب ذكراها الثانية عشرة تواجه ثورتنا السورية المباركة تحدياً سياسياً جديداً متمثلاً بتنشيط التواصل مع النظام المجرم من قبل أبرز حلفاء الشعب السوري – الدولة التركية الكريمة”، مُشيرةً إلى أن “هذه المباحثات تأتي لأجل إحراز تقدم في ملف اللاجئين قبل الانتخابات التركية المقبلة من جهة، وممارسة مزيد من الضغط على قوات “قسد” وأبرز مكوناته حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى”.

وذكّرت الإدارة “الدولة التركية بضرورة الحفاظ على قيمها ومكتسباتها الأخلاقية في نصرة المستضعفين والمظلومين”، وبأن النظام السوري الحالي ومن قبله حكم أبيه حافظ الأسد، هدّد الأمن القومي التركي لعقود من خلال دعمه لحزب العمال الكردستاني، وهو لا يملك النيات الحسنة للمشاركة بإزالة المخاوف والتهديدات الأمنية لتركيا، فضلاً عن عدم قدرته على ذلك”.

ورفض البيان أن يُقرر مصير الثورة “بعيداً عن أهلها لأجل خدمة مصالح دولة ما أو استحقاقات سياسية تتناقض مع أهداف الثورة السورية”.

غازي دحمان: على المعارضة بكل تلاوينها أن تبادر اليوم للقيام بمراجعة شاملة لأدائها في السنوات العشر الماضية

وعبرت “حركة سورية الأم” عن قلقها البالغ إزاء “التحركات غير المسبوقة للجارة تركيا للانفتاح على النظام السوري، ظنّاً منها أن حل مشاكلها المحقة في حماية أمنها القومي ومحاربة الإرهاب والحركات الانفصالية التي تنشط في سورية يكمن في التعاون مع النظام”.

ورفضت الحركة التي يرأسها معاذ الخطيب، بشدة، “أي نهجٍ من شأنه تعويم نظام متهالك غير قادرٍ على تأمين الحاجات الأساسية للسوريين في المناطق التي تخضع لسيطرته أصلاً، مذكرة الصديقة تركيا بأن نظام الأسد هو الأب الروحي للإرهاب، وأن هذه الحركات خرجت من رحمه وهي صنيعة أجهزة استخباراته”.

وحثّت الحركة تركيا التي “قدّمت الكثير ولا تزال، للشعب السوري المكلوم على مراعاة مصالح ومشاعر ملايين السوريين من الضحايا، لأن فقدان الأمل في تحقيق العدالة سيدفع إلى اليأس الذي لا بد وأنه سيفضي إلى ما لا تحمد عقباه، وإلى المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار لتركيا ولدول المنطقة”.

واعتبر البيان أن “هدف النظام من هذه الاجتماعات ليس التخلي عن الأدوات التي اتخذها مطية لابتزاز تركيا والشعب السوري، بل هو إرسال رسالة للسوريين بأن الجميع سيرضخ لابتزازه في نهاية المطاف، والهروب من الأزمات التي تعصف به عن طريق إعطاء المزيد من الآمال الزائفة لحاضنته التي تئن تحت وطأة الدمار الذي ألحقه بالاقتصاد السوري”.

صمت المعارضة على تقارب أنقرة والنظام

وحتى ظهر أمس الجمعة، لم تصدر مواقف من المعارضة السورية السياسية والعسكرية إزاء الخطوة التركية. ولم تتلق “العربي الجديد” ردوداً على الاسئلة التي وجهت إلى بعض ممثلي تلك المعارضة، في ما علّق بعض القياديين في “الجيش الوطني السوري” في حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي على هذا التقارب.

وقال القيادي في الفيلق الثالث صالح عموري: “لن يقبل السوريون وأبناء الثورة أن تذهب تضحياتهم العظيمة التي قدموها خلال سنوات الثورة هباءً، ولن تهدأ سورية ولن يعود الأمان والاستقرار إليها قبل الخلاص من رأس الإرهاب في سورية بشار الأسد، وسيستمر كفاحنا في سبيل ذلك بعون الله ومدده”.

من جهته، قال الشرعي العام في “الجبهة الوطنية للتحرير” عمر حديفة، إن “إسقاط النظام الأسدي الطائفي المجرم هو هدف لكل حر شريف، وهو هدف لا يسقط بالتقادم ولا يُعدل عنه بعد الإيمان به والعمل من أجله”.

وقال مهند الخلف (أبو أحمد نور)، وهو أحد قياديي الجيش الوطني السوري: “الموت ونحن نتجرع السم أهون ألف ألف مرة من مصالحة تلك العصابة التي دمرت سورية وأبادت أهلها”. وأضاف مقتطفاً من بيان المجلس الإسلامي السوري: “مصالحة تلك العصابة تعني أن يموت شعبنا ذلاً وقهراً، وتعني بيع دماء الشهداء الذين مضوا وهم ينشدون كرامة سورية وعزة أهلها”.

من جهته، قال القائد العام للفيلق الأول في الجيش الوطني السوري، العميد الركن معتز رسلان: “ثورتنا ثورة حرية وكرامة وهدفنا إسقاط النظام السوري المجرم وحماية أهلنا والنصر لنا بإذن الله ثورة حتى النصر”.

كما أصدر “مجلس سوريا الديمقراطية” التابع لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بياناً، قال فيه إنه “ينظر بعين الشك والريبة إلى الاجتماع بين وزيري دفاع الحكومة التركية والسورية وبرعاية روسية”، معبراً عن إدانته “استمرار سفك الدماء السورية قربانا لتأبيد سلطة الاستبداد في دمشق”. ودعا “مسد” إلى “مواجهة هذا التحالف واسقاطه، والى توحيد قوى الثورة والمعارضة في وجه الاستبداد وبائعي الدم السوري على مذبح مصالحهم”، وفق تعبيره.

ورأى الكاتب السياسي غازي دحمان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “على المعارضة السورية بكل تلاوينها أن تبادر اليوم للقيام بمراجعة شاملة لأدائها في السنوات العشر الماضية وعلاقاتها مع داعميها الذين دفعوها المرة تلو الأخرى إلى تقديم تنازلات مجانية لم تقابل من جانب النظام بأي خطوات مماثلة”.

وأضاف دحمان أن “أي تنازلات جديدة للنظام لن تصب في مصلحة أهداف غالبية الشعب السوري التي تنادي بالانعتاق من سلطة النظام المستبد في دمشق، بل ستوصل رسالة لهذا النظام بأنه كان محقاً في تعنته ودمويته طيلة السنوات الماضية، وها هو العالم يأتي إليه دون تنازلات من جانبه”.

وأكد الكاتب أنه “يجب أن تكون لدى قوى المعارضة خطط بديلة للتحرك في المرحلة المقبلة، وأن تعود إلى شعبها، كي تستمد منه القدرة على الثبات ومواصلة المسيرة”.