ترجمة: لطفية الدليمي
يتوجّبُ على الأميركيين أن يقاتلوا دفاعًا عن الحرية الأكاديمية، وبغير هذا فإنهم يخاطرون بخسارة ما يجعل أمتنا الأميركية عظيمة. قد يبدو مفهوم الحرية الأكاديمية اليوم أقرب للبداهة الناجزة للأميركيين؛ لكن جذور الحرية الأكاديمية – التي تعود إلى جامعات أوروبا في العصور الوسطى- لم تكن مؤكدة قطّ. في ذلك الوقت، عندما طالب العلماء بالاستقلالية عن الكنيسة والدولة، كانوا غالبًا ما يُوبَّخون – أو ربما يكونون عُرضة لما هو أسوأ من التوبيخ.
ما بدأ كفتيل اشتعال بطيء قاد في النهاية إلى انبعاث مفهوم جامعة البحث Research University الحديثة بعد بضعة قرون، وهذا بالضبط هو ما نجده في كتابات الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون Francis Bacon وروايته “أتلانتس الجديدة The New Atlantis” عام 1627. في تلك الرواية تصوّر بيكون كليةً تُسمّى “بيت سالومون Salomon’s House”، حيث يعمل العلماء وغيرهم في جوّ من الكرم وحرية التفكير. عُرفَتْ هذه الكلية بأنها “أسمى مؤسسة (كما نعتقد) وُجِدَت على الأرض، ومصباح هذه المملكة”، كما وصفها حاكم يوتوبيا بيكون الخيالية “أنها مصمّمةٌ لتختصّ بدراسة أعمال الله ومخلوقاته”.
أبحر اثنا عشر من الزملاء المقيمين، الذين يُطلق عليهم اسم “تجار النور Merchants of Light”، إلى دول أجنبية ليجلبوا معهم كتبًا ومعارف من بلدان أخرى. ابتكر العديد منهم تجارب في كلٍّ من “الفنون الميكانيكية” و”العلوم الليبرالية”، ما أدّى في النهاية إلى ابتكار تقنيات مثل المجاهر (المايكروسكوبات) وأجهزة السمع. ازدهر الاختراع في ظل روح من الخيال والبحث غير المقيّد. كان بيكون رائدًا لعصر التنوير.
بعد قرون من التقدّم الفكري يواجه الأميركيون سؤالًا مُريعًا وخطيرًا: هل نحنُ اليوم في انحدار من النور إلى الظلمة؟
منذ 22 أبريل/ نيسان 2025، وقّع ما يزيدُ عن 500 من قادة الكليات والجامعات والجمعيات العلمية الأميركية بيانًا احتجاجيًا على التدخّل غير المسبوق لإدارة دونالد ترامب في التعليم العالي، وهو تدخّلٌ طاول الإشراف الخارجي على معايير القبول، وتوظيف أعضاء هيئة التدريس، والاعتماد، والهيمنة الأيديولوجية، وفي بعض الحالات طاول حتّى المناهج الدراسية. وكما جاء في البيان فإنّ “التعليم العالي في أميركا منفتحٌ على الإصلاح البنّاء. ومع ذلك، يجب علينا معارضة التدخل الحكومي غير المسوّغ في حياة من يتعلمون ويعيشون ويعملون في جامعاتنا”.
“وقّع ما يزيدُ عن 500 من قادة الكليات والجامعات والجمعيات العلمية الأميركية بيانًا احتجاجيًا على التدخّل غير المسبوق لإدارة ترامب في التعليم العالي”
كان الطلاب الدوليون من بين أوائل المستهدفين بشكل خاص من قِبَل الإدارة الأميركية. في جامعتي حيث أعمل منذ سنوات عديدة، معهد ماساتشوستس للتقنية MIT، أُلغيت تأشيراتُ تسعة أعضاء على الأقلّ من مجتمعنا – طلاب وخريجون جدد وباحثون في مرحلة ما بعد الدكتوراه-، وسُحِبَت منهم تأشيراتهم وأوراق هجرتهم بشكل مفاجئ. أرسلت رئيسة معهد ماساتشوستس للتقنية، سالي كورنبلوث Sally Kornbluth، مؤخرًا رسالة إلى مجتمعنا الأكاديمي، ورد فيها:
“للوفاء بمهمتنا العظيمة، يسعى معهد ماساتشوستس للتقنية جاهدًا إلى تحقيق أعلى معايير التميّز الفكري والإبداعي. وهذا يعني أننا نعمل، ويجب أن نعمل، وبشكل استثنائي، على جذب ودعم الموهوبين ممّن يمتلكون الدافع والمهارة والجرأة لرؤية واكتشاف وابتكار ما لا يستطيع غيرُنا تحقيقه. وللعثور على هؤلاء الموهوبين نحنُ نفتح أبوابنا للمواهب من جميع أنحاء الولايات المتحدة ومن جميع أنحاء العالم”.
في الماضي مثّل معهد ماساتشوستس للتقنية والعديد من مؤسسات التعليم العالي الأخرى لأميركا ما مثّله “تجّار النور” بالنسبة لبيكون.
ثمّة خليطٌ من الفوائد الملموسة وغير الملموسة ينتجُ عن الحرية الأكاديمية.
أولًا، الفوائد الملموسة. يجب أن ينزعج عالَم الأعمال من التشويش المقترح لأعظم محرّك للإختراع والابتكار والإزدهار الإقتصادي في أمتنا. على سبيل المثال لا الحصر: تم تطوير الإنترنت في شبكة تدعى أربانت ARPANET من قبل باحثين في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس وجامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية تحت إشراف وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة DARPA في أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.
هاكُمْ أمثلة أخرى:
تم تطوير المفاهيم والمواد الرئيسية لبطاريات الليثيوم أيون في جامعة تكساس وجامعة أكسفورد.
تم تطوير أول قلب اصطناعي من قبل روبرت جارفيك وزملائه في جامعة يوتا.
نشأت غوغل كمشروع بحثي شرع فيه لاري بيج وسيرجي برين في جامعة ستانفورد.
جاءت معالجة اللغة الطبيعية والشبكات العصبية والتعلم العميق – جميعها أجزاء أساسية من الذكاء الإصطناعي – من الأبحاث في معهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة ستانفورد وجامعة كارنيغي ميلون وجامعة تورنتو.
قامت جينيفر دودنا في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، بعمل جوهري في مجال تعديل الجينات باستخدام تقنية كريسبر Crisper (حصلت على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020 عن هذا العمل).
العديدُ من الإختراعات التقنية الأخرى، وإن لم تُنتج مباشرةً في جامعاتنا الأميركية، تمّت رعايتُها بفضل التدريب والمعرفة المكتسبة فيها: أجهزة الحاسوب، واللقاحات، والهواتف الذكية، ومنصّات التواصل الإجتماعي، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وتخليق الأنسولين البشري، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، والليزر.
في الماضي مثّل معهد ماساتشوستس للتقنية والعديد من مؤسسات التعليم العالي الأخرى لأميركا ما مثّله “تجّار النور” بالنسبة لبيكون
بالطبع أتاحت الحرية الفكرية والإبداعية في أميركا إنتاجية هائلة تتجاوز بكثير حدود العلم والتقنية. من الأمثلة على ذلك ويليام جيمس في الفلسفة وعلم النفس، وتوني موريسون في الأدب، ونوعم تشومسكي في اللغويات والعلوم المعرفية، وحنه أرندت في النظرية السياسية، ومارثا نوسباوم في القانون والأخلاق، ومارغريت ميد في الأنثروبولوجيا، ودبليو إي. بي. دوبوا في علم الإجتماع، وجون رولز في الفلسفة السياسية، وسوزان سونتاغ في النقد الثقافي، وجون ديوي في الفلسفة والتعليم، والكثير سواهم.
ساهمت بلادنا – وهي دولة حديثة العهد نسبيًا؛ لكنها دولة نشأ فيها الشغف بالحرية منذ الثورة الأميركية عام 1775- في بناء العالم الحديث، وساعدت البشر على بلوغ أقصى قدراتهم وإبداعهم. الحرية الأكاديمية هي ما جعل أميركا عظيمة. على النقيض من ذلك، قُمِع الابتكار في الدول الاستبدادية بقبضة خانقة على الحرية الأكاديمية. في الصين، وعلى الرغم من الاستثمارات الكبيرة في البحث والتعليم العالي، تُعدُّ موضوعاتٌ مثل الإصلاح السياسي، وتجمّع تيانانمين، وحقوق الإنسان، من المحرّمات المحظورة. حدّت هذه القيود من البحث المفتوح في العلوم الاجتماعية والإنسانية. في إيران، أضعفت القيود المفروضة على دراسات النوع الإجتماعي والنقد الديني وحرية الإنترنت مؤسساتها الأكاديمية وعرقلت التعاون الدولي. وفي روسيا تسبّب قمع الحرية الأكاديمية منذ عام 2010 في رحيل العديد من المفكرين والعلماء المستقلين ممّا أضعف الابتكار وقوّض نقد السياسات الحكومية. كثيرًا ما يغادر الأكاديميون والباحثون الموهوبون إلى بلدان تتمتع بحرية أكبر، آخذين معهم خبراتهم وإمكانياتهم الابتكارية، كما يتضح مؤخرًا من الرحيل العلني للأستاذ جيسون ستانلي Jason Stanley من جامعة ييل، والذي غادر الولايات المتحدة إلى كندا.
“التعليم العالي في أميركا منفتحٌ على الإصلاح البنّاء. ومع ذلك، يجب علينا معارضة التدخل الحكومي غير المسوّغ في حياة من يتعلمون ويعيشون ويعملون في جامعاتنا”
حيث تُرفع القيود تتفتح الأزهار
كانت كوريا الجنوبية ديكتاتورية عسكرية حتى ثمانينيات القرن الماضي، ثم أصبحت ديمقراطية. في الحقبة الاستبدادية كانت الجامعات الكورية الجنوبية خاضعة لرقابة مشددة ترافقت مع حملات قمع للاحتجاجات الطلابية ورقابة على المناهج الدراسية. بعد إزالة هذه القيود سرعان ما أصبحت كوريا الجنوبية رائدة عالمية في مجال التقنية والابتكار، وموطنًا لشركات مثل سامسونغ وإل جي. وانتقلت تايوان من الأحكام العرفية في عهد الكومينتانغ إلى ديمقراطية ليبرالية في التسعينيات من القرن الماضي. توسّعت العلوم الإنسانية والاجتماعية التي كانت مقيدة سابقًا بأيديولوجيا مناهضة للشيوعية، بشكل كبير. طوّرت تايوان اقتصادًا معرفيًا قويًا فضلًا عن جامعات تنافسية وصناعات مزدهرة في مجال التقنية الحيوية والإلكترونيات. اليوم، وعلى وجه التخصيص، تُعدُّ تايوان موطنًا لأكبر مصنع لأشباه الموصلات في العالم، وهو شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات TSMC.
*****
ما هي الحرية الأكاديمية بالتحديد؟ إنها حرية التعبير عن الأفكار ومناقشتها بدون خوف من الرقابة أو مواجهة الانتقام. إنها حرية الاستكشاف. إنها حرية إطلاق العنان للخيال. إنها حرية تبادل المعرفة مع الزملاء وغيرهم. إنها حرية التشكيك في السلطة والحكمة الموروثة. إنها حرية اختبار الأفكار بالتجربة ورفض الأفكار التي تفشل. إنها حرية الصدق حتى لو تحدّى هذا الصدق الآراء السائدة. إنها حرية أن يكون المرء على حقيقته.
الحرية الأكاديمية هي أوكسجين التعليم العالي وشمسُهُ؛ فالأشياء النامية تحتاج إلى كليهما. أليست الكليات والجامعات حضانات لأعضاء هيئة التدريس والطلاب ومجتمعهم المحيط؟ نحن بحاجة إلى الهواء. غريزيًا، نسعى إلى الضوء، تمامًا كما تُغيّرُ بعض النباتات نمط نموها لتحصل على كمّية أوفر من ضوء الشمس اللازم للنمو. يُطلقُ على هذه الظاهرة اسم “التوجه الضوئي Phototropism”. في الواقع تتبع بتلات أزهار الشمس حركة الشمس طوال اليوم، مُغيرةً اتجاهها لتشير نحو الشمس.
خدمتُ في هيئات تدريس عدة جامعات في أميركا، وزرتُ مائة جامعة أخرى. شعرتُ بالأمان الفكري في جميعها؛ بل وأكثر من ذلك شعرتُ بالتشجيع للتعبير عن نفسي وللاستماع الحر والنقاش والتساؤل. إنّ روح الحرية الأكاديمية خفية مثل الهواء، تشعرها ولا تراها. إنها نوعٌ من التحرّر، انتعاش الروح، غذاء العقل. إنه استمتاعٌ بالنور.
الحرية الأكاديمية هي أعظم درس نقدمه إلى طلّابنا. شبابنا يصنعون المستقبل. هل نريدهم أن يخافوا من التعبير عن أفكارهم؟ هل نريدهم أن يخافوا من الاستكشاف والابتكار وتحدّي الوضع الراهن؟ هل نريدهم أن يخافوا من أن يكونوا على سجيتهم؟
نحن نقدّمُ إلى شبابنا وطلابنا أمثلةً أخلاقيةً وفكريةً. هل نريدهم أن يرونا نقيّدُ ما نُدرّسه بسبب قواعد تفرضها سلطة خارجية؟ هل نريدهم أن يرونا ونحنُ نتقصّدُ عامدين إخفاء أدلةٍ تُشكك في وجهة نظر سائدة بسبب الخوف وحده لا لسبب آخر؟ هل نريدهم أن يرونا نرفض قبول طلاب مؤهّلين آخرين بسبب نظام الحصص المحدّدة أو الإختبارات الأيديولوجية أو صلاحية بلد المنشأ؟ هل نريدهم أن يرونا نلتزم بأوامر خارجية تُقوّض قيمنا؟ هل نريدهم أن يرونا نُعطي الأولوية لسلطة المال قبل كل شيء آخر؟ هل نريدهم أن يرونا جبناء نفتقر إلى الشجاعة للدفاع عن قيمنا وقناعاتنا؟
قد يحدث نكوصٌ مخيف لمنسوب الحرية الأكاديمية في أميركا، بل الحرية بجميع أنواعها، تدريجيًا، شيئًا فشيئًا. أولًا مع هيمنة المال والأثرياء، ثم مع الهجمات على حرية الصحافة، والسيطرة على المعلومات، وإضعاف الضوابط والتوازنات، وقمع المعارضة، ومراقبة السكان، وأخيرًا تطبيع القمع. في رواية جورج أورويل “1984”، يحكم دولة عظمى تُدعى أوشينيا ديكتاتورٌ يُدعى الأخ الأكبر، مدعومًا بعبادة شخصيته وشرطة الفكر. بطل الرواية، وينستون سميث، يعمل في وزارة الحقيقة؛ لكنه يكره النظام الحاكم سرًا. ينضمّ إلى ما يظنّهُ جماعة مقاومة، لكن يتضح أنها جزء من جهاز الدولة. يُعتقَلُ سميث ويخضع لشهور من غسيل الدماغ. في النهاية يُطلقُ سراحُهُ بعد أن يؤمن بوجوب محبّة الأخ الأكبر في النهاية. هذا ما يحدث عندما يحلُّ الظلام محل النور، وعندما تُسحَقُ حريةُ التفكير والحلم والابتكار. لا يمكننا أن نسمح بحدوث ذلك لنا في أميركا.
(*) آلان لايتمان Alan Lightman: كاتب وأستاذ في كل من قسمي الفيزياء والإنسانيات في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT. ألّف العديد من الكتب والروايات آخرها كتابه المنشور عام 2023 بعنوان “العقل المتسامي: الروحانية في عصر العلم”:
The Transcendent Brain: Spirituality in the Age of Science
– الموضوع المترجم أعلاه منشور في مجلّة Atlantic الأميركية بتاريخ 30 أبريل/ نيسان 2025. العنوان الأصلي للموضوع باللغة الإنكليزية هو:
The Dark Ages Are Back
المترجم: لطفية الدليمي…
المصدر ضفة ثالثة