صلاح قيراطة
منذ أن بدأت النقاشات العالمية حول العدالة الانتقالية في تسعينيات القرن الماضي، عقب انهيار أنظمة استبدادية وحروب أهلية دامية، أصبح هذا المفهوم ركيزة أساسية في أي عملية تحول ديموقراطي. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد آلية قانونية لمعاقبة المرتكبين، بل هي منظومة متكاملة من الإجراءات التي تهدف إلى كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
جوهر العدالة الانتقالية يكمن في الموازنة بين العدالة والسلم الأهلي؛ فهي لا تقتصر على محاسبة الجناة، بل تضع الضحايا في قلب العملية، اعترافًا بمعاناتهم وضمانًا لحقوقهم، وهذا ما يجعلها خطوة حاسمة في بناء عقد اجتماعي جديد يقطع مع الماضي المؤلم ويفتح الباب أمام مستقبل مشترك.
ولتقريب الفكرة، سأعرض فيما يلي بعض تجارب الشعوب التي تبنت هذه الرؤية ونفذتها كوسيلة ضرورية لتحقيق الاستقرار، وذلك من جنوب إفريقيا إلى المغرب.
جنوب إفريقيا تُعد النموذج الأكثر شهرة في هذا المجال عبر “لجنة الحقيقة والمصالحة” بقيادة ديزموند توتو، التي وفرت منصة لضحايا نظام الفصل العنصري لسرد معاناتهم، مقابل عفو مشروط للجناة الذين اعترفوا بجرائمهم. هذا النموذج أبرز قيمة الحقيقة العلنية كشرط لتحقيق مصالحة وطنية.
في المغرب، شكّلت “هيئة الإنصاف والمصالحة” تجربة مختلفة، حيث ركزت على جبر الضرر المادي والمعنوي لضحايا “سنوات الرصاص”، مع تقديم توصيات لإصلاح المؤسسات الأمنية والقانونية. أما في أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وتشيلي، فقد اعتمدت العدالة الانتقالية على محاكمات واسعة لضباط الأنظمة العسكرية السابقة، معتبرة أن عدم المحاسبة يعني فتح الباب لانتهاكات مستقبلية.
هذه النماذج تؤكد أن العدالة الانتقالية ليست وصفة جاهزة، بل تجربة تُصاغ وفق خصوصية كل بلد، لكنها تشترك في أربع ركائز أساسية: الحقيقة – المساءلة – جبر الضرر – ضمان عدم التكرار.
وهنا لابد أن نتساءل: أين هي سوريا بعد تسعة أشهر من العهد الجديد؟
اليوم، وبعد مرور نحو تسعة أشهر على وصول العهد الجديد في سوريا، تبدو العدالة الانتقالية في قلب النقاش العام والسياسي. وهناك إدراك متزايد لدى السوريين، سواء من الضحايا أو من عموم المجتمع، أن الانتقال إلى مستقبل آمن يتطلب معالجة الماضي، لا طيه أو الهروب منه.
لكن حتى اللحظة، يمكن القول إن الخطوات المتخذة رمزية أكثر منها مؤسسية. فقد جرى الإعلان عن إطلاق سراح دفعات من المعتقلين، وبدأت بعض لجان تقصي الحقائق بالعمل، كما افتُتحت مكاتب لاستقبال شكاوى ذوي المفقودين. هذه خطوات مهمة لكنها لا تزال متواضعة أمام حجم التحديات، فلا توجد حتى الآن استراتيجية وطنية شاملة للعدالة الانتقالية، ولا هيئة مستقلة تُعنى بكشف الحقيقة أو جبر الضرر.
الأخطر أن بعض مؤسسات الدولة لم تُجر إصلاحات جوهرية بعد، مما يترك المخاوف قائمة من إعادة إنتاج المنظومة السابقة بأدوات جديدة.
ما المطلوب من الحكومة الانتقالية؟
إن نجاح سوريا في هذا الملف سيحدد إلى حد كبير استقرارها السياسي والاجتماعي في العقود المقبلة، ولذا يمكن اقتراح مجموعة من الخطوات العاجلة:
- تفعيل هيئة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية، على أن تضم ممثلين عن الضحايا، والمجتمع المدني، والحقوقيين، ومراقبين دوليين لضمان الشفافية.
- إطلاق برنامج وطني لكشف الحقيقة، يركز على جمع الشهادات، وتوثيق الانتهاكات، ونشر تقارير دورية للرأي العام.
- تعويض الضحايا وأسرهم، ماديًا ومعنويًا، عبر صندوق خاص يُمول من الموازنة العامة ومن دعم المجتمع الدولي.
- إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية، بما يشمل التدقيق في خلفيات القيادات لضمان عدم تورطها في الانتهاكات السابقة.
- دمج العدالة الانتقالية في المناهج التعليمية والإعلام الوطني، لترسيخ ثقافة عدم الإفلات من العقاب.
- الاستفادة من خبرات دولية من خلال شراكات مع منظمات مثل المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، لتفادي الأخطاء وتبني أفضل الممارسات.
وبناء عليه فإن على الحكومة الانتقالية أن تعلم أن تطبيق العدالة الانتقالية ليس ترفاً سياسياً، بل شرط وجودي لبقاء سوريا موحدة وقادرة على النهوض من ركام الاستبداد والحرب. وكل تأخر في معالجتها قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الثأر والانقسام. بعد تسعة أشهر من العهد الجديد، الفرصة لا تزال قائمة، لكن المطلوب إرادة سياسية شجاعة، وإشراك واسع للضحايا والمجتمع المدني.
فمن دون عدالة، لن تكون هناك مصالحة. ومن دون مصالحة، لن تكون هناك سوريا جديدة بحق.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+