رنا ممدوح.. مجلة الفراتس
لا آخذ على محمل الجدّ من يتطيّرون ويُشيعون التشاؤم بسبب علامةٍ أو حدثٍ معيّن. 13 مثل 12، كلاهما رقم. لربما أسخرُ من شقيقتي حين تنزعج من نعيق الغراب، وأُذكّرها بتناسق اللونين الأسود والرمادي في ريشه. وعندما تتهكم من تعطلٍ مفاجئٍ أو أشياءٍ غير متوقعةٍ، قائلةً: “اليوم قالب على تلات”، إشارةً لما هو متعارفٌ عليه من نحس يوم الثلاثاء. أبادلها السخرية: “ده التلات بتاع حمدين”. وهو وسمٌ أطلقه عددٌ من المصريين سنة 2014 لدعم مرشحٍ معارضٍ الرئاسةَ في مواجهة الرئيس الحالي.
هذا الأسبوع توجستُ، مثل كثيرين حول العالم، ثلاثاءً وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يكون الأكثر شؤماً في التاريخ، مهدداً أن تعود فيه إيران إلى العصر الحجري، وتستمرّ الحرب فوق رؤوس منطقتنا المنكوبة.
مازحتني شقيقتي: “التلات بتاع ترامب”، لكني لم أستطع مجاراتها. بدلاً من الضحك، حدّثتُها عن عتمة شوارع القاهرة، وعن خسارة زوجها عملَه الإضافي الذي كان يسند حياتهما، بعدما خفّت شحنات الوقود واشتدّ “تخفيف الأحمال”، كما تطلق الحكومة في مصر على إجراءاتها التقشفية. راهنَت هي على تراجع “الرئيس البرتقالي”، كما تسمّيه، عن وعيده. لم أجد في نفسي قدرةً على مجاراة تفاؤلها. وحتى حين صَدَقَت نبوءتها، واتصلت بي فجر الأربعاء لتخبرني بتعليق الحرب، لم أتنفس الصعداء ولم تساورني لحظة طمأنينةٍ، بل سيطر عليّ سؤالٌ عن وجهة الحرب المقبلة.
لم تتأخر الإجابة. وفي صباح الإعلان عن وقف الحرب المؤقت، شنّت إسرائيل سلسلة هجماتٍ على لبنان خلّفت مجازر جديدة. لو أردتُ وصف كلمة “القهر”، لكان هو الشعور الذي تملّكني. خسرتُ رهاني مع نفسي بألّا أُصدم بعد ما رأيته في غزة، لكن ها هي المرارة نفسها. لبنان يُقصف، ومئات الضحايا بين قتلى ومصابين، وعجزٌ عربيٌّ ودوليٌّ مفضوحٌ أمام إجرامٍ إسرائيليٍّ يسدّ عين الشمس.
وجدتُني أبدّل كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش في وصفه بيروت، بأنها “خيبتنا غير الوحيدة”، بدلاً من “نجمتنا الوحيدة”.
نبّهني زوجي أني بالغتُ في توبيخ شقيقتي، حين طلبتْ مني أن أتخفف من متابعة الأخبار وأن أنخرط في أيّ نشاطٍ يمنحني قدراً من الاسترخاء.
عندها تذكّرتُ إحدى جلسات الدعم النفسي التي حضرتُها مع صحفيين غطّوا حرب غزة من بلدانٍ مختلفة. كانت المعالِجة النفسية تحذّرنا مما سمّته “فرط اليقظة”، أو “الاستنزاف الصامت للجهاز العصبي”.
قالت بثقةِ من ينظر في المجهر “أجهزتكم العصبية تعمل بلا توقفٍ وتضعكم في حالة استجابةٍ دائمةٍ لمشاعر لا تملكون السيطرة عليها. والنتيجة: إرهاقٌ شديدٌ، خدرٌ في الجسد، تراجعٌ في التركيز، إنهاكٌ معرفيٌّ، أرقٌ، قلقٌ حادٌّ، وربما نوبات هلع…”.
كانت تتحدث، والجميع يومئ برأسه، معترفين بأن ما تصفه واقعٌ يعيشونه.
ما أعيشه، وربما نتشاركه، ليس بعيداً عمّا نقلته مطوّلات الفراتس هذا الأسبوع من رصد فرط اليقظة أيضاً، لكن لدى السلطة والحكّام لا الشعوب. فعبر خمس مطوّلاتٍ، اختبر كُتّاب مجلّتنا ردود فعل السلطة في المغرب تجاه الهويات الدينية الأخرى، وتهديد المعارضة وخصوم السياسة في السعودية والسودان ومصر، والحضور الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وحتى الأمطار والظواهر الطبيعية في المغرب، وما يتبع ذلك من سياساتٍ هجوميةٍ تقوم على فرض الهيمنة المطلقة.
في مطوّلتنا الأولى هذا الأسبوع عن “المسيحية في المغرب تحت قيود الدولة”، أضاء الإعلامي المغربي مهدي حبشي حالة الاستنفار التي تعيشها المغرب وشعورها بتهديد هويتها وشرعيتها السياسية المتمثلة في “إمارة المؤمنين ووحدة المذهب المالكي”، إذا ما سُمح للمغاربة باعتناق المسيحية أو التشيّع أو غيرهما.
يرصد حبشي مظاهر توجّس المغرب وسياساته المتضاربة تجاه كفالة حرية اعتناق المسيحية، وطريقته في حماية “الأمن الروحي”، إذ يتيح حرية ممارسة الديانة المسيحية للجاليات الأجنبية ويمنعها عن المغاربة في الوقت نفسه، خوفاً من تمزّق الذاكرة الدينية الموحّدة.
يُعلى من شأن حرية العقيدة ما دام الأمر يتعلق بالإسلام واليهودية فقط. أما المسيحية، فتمنع القوانين المغربية التحوّل العلني من الإسلام إليها، وتُصدّ أبواب الكنائس في وجوه المغاربة.
يلخّص حبشي واقع المسيحية في المغرب في ثلاثة تصوراتٍ تتعامل معها الدولة بمنظوراتٍ متباينة: أولها تراثٌ مسيحيٌّ قديمٌ ما يزال حاضراً اجتماعياً، يتجلّى في وشوم الجدّات التي تشبه الصليب، وطقوس إشعال الشموع في الأضرحة، والاحتفال الشعبي برأس السنة الميلادية. والثاني مسيحيةٌ مرخّصةٌ للجاليات الأجنبية والسفارات والسيّاح، تُمارَس علناً وتُقدَّم فيها الكنيسة مؤسسةً دبلوماسيةً ضمن صورة التسامح الموجّهة للخارج. والثالث مسيحية المواطنين المغاربة، التي تُهمَّش وتُرى اجتماعياً خروجاً عن الجماعة ومساساً بقاعدة الهوية الدينية للدولة.
يرى حبشي أن السلطة المغربية لا تحارب الديانة المسيحية، لكنها تعاني من صدمةٍ تاريخيةٍ وتخوفٍ أمنيٍّ وسياسيٍّ من “مسيحية المغاربة” لأنها تستدعي ذاكرة الحروب الصليبية والاستعمارين الفرنسي والإسباني، وحملات التبشير في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فضلاً عن تهديدِها احتكارَ السلطةِ الهويةَ الدينيةَ التي تُبنى عليها شرعية السلطة.
ومما تراه السلطة في المغرب تهديداً لأمنها الروحي، إلى القتل التعزيري في السعودية الذي لم يكن في جوهره حكما دينياً لحماية العقيدة، بل آليةً دفاعيةً ابتكرتها بعض السلطات العربية لتبرير قلقها الوجودي على “المصلحة العامة” وتسويغ قتل الخصوم والمعارضين السياسيين.
في مطوّلته “أصول القتل التعزيري المملوكية”، طاف الباحث عمر عبد الغفار — طالب الدكتوراه في جامعة هارفارد والمتخصص في تاريخ القانون في العصور الوسطى — عبر كتب الفقه والدراسات التاريخية ليفسر كيف كيّفت المملكة إعدام 356 شخصاً في سنة 2025 وحدها، غالبيتهم لم تندرج قضاياهم تحت بند الحدود أو القصاص.
أوضح عبد الغفار أن التوسع في أحكام “التعزير” تزامن مع تحولاتٍ سياسيةٍ كبرى، خاصةً مع صعود أنظمةٍ كالسلاجقة والمماليك التي استندت شرعيتها إلى القوة العسكرية، لا إلى “البيعة” أو النسب الهاشمي. هذا النقص في الشرعية التقليدية جعل السلطة في حالة استنفارٍ دائمٍ تجاه أيّ حراكٍ فكريٍّ أو دينيٍّ، فاحتاجت إلى سلطةٍ تقديريةٍ واسعةٍ لترسيخ حكمها.
السلطة المأزومة لا تحتمل القيود الإجرائية الصارمة، لذلك تخوّفت من أحكام “الحدود والقصاص” التي تتطلب أدلةً قطعيةً واتجهت إلى استغلال “التعزير”، وهو عقوبةٌ تقديريةٌ بلا نصوصٍ صريحةٍ، وحوّلته من أداةٍ تأديبيةٍ إلى وسيلة ردعٍ مفرطٍ أو تصفيةٍ سياسية. وبسبب يقظتها، أسقطت شروط البيّنة القاطعة، ما مكّنها من العقاب بقتل من تحوم حوله مجرد “شبهة”.
واستخدمت السلطة، خاصةً في المذهب المالكي، مفهوم “المصالح المرسلة” أداةً مرنةً بِاسم “المصلحة العامة” و”درء الفتنة” و”منع الفساد في الأرض” لتسويغ قتل الخصوم. في العصر المملوكي، أُحيل مفكرون وفلاسفةٌ وصوفيةٌ (مثل أحمد بن الثقفي وعثمان الدكاكي) إلى قضاةٍ حكموا بتعزيرهم. وأُعدموا بتهمٍ فضفاضةٍ، مثل الزندقة والبدعة، لضبط المجال العام تحت غطاءٍ شرعيٍّ وردع أيّ انشقاقٍ محتمل.
انتقل هذا الاستنفار الأمني عبر القوانين العثمانية، خاصةً “قانون الجزاء الهمايوني”، ليستقرّ في القوانين العربية المعاصرة. واليوم تعيش بعض الأنظمة العربية الحالة نفسها، لكن بمسمياتٍ حديثةٍ بدلاً من “الزندقة” و”البدعة”. فبرزت تهمٌ، مثل “الإرهاب” و”الخيانة العظمى” و”الإضرار بالمصلحة القومية”.
في السعودية، يُعدم معارضون وصحفيون — مثل تركي الجاسر — تعزيراً لمجرد اشتباهٍ في إدارة حسابٍ ناقدٍ على منصة “إكس”. وتُستخدم ذريعة “الإفساد في الأرض” لقتل مروّجي المخدرات.
وفي السودان ومصر، تُسنّ قوانين لتوسيع دائرة الإعدام لتشمل جرائم التخابر والإضرار بأمن الدولة، لتصفية الخصوم السياسيين بحجة حماية المجتمع. أما المغرب التي تحررت منظومتها القانونية من عقوبة الإعدام منذ سنة ،1993 فحدّد عبد الغفار سبب نجاتها من هذا الإرث في عدم خضوعها تاريخياً لحكم المماليك والعثمانيين.
في مطوّلتنا الثالثة “رحلة في الجليل قبل النكبة”، رصد الصحفي والمترجم اللبناني عماد الدين رائف مظاهر فرط يقظةٍ مركّب. فمن جهةٍ، هناك إمبراطوريةٌ روسيةٌ تستنفر لجمع المعلومات لضمان نفوذها عبر “الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية” التي أنشأتها روسيا أداةً ناعمةً لتوسّع نفوذها في المشرق. وكان معلّموها يجوبون القرى والمدن ويدوّنون مشاهداتهم عن السكان والعادات والجغرافيا. ومن جهةٍ أخرى، ثمّة احتلالٌ إسرائيليٌّ مأزومٌ يراقب التاريخ ويدمّره بعنفٍ لمحو الحقيقة. وبينهما ذاكرةٌ فلسطينيةٌ في حالة استنفارٍ دائمٍ للتمسك بأيّ أرشيفٍ يثبت وجودها وينقذها من النسيان.
كان المعلّم الروسي ألكسندر ياكوبوفيتش قد خدم في الجمعية الروسية في فلسطين بين سنتي 1882 و1914، ودرّس في دار المعلمين في الناصرة. وقد وصف في كتابه “جولات في فلسطين مع طلاب معهد الناصرة الداخلي للبنين” ملامح الجليل كما بدت له، قبل أن تقابلها صورة جغرافيا متشظيةٍ تشكّلت بعد سنة 1948.
عدّد رائف مظاهر الخوف الإسرائيلي من “أصحاب الأرض الأصليين” برصده تدمير القرى التي مرّ بها المعلّم الروسي، وتغيير أسمائها لتثبيت رواية “أرض بلا شعب”. هُدمت قرية “زرعين” وأُنشئت على أنقاضها مستعمرة “يزراعيل”. ودُمرت قرية “نين” وشُرّد أهلها. واحتُلّت قرية “عين دور” وتُركت جدرانها شاهدةً مع استغلال أراضيها. ومدينة “صفد” طالها التطهير العرقي والتغيير السكاني الشامل، وحُوّلت مساجدها إلى حظائر. ومُسحت قرية “صفورية”، وحُوّلت إلى متنزهٍ قوميٍّ إسرائيليٍّ يحمل اسم “تسيبوري”.
عرّج رائف على استنفار الإمبراطورية الروسية الجيوسياسي. فقد تأسست الجمعية مدفوعةً بتوجّس القيصر ألكسندر الثالث من تمدد النفوذ الكاثوليكي والبروتستانتي في الشرق (فلسطين وسوريا العثمانيتين). وتحت غطاء الرحلات التعليمية، كان ياكوبوفيتش يمسح الجغرافيا ويراقب السكان ويفحص القرى، ويسجل أحوال الفلاحين ونظام الإقطاع، ويوثق بدقةٍ تفاصيل الوجود المسيحي واليهودي والإسلامي في مدنٍ مثل صفد، ويلتقي بالجنود العثمانيين والشراكسة لتقييم ولاءاتهم وتأثيرهم.
المشاهدات الاستشراقية المدفوعة بأهدافٍ إمبراطوريةٍ قابلها توجسٌ وجوديٌّ ودفاعيٌّ عند الفلسطينيين لحماية هويتهم من الانقراض. وذلك بالبحث الدائم في زوايا الأرشيف العالمي للإمساك بأيّ دليلٍ لإثبات حضور الفلسطيني في أرضه، ليس غريباً أو عابراً، بل فلاحاً وتاجراً وقسيساً وصاحب حقّ.
تذكرةٌ بأنّ الجليل لم يكن أرضاً خاليةً أو برّيةً غير مأهولةٍ، بل وطناً ممتد الجذور في عمق التاريخ تتنفس قُراه وأنهاره حياةً يوميةً دافئةً، قبل أن يبتلعها تشظّي الجغرافيا وتعبث بها رياح النكبة، فتُشرِّد سكانها وتمحو كثيراً من أسمائها العربية.
وفي المغرب مرةً أخرى، أخذنا الصحفي رشيد البلغيتي في مطوّلته “مدينة فوق الماء” إلى جولةٍ في مدينة القصر الكبير شمال المملكة حيث التوجس والاستنفار الدائم من خطر الطبيعة. هناك ظلّ الماء مؤرِّخاً خفيّاً للمدينة، يترك أثره في الجدران والذاكرة. استقرت الحاضرة في حوضٍ خصيبٍ، حيث ينحني وادي اللوكوس قبل أن يواصل مسيره نحو مصبّه في المحيط الأطلسي. غير أن هذا السهل قد يتحوّل إلى حضنٍ يكتنز رجفةً موسمية. فالمدينة التي ازدهرت بالزرع والتجارة كانت تدرك منذ نشأتها أن الماء الذي يمنحها الحياة قادرٌ، في لحظة فيضٍ، أن يجرّدها من مظاهر مَنَعَتِها ويحوّل ضفة النهر إلى ضفة قهر.
في القصر الكبير، خلّف فيضان شتاء 1963 قتلى وآلاف المشردين. من شدة وقع هذه الكارثة، صار الناس يؤرخون حياتهم “قبل فيضان 63 وبعده”. الصدمة ولّدت يقظةً جماعيةً، إذ أصبح النهر تهديداً كامناً يختبر وجود المدينة مع كلّ موسم أمطار.
بعد الاستقلال، وجدت الحكومة في الوادي “تحدياً وطنياً” وخطراً داهماً يجب القضاء عليه. أُنشئت السدود الكبرى مثل سدّ وادي المخازن سنة 1979 لإخضاع النهر وترويضه.
غير أن التقدّم التقني وبناء السدود أوحى بإمكانية إخضاع النهر نهائياً. وعلى هذا الوهم، توسّع العمران وشُيّدت أحياءٌ كاملةٌ في مناطق عرفتها الذاكرة المحلية مجالاً للفيضان. وهكذا لم يُنقض العهد مع الوادي بقرارٍ معلَنٍ، بل تآكل بصمتٍ تحت ضغط الحاجة إلى السكن ومغريات التوسع الحضري. لذلك، كلما جاء عامٌ مطيرٌ وارتفع منسوب اللوكوس، مثل ما حدث في شتاء 2026، طفا على الماء تاريخٌ طويلٌ من صدمات الغرق
في مطوّلتنا الأخيرة هذا الأسبوع، تخبرنا الصحفية هبة ياسين عن “الحكواتي”، سواءً في نسخته التقليدية أو الرقمية، بوصفه أداةً دفاعيةً يستعين بها المجتمع لحماية نفسه من التهديدات الوجودية والنفسية.
تخبرنا هبة كيف استخدم الحكواتي “التورية والاستعارة” آليةً دفاعيةً، ووفّر مساحةً للتعبير الرمزي للاقتراب من موضوعاتٍ حساسةٍ ومحرمةٍ مثل السياسة والدين والجنس، ما مكّن الرواة من تمرير أفكارٍ نقديةٍ بطريقةٍ يتقبّلها المجتمع أو السلطة دون الصدام المباشر معهما. الحكواتي هنا هو عقل المجتمع الباطن الذي يراقب السلطة بحذرٍ وينتقدها من خلف أقنعة الأبطال الشعبيين.
فتارةً يسرد فصولاً من السيرة النبوية، وأخرى يستعيد سِيَر الأبطال الشعبيين مثل عنترة بن شداد والظاهر بيبرس وأبي زيد الهلالي. كلّ حكايةٍ تفتح نافذةً على الماضي، وتمتّع السامعين ترفيهاً وتسليةً، وتنقل إلى الجيل الجديد حكايات التراث في أجواءٍ من التشويق والدهشة.
قديماً كان الحكواتي ناقلاً القصةَ ومفسّراً الواقعَ، يمنح الناس طريقةً لفهم العالم من حولهم وينقل إليهم الأخبار في قالبٍ حكائي. واليوم يؤدي بعض صناع المحتوى في الفضاء الرقمي وظيفةً مشابهةً، بتبسيط الحكايات والأحداث وتقديم المعلومات بأسلوبٍ قصصيٍّ يصل إلى جمهورٍ واسعٍ، ليظلّ الحكواتي بأيّ شكلٍ أو منصةٍ وسيطاً بين الحدث وفهمه.
تطوّر الوسائط وتبدّل المنصات لم يُفقد الحكاية جوهرها. وطالما ظلّ الإنسان يبحث عن معنىً لما يحدث حوله، ستبقى الحكاية حاضرة.
ربما لن ننجو من فرط اليقظة بنصيحةٍ عابرةٍ، ما دامت الحرب واستمرّ صراخ الضحايا. لكن، ومع الاستنفار الدائم، تظلّ الحكاية أداةَ نجاة. نحكي لنفهم ونقاوم ونمنح الفوضى معنى. وربما في قدرتنا على السرد فرصتنا الوحيدة لاستعادة شيءٍ من الاتزان، أو على الأقل لالتقاط أنفاسنا قبل “ثلاثاءٍ” جديد.