في المقابل، يُطلب من اللبنانيين أن يتحمّلوا كلفة خيار لم يشاركوا في صنعه، وأن يُختصروا جميعاً في تعريف واحد. هنا تحديداً يتكشف الخلل: قرار يُتخذ خارج الدولة، وثمن يُدفع داخل المجتمع. وبين الاثنين، تتآكل فكرة الوطن، لا بوصفه أرضاً، بل بوصفه حقاً في القرار.
كسر احتكار اللغة
حين طلب وزير الإعلام بول مرقص من وسائل الإعلام الرسمية استخدام توصيف دقيق عند الإشارة إلى “الحزب”، اندلع جدل واسع حول ما إذا كان قد أسقط صفة “المقاومة” عنه. غير أن هذا الجدل، في جوهره، أخطأ الهدف. فالمسألة لم تكن في نزع صفة بقدر ما كانت في كسر احتكارها، وإعادتها إلى سياقها الطبيعي بوصفها توصيفاً سياسياً، لا حقيقة وطنية ملزمة.
لم تعد مسألة “المقاومة” في لبنان خلافاً على توصيف لغوي، بل باتت مدخلاً لفهم اختلال أعمق في بنية الدولة. فالمشكلة لم تكن يوماً في وجود “مقاومة” من عدمه، بل في احتكار تعريفها، وتحويلها من خيار سياسي قابل للنقاش إلى حقيقة مفروضة على الجميع.
في هذا السياق، لم يعد ممكناً التعامل مع “المقاومة” كمفهوم لبناني جامع. ما نشهده هو انتقالها من فضاء شبه الإجماع إلى فضاء الادعاء، حيث تُعرفها جهة واحدة وتقدمها بوصفها تعبيراً عن لبنان كله. وهذا التحول، على بساطته الظاهرية، يعكس تبدلاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة، والقوة الفعلية على الأرض من جهة أخرى.
من وظيفة دفاعية إلى هوية سياسية
في مراحل سابقة، ارتبطت “المقاومة” بسياق محدد: الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وضعف الدولة عن أداء دورها السيادي. يومها، بدت كـ “خيار اضطراري”، أو كتعويض مؤقت عن غياب الدولة.
لكن هذا الدور لم يبقَ في حدوده. مع الوقت، تحولت “المقاومة” إلى هوية سياسية مكتملة، تُعرّف نفسها بذاتها، وتستمد شرعيتها من استمرارها، لا من ظرفها. وهنا تحديداً بدأ التباعد مع الدولة: إذ لم تعد “المقاومة” وظيفة ضمن كيان وطني، بل كياناً موازياً يفرض منطقه على هذا الكيان.
بهذا المعنى، لم يعد السؤال: هل هناك مقاومة؟ بل: من يملك حق تعريفها، وتحديد حدودها، وربطها بالمصلحة الوطنية؟
تكمن المعضلة الأساسية في مكان آخر: في غياب القرار السيادي. فلبنان، كدولة، لم يعلن الحرب، ولم يقرر الدخول في مواجهة مفتوحة. ومع ذلك، يجد نفسه منخرطاً في صراع يتجاوز حدوده.
هذه المفارقة تختصر الأزمة: دولة لا تقرر الحرب، لكنها تتحمل نتائجها. مجتمع لا يُستشار، لكنه يدفع الكلفة. في المقابل، الجهة التي تمسك بقرار التصعيد لا تخضع لمساءلة وطنية شاملة. وهنا تتضح الصورة: المشكلة ليست في التسمية، بل في من يملك القرار. وما دام هذا القرار خارج إطار الدولة، فإن أي توصيف للمواجهة يبقى تعبيراً عن طرف، لا عن وطن.
المجتمع كموقع فعلي للمواجهة
خارج الخطاب السياسي، ثمة واقع آخر يتشكل. اللبنانيون، في حياتهم اليومية، يعيشون شكلاً مختلفاً من “المقاومة”: مقاومة الانهيار، والخوف، وفقدان الاستقرار. وهذه ليست استعارة بل واقع ملموس. فالكلفة الاجتماعية للحرب، سواء كانت مباشرة أو مؤجلة، تتوزع على المجتمع بأكمله: تراجع في مستوى المعيشة، التفكير الجدي في الهجرة، وضغط نفسي متواصل. إنها مواجهة يومية مع واقع يتدهور، لا مع عدو خارجي فقط.
بهذا المعنى، تنتقل “المقاومة” من كونها فعلاً عسكرياً إلى تجربة اجتماعية عامة. وهي تجربة لا يقررها الناس، لكنهم يعيشونها بكل تفاصيلها. ولا يمكن فصل هذا المشهد عن سياقه الإقليمي. فلبنان، مرة جديدة، يتحول إلى ساحة ضمن صراع أوسع بين قوى دولية وإقليمية. القرارات الكبرى لا تُصاغ في مؤسساته، لكن نتائجها تُفرض عليه.
هذا التموضع يعمّق الإحساس بالانفصال بين القرار والمصير. فالحرب التي تُخاض على أرضه لا تعبّر بالضرورة عن أولوياته، لكنها تعيد تشكيل واقعه. وهنا، لا يعود السؤال من يواجه، بل لماذا يُزج بلد بكامله في صراع لا يملك أدوات التحكم به.
نهاية وهم “الدولة والدويلة”
لوقت طويل، بدا المشهد اللبناني وكأنه صراع بين “دولة” و”دويلة”. لكن هذا التوصيف لم يعد دقيقاً. ما جرى هو مسار طويل من تراجع الدولة مقابل صعود قوة موازية هي “دويلة الحزب”، إلى أن اختل التوازن بشكل حاسم.
لم تعد الدولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، وهو جوهر السيادة. ومع هذا التراجع، تحولت من مرجعية نهائية إلى إطار محدود الفعالية. لم يعد هناك صراع مفتوح بين كيانين “الدولة والدويلة”، بل واقع مستقر على تفوق أحدهما، وهذا ما يجعل الحديث عن قرار وطني جامع أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع.
هذا الاختلال لم يبقَ في الإطار الأمني. بل انعكس على مجمل بنية الدولة: من السياسة إلى الاقتصاد. فحين يُسحب القرار السيادي من المؤسسات، تفقد هذه المؤسسات قدرتها على إدارة الأزمات.
النتيجة كانت مساراً متصلاً من التدهور: عزلة عربية متزايدة، تراجع في الثقة الدولية، وانهيار اقتصادي غير مسبوق. عملياً، لم يعد لبنان قادراً على التوفيق بين التزاماته الخارجية وواقعه الداخلي، لأن القرار لم يعد موحداً.
أحد أبرز انعكاسات هذا المسار كان في علاقات لبنان العربية. فالانخراط في صراعات إقليمية، أو التدخل في شؤون دول أخرى، نقل لبنان من موقع التوازن إلى موقع الاصطفاف. وهذا التحول أضعف شبكة الأمان التقليدية التي كان يعتمد عليها. ومع كل أزمة، بدا واضحاً أن الكلفة لا تُدفع سياسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً، عبر تراجع الفرص وتضاؤل الدعم. ومرة أخرى، يظهر الخلل نفسه: قرار محدود المصدر، واسع الكلفة.
تفكيك الاحتكار… بين القرار والكلفة
في ضوء كل ذلك، يصبح النقاش حول “المقاومة” أقرب إلى نقاش حول السلطة، لا حول التسمية. فاحتكار تعريفها يعكس احتكار القرار نفسه. وحين تُفكك هذه المعادلة، يتغير موقع المفهوم: من حقيقة مطلقة إلى تعريف قابل للنقاش. وهذا لا يلغي وجود “المقاومة”، بل يعيدها إلى سياقها الطبيعي كخيار سياسي، لا كقدر وطني.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال من يملك الصفة، بل من يملك الحق في فرضها على الآخرين.
في النهاية، تنكشف الأزمة في أبسط صورها: قرار يُتخذ خارج الدولة، وكلفة تُدفع داخل المجتمع. وبين الاثنين، تتآكل فكرة لبنان كمساحة مشتركة للقرار والمسؤولية.
إذا كانت “المقاومة” خياراً وطنياً، يفترض أن يكون قرارها وطنياً أيضاً. وإذا كانت كلفتها عامة، فمن حق المجتمع أن يكون شريكاً في تحديدها. ما عدا ذلك، تبقى مجرد عنوان لخلل أعمق في توازن السلطة.
عند هذه النقطة، يتغير معنى “المقاومة” نفسه: من صفة تُحتكر، إلى عبء يُعمَّم، ومن خطاب سياسي، إلى سؤال مفتوح حول من يقرر، ومن يدفع الثمن.
اساس ميديا
