صقر أبو فخر كاتب
I
في صباح 15/9/2024، توفي الياس خوري بعد منازلة ملحمية مع الحياة وصروفها. وكان قد بدأ عراكه الأخير مع البقاء في ليلة 14/9/2024، الذي يتطابق مع عيد ارتفاع الصليب في بلاد الشام، وفي فلسطين على وجه الخصوص. ويُطلق فلاحو بلاد الشام على شهر أيلول/ سبتمبر اسم “شهر الصليب”، وهو أول الصبيب، أي المطر، وفيه ينتهي فصل الصيف، ويحل فصل الخريف، ويبدأ الاستعداد لقطاف الزيتون بعد الصبيب الأول حين يدور الزيت في الزيتون.
كان الياس خوري، بهذا المعنى، شاميًا تمامًا؛ فهو ابن هذه الأرض، ووارث للتراث الزراعي الجميل في بلاد الشام كلها بلا استثناء. ولهذا، ربما، عكف على تعلّم مقادير من السريانية، وهي لغة سورية القديمة، ليكتشف أبعاد هذه البلاد ومصائرها العجيبة، ويكتب حكاية يالو السرياني وجده الآتي من القامشلي في سورية.
منذ سنة بالتمام، غادرنا الياس خوري، مخلفًا وراءه أشواقًا كاوية. وها أنا الآن أتذكر بعض اللحظات في صداقتنا الممتدة.
في سنة 2011، بعد 25 سنة من العمل المتواصل في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، غادرت عملي سكرتيرًا لتحرير مجلة الدراسات الفلسطينية إلى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي توليت فيه مهمة مدير التحرير. آنذاك ودّعني الياس خوري بكلمة مفعمة بالمحبة نشرها في مفتتح المجلة جاء فيها: “عمل صقر أبو فخر في مواقع متعددة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وهو في هذه المواقع كلها لم يتعامل مع عمله كوظيفة، وإنما قدّم نموذجًا للمثقف الملتزم الذي رأى في مؤسسة الدراسات الفلسطينية إطارًا للنضال الفكري والثقافي. وبصرف النظر عن مواقعنا اليوم، فإننا كنا وسنبقى في معسكر العادلين، ففلسطين هي رمز العدالة الإنسانية المستباحة في عالمنا. ومن أجلها وأجل شعبها حملنا الأقلام مؤمنين بأن دور المثقف هو أن يكون نقديًا ومنحازًا إلى الضمير والعدالة […]. وسنبقى معًا، أينما نكن، شهودًا للمعرفة والحقيقة والحق”. (راجع: الياس خوري، تحية إلى صقر أبو فخر، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 88، خريف 2011). وها أنا الآن، من هذا المكان، لا أودّع الياس خوري كما ودعني، بل أستقبله، وأقول له: أهلًا إلياس، مكانك هنا بيننا، وفي أفئدتنا.
الجمرة الحارقة التي أيقظت الوعي السياسي لدى الياس خوري كانت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، فلم يُطِقْ صبرًا، بل ذهب إلى الأردن في سنة 1969، ورأى الأغوار بأم عينه، وزار مخيم البقعة، وتجوّل مع الفدائيين وانتمى، بكل وعي، إلى حركة فتح. كانت رحلة الياس خوري من الأشرفية إلى جبال عجلون وأحراج جرش، فإلى منحدرات جبل الشيخ في العرقوب، ومخيمات اللجوء في لبنان، فضلًا عن شوارع بيروت الطافحة باليسار الثوري آنذاك، رحلةً مضنية في الزمن، ومضيئة في الإبداع. وقد اجتازها ساطعًا كشمس الهاجرة، وباهرًا كالضياء. وعلى تلك الدروب التقينا.
II
من اليمين صقر أبو فخر، يحيى يخلف، الياس خوري، حسن خضر، أحمد برقاوي
ما عدتُ أذكر أين التقينا أول مرة. حاولت أن أُرغم ذاكرتي على التذكر، ففشلتُ. كان لقاؤنا في تلك الحقبة بدهيًا من دون أول مرة، مثلما لا يعرف المرء أين التقى والده أول مرة. وعلى الأرجح أننا التقينا في أحد شوارع بيروت، أو في واحد من مكاتب الفدائيين. لكن المسارات المتعرجة للحرب الأهلية اللبنانية جعلتنا نعرف بعضنا أكثر فأكثر في أفياء جريدة “السفير”، ثم في الملحق الأدبي لجريدة “النهار”. وفي ملحق “النهار” كتبت مقالات كثيرة باسمي المعتاد، وبأسماء مستعارة مثل “شاهين أبو العز”، لأتجنب لوم طلال سلمان. وكنتُ أتحجج أمام الراحل الكبير طلال سلمان أن الملحق الأدبي إنما هو ملحق الياس خوري، وليس ملحق “النهار”، وأنا لا أستطيع ردّ ما يطلبه الياس مني. و”شاهين أبو العز” هو ترجمة لاسم صقر أبو فخر؛ فالشاهين هو الصقر، وأبو العز هو أبو فخر، ولا أدري علامَ كنا نفتخر ونعتز.
“الجمرة الحارقة التي أيقظت الوعي السياسي لدى الياس خوري كانت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، فلم يُطِقْ صبرًا، بل ذهب إلى الأردن في سنة 1969، ورأى الأغوار بأم عينه”
الياس خوري واحد من جيل نادر. وقد ظل حتى آخر شهقة في صدره أمينًا على دوره الطليعي في مقاومة الانحطاط الفكري والأخلاقي والسياسي. فلا شيءَ عنده يسمو على الحرية والعدالة؛ إنهما جوهر الأدب والانسانية في كل زمان ومكان. وفي هذا الميدان كان الياس محاربًا حقيقيًا وعنيدًا ومسكونًا بقيم الحرية دائمًا، وناضل ضد العنصرية وضد العسف وضد الاستبداد وضد الطائفية وضد الهمجية الإسرائيلية، وكان، في معمعان هذا النضال، مع فلسطين بلا تردد.
كتاباته حادة ومدببة وواخزة. وكانت حياته مثل كلماته برهانًا أكيدًا على أن الإنسانية لم تُهزم. ولعله كان يريد تحويل الحياة الواقعية إلى أدب، لا تحويل الأدب إلى واقعية بلا حياة. وفي هذا الميدان انهمك في اكتشاف المجتمع اللبناني، ومجتمع الفلسطينيين في لبنان، من خلال حكايات الناس. فهو، بمعنى آخر، جامع حكايات من طراز شهرزاد. وحكاياته الثرية شهادات واقعية، لكنها عابقة بالتاريخ، ومفعمة بالحياة الدافئة. وبراعته الأدبية تكمن في تحويل السرد الحكائي المعتاد إلى أدب غير عادي.
III
من اليمين صقر أبو فخر، الياس خوري، ليلى شهيد، محمود درويش، سمير قصير، مارسيل خليفة، إسكندر حبش
علاقته بفلسطين ليست مناصَرَةً لقضيتها، أو تأييدًا لها، أو دعمًا لشعبها، بل هي علاقة حب وانتماء. وكانت فلسطين دومًا شاغلته الأولى على المستوى الفلسفي والوجودي والإنساني؛ وهذا ما أراد أن يعبر عنه في روايته الملحمية “باب الشمس” (بيروت: دار الآداب، 1998). وما كان لينظر إلى قضية فلسطين على أنها قضية ظلم، فالظلم موجود دائمًا في معظم بقاع الأرض، لكن تلك القضية كانت تؤرقه على المستوى الأنطولوجي، أي على مستوى كينونته، وتطرح عليه أسئلتها، ولا سيما عن علاقة الحقيقة بالحق. وكان دائمًا يستعيد الزيارة المشهورة لجان بول سارتر إلى قطاع غزة في سنة 1965؛ فبعدما شاهد سارتر مخيمات اللاجئين لم ينطق بكلمة واحدة. أما الروائية مارغريت دوراس الشيوعية، والتي كثيرًا ما دانت عنصرية الجنرالات الفرنسيين في الجزائر، فتمنت لو أنها يهودية. وهذا يعني، بحسب الياس خوري، أن الحقيقة في قضية فلسطين تُستبدل بحقيقة أخرى عن الهولوكوست، فيضيع الحق.
“الياس خوري واحد من جيل نادر. وقد ظل حتى آخر شهقة في صدره أمينًا على دوره الطليعي في مقاومة الانحطاط الفكري والأخلاقي والسياسي”
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982، عندما صمت معظم الكُتّاب، وأحنى كثيرون رقابهم، كان هنالك صوت شجاع ظل يدافع عن فلسطين، وعن الفلسطينيين، بكل نبل وإباء، وبلا خشية أو وجل؛ إنه الياس خوري. وفي الذكرى الخمسين للنكبة الفلسطينية في سنة 1998، حين لاح لكثيرين أن شمس فلسطين في طريقها إلى الغروب بعد وصول اتفاق أوسلو إلى جدار مسدود، أصرّ الياس على المعاندة، ودعا إلى تأسيس لجنة لإحياء تلك الذكرى قوامها: الياس خوري، وسمير قصير، وفواز طرابلسي، وجاد ثابت، وصلاح صلاح، ورشا السلطي، وأنا، وآخرون. وسارت الجموع من المدخل الجنوبي لمخيم شاتيلا (ساحة الرحاب) إلى مثوى شهداء مذبحة صبرا وشاتيلا حاملة ألفَ شمعة لبنانية، وألفَ زهرة لبنانية كنسائم أمل إلى الفلسطينيين. وكم تمنى لو أنه تمكن من الذهاب إلى الجليل، ثم إلى رام الله، ليتسلم جائزة فلسطين للرواية التي مُنحت له في سنة 1999. وإذا كانت وقائع الأحوال لم تسعفه في الذهاب إلى فلسطين، فإن الفلسطينيين جاءوا إليه بحب ليقرأوا “باب الشمس”، أو ليشاهدوا حكاياتهم في فيلم يسري نصر الله الذي حمل العنوان نفسه، أو ليقيموا في سنة 2013 بالقرب من القدس قرية “باب الشمس” المؤلفة من أربعين خيمة.
ظل الياس يعارك الضحالة والرثاثة كي لا تموت الثقافة في بيروت، ولا تذوي أصوات الحقيقة والحق في ربوع هذا البلد المثقل بفواجعه. ولم يتردد في الدعوة إلى إضاءة الشموع في ساحة البرج في قلب بيروت مساء 8/8/2011 تضامنًا مع أهل الشام في انتفاضتهم. وأضيئت الشموع فعلًا عند نصب الشهداء اللبنانيين والسوريين الذين عُلقوا على المشانق في 6 أيار/ مايو 1916، في الساحة نفسها التي صار اسمها ساحة الشهداء. ووقّع الدعوة آنذاك: الياس خوري، ومارسيل خليفة، وجاد ثابت، وفواز طرابلسي، وروجيه عساف، وسهى بشارة، وصقر أبو فخر، وشوقي بزيع، وإميل منعم، وحازم صاغية، وحسام عيتاني، وعباس بيضون، ومحمود سويد، وماهر جرار، وزياد ماجد، والراحلون حبيب صادق، وسماح إدريس، وكريم مروة.
ترافقنا في إحدى المرات إلى القاهرة لحضور منتدى ثقافي فلسطيني نظمه صديقنا يحيى يخلف، وغمرتنا مسرات كثيرة مع أحمد دحبور، وحسن خضر، وتوفيق فياض، وفيحاء عبد الهادي، ومحجوب عمر (اسمه الأصلي رؤوف نظمي ميخائيل عبد الملك صليب). وفي ما بعد، أقمنا لمحجوب عمر ندوة تكريمية في مسرح دوار الشمس في سنة 2012، وكانت المبادرة، بالتأكيد، لالياس خوري. وفي الزيارة الأولى لمحمود درويش إلى بيروت بعد خروجه منها في سنة 1982، قال محمود إنه يريد أن يضع إكليلًا من الزهر على مثوى شهداء صبرا وشاتيلا، وذهبنا معه: الياس خوري قيدومنا، وسمير قصير، ومارسيل خليفة، وليلى شهيد، وماهر اليماني، وإسكندر حبش، وأنا معهم. وهناك تفاكهنا مع محمود درويش بعد أن أنهى قراءة الفاتحة، فقلت له: هل تحفظ حقًا سورة الفاتحة؟ وهل تستطيع ترتيلها مجوّدة؟
IV
كنا نترشف مقالاته، ونتعبب رواياته بمتعة غامرة. قرأنا جميع رواياته، لكن رواية “الجبل الصغير” (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1977) ظلت الأقرب إلى مكامن نفسه، فهي عن حي الأشرفية الذي فيه نشأ. ولعل “الوجوه البيضاء” (بيروت: دار الآداب، 1981) عن الحرب الأهلية اللبنانية، هي الأقرب إلى محطات عمره، علاوة على “رحلة غاندي الصغير” (بيروت: دار الآداب، 1989)، و “باب الشمس” (بيروت: دار الآداب، 1998)، و”يالو” (بيروت: دار الآداب، 2002)، و”أولاد الغيتو” (بيروت: دار الآداب، 2016).
عاش الياس خوري على هذه البسيطة كطفل شقي مشاكس وجميل. وغاب عنا وهو يصارع شقاءه في بلد مسيّج بالشقاء. وهذا الروائي والكاتب والناقد والصحافي والأستاذ الجامعي والمحفّز الثقافي والمناضل لم يتورع البتة عن توجيه أنصاله، وهي ثمانية وعشرون حرفًا، نحو كائنات الكهوف التي ما برحت تتناسل اليوم في عالمنا العربي، من بيروت إلى البصرة، في هيئات وجماعات همجية مروّعة.
مضى الياس خوري إلى إغفاءته الأخيرة، وإلى ضجعته الأبدية، حزينًا على ما أصاب شعبه، متفكرًا في أحوال أمته. ويلوح لي أن الياس يبدو الآن هنا، “كأنه نائم”. ومهما تكن أوهامنا، بصيرة أو مبصرة، فإن غيابه كان كاويًا ومُرًّا. المصدر ضفة ثالثة