كيف تشكل سوريا والعراق وتركيا ركيزة استراتيجية أساسية لتحقيق استقرار دائم في المنطقة؟

- صحيفة الثورة السورية
الثورة السورية – راغب العطيه
أكد المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس باراك، أن سوريا والعراق وتركيا تشكل ركيزة استراتيجية أساسية لتحقيق استقرار دائم في منطقة الشرق الأوسط، لافتا إلى أن تحقيق التوازن بين الدول الثلاث يتطلب وجود نقطة اتصال أميركية واحدة وثابتة، قادرة على تجاوز الخلافات القبلية والدينية والطائفية، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار الإقليمي وتعزيز المصالح المشتركة.
وأوضح باراك، في منشور على حسابه في منصة “إكس” الاثنين الماضي 1 حزيران، أن المهمة التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهدف إلى مساعدة دول المنطقة على توحيد جهودها نحو تحقيق الازدهار المشترك، عبر دمج التباينات القائمة ضمن إطار متماسك من النظام والتعاون، مؤكدا أن سوريا والعراق وتركيا تشكل محورا جيوسياسيا رئيسيا، وأن أي مقاربة ناجحة لاستقرار الشرق الأوسط ينبغي أن تنطلق من تعزيز التنسيق والتكامل بين هذه الدول.
وعين ترامب، الأحد الماضي، باراك مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا والعراق، إلى جانب مهامه سفيرا للولايات المتحدة لدى تركيا، بعد يوم واحد على انتهاء مهمته مبعوثا أميركيا إلى سوريا، وذلك في خطوة تستهدف تعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي البلدين، واستمرار نمو العلاقات معهما، بحسب ترامب نفسه.
وأشار ترامب، في منشور على “تروث سوشال”، إلى أن باراك سيواصل أداء مهامه بدعم كامل من وزارة الخارجية الأميركية، مشيدا بخبرته وعلاقاته الواسعة ودوره في تنفيذ توجهات الإدارة الأميركية في المنطقة.
بدوره، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في تصريح له حول تعيين باراك بمهمته المزدوجة، إن باراك سيواصل الاضطلاع بدور قيادي في ملفات سوريا والعراق، مؤكدا أن خبرته وفهمه لسياسات إدارة ترامب سيشكلان رصيدا مهما في المرحلة المقبلة.
تحول جذري في المقاربة الأميركية تجاه المشرق العربي
وتحتل منطقة الشرق الأوسط مكانة استراتيجية بارزة في الحسابات الأميركية بسبب موقعها الجغرافي، واحتياطاتها الضخمة من الطاقة، ودورها المحوري في القضايا الأمنية والاقتصادية العالمية، كما تعد هذه المنطقة مركزا للعديد من المصالح الحيوية للولايات المتحدة، بما في ذلك تأمين مصادر الطاقة، ومكافحة الإرهاب الدولي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على مكانتها الدولية.
وتلعب علاقات واشنطن مع دول هذه المنطقة المهمة من العالم دورا حاسما في التأثير على السياسة الأميركية تجاه القضايا الدولية الكبرى، وفي رسم الاستراتيجيات على الساحة العالمية.
وفي وسط الجدل الدائر في الأوساط السياسية الأميركية، منذ إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما “2009 – 2017″، حول التراجع النسبي لأولوية الشرق الأوسط على أجندة السياسة الخارجية الأميركية، وتركيز الولايات المتحدة على منطقة الإندوباسيفيك، برزت التطورات اللاحقة التي تدلل على عودة الاهتمام الأميركي بالمنطقة لأهميتها الفائقة في الدور العالمي الأميركي في هذه المرحلة الانتقالية من تطور النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، يقول الكاتب السياسي محمد ياسين نجار إن تصريح المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، والسفير لدى تركيا، توماس باراك، يعكس تحولا جذريا في المقاربة الأميركية تجاه المشرق واستراتيجيتها للمرحلة القادمة، عندما اعتبر أن الدول الثلاث تشكل الركيزة الاستراتيجية الأساسية لتحقيق الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط، مؤكدا أن هذا الإعلان لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل يتزامن مع تحركات حثيثة من قبل واشنطن لبناء ملامح “نظام عالمي جديد” يعتمد على الصفقات الجيواقتصادية، مما يستدعي قراءة تحليلية عميقة تنطلق من حقائق الجغرافيا السياسية لتفكيك هذه الرؤية وتوظيفها.
ربط المثلث المشرقي بشبكة مصالح اقتصادية ضخمة
وأضاف نجار، في تصريحات لصحيفة “الثورة السورية”، أنه لا يمكن قراءة أهمية هذا المثلث الجيوسياسي، سوريا والعراق وتركيا، بمعزل عن نظرية “الريملاند” “Rimland”، أو ما يعرف بـ”الهامش الأوراسي”، فهذه الدول الثلاث تشكل الطوق الساحلي والبري الأخطر والأهم الذي يحيط بقلب العالم، مشيرا إلى أنه في المنظور الاستراتيجي لبناء النظام العالمي الجديد، تدرك واشنطن، بصفتها القوة البحرية العظمى، القاعدة الذهبية للمفكر الأميركي نيكولاس سبيكمان، والتي تنص على أن “من يسيطر على الريملاند يحكم أوراسيا”.
وبناء على ذلك، يمثل المثلث السوري – التركي – العراقي نقطة التقاء القارات والممر البري والبحري الإلزامي للطاقة والتجارة العالمية “Choke Points”. فالنظام العالمي الجديد يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى تأمين هذا الطوق الاستراتيجي لمنع تمدد قوى القارة الأوراسية، كروسيا والصين عبر طريق الحرير، نحو المياه الدافئة في البحر المتوسط والخليج العربي.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب السياسي إن الإدارة الأميركية الجديدة تدرك أن سياسة “إدارة الفوضى” التي اتبعت في العقود الماضية قد استنفدت أهدافها تماما، فالحفاظ على الهيمنة والمصالح الأميركية في نظام عالمي يتجه نحو التعددية يتطلب تحولا نوعيا يعتمد على الانتقال من “العسكرة” إلى “الجيواقتصاد”.
ويبين نجار أن واشنطن تسعى اليوم إلى ربط هذا المثلث المشرقي بشبكة مصالح اقتصادية ضخمة، تشمل أنابيب الطاقة وخطوط الترانزيت والتجارة، وهي شبكات لا يمكن أن تستقر إلا تحت مظلة ورقابة دول مركزية قوية، وأن ترك هذه المنطقة للفراغ الأمني أو للكيانات الانفصالية يعني بالضرورة انهيار “الريملاند” الشرق أوسطي، وبالتالي انهيار منظومة المصالح الأميركية بأكملها في المنطقة.
تحييد الهويات الفرعية كشرط أساسي للاستقرار
من هنا، تبرز الأهمية القصوى لتحييد الهويات الفرعية كشرط أساسي للاستقرار، وهو ما ألمح إليه باراك صراحة. فالتنسيق الإقليمي الرفيع، بحسب نجار، هو الأداة الفعالة لتجاوز الخلافات العرقية والقبلية والدينية والطائفية التي أنهكت المنطقة، والتي كانت جزءا من الرؤية الغربية للمنطقة والسيطرة عليها، وبالتالي ضرورة إحلال لغة المصالح الاستثمارية التي تتوافق مع متطلبات الأسواق العالمية.
وأكد نجار أن دمج ملفات سوريا والعراق وتركيا ذات العلاقة المميزة مع دول الخليج العربي من شأنه أن يخلق كتلة إقليمية مستقرة، تمتلك مصدات جيوسياسية قادرة على حفظ أمنها الذاتي، مما يقلل من تكلفة التدخل العسكري الأميركي المباشر، ويفرغ واشنطن لمواجهة تحدياتها الاستراتيجية الأكبر في المحيط الهادئ.
وفي خضم هذه الهندسة الإقليمية، يقول نجار، يأتي دور الدبلوماسي الأميركي، توماس باراك، بصلاحياته المدمجة والواسعة في هذا الطوق الاستراتيجي، وهو يدرك، أي باراك، جيدا أن دمشق، بوصفها حجر الزاوية في هذا الطوق، لن تمضي في أي ترتيب إقليمي دون تحقيق مصلحتها الوطنية العليا المتمثلة برفع العقوبات الاقتصادية وبدء مرحلة التعافي.
وأكد أن المهمة الرئيسية لباراك تتمحور حول هندسة صفقة شاملة تربط التعافي الاقتصادي السوري بالاندماج الجيواقتصادي للمنطقة، إلى جانب ممارسة دور حاسم في تفكيك الاستعصاءات المحلية وكيانات ما دون الدولة، وإجبارها على الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة المركزية، في دمشق وبغداد، لضمان أمن ممرات النظام العالمي الجديد.
وأوضح الكاتب السياسي أن هذه التحولات تمثل إعلانا أميركيا صريحا بأن استقرار المنطقة هو مصلحة عليا للنظام العالمي الذي تريده واشنطن، وأن سوريا اليوم، بعقلها البراغماتي الواقعي المتجدد، تقرأ هذا المشهد من موقع استراتيجي صلب. فهي تدرك تماما أن موقعها في طوق “الريملاند” يجعلها رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية، وأن مفتاح العبور الحقيقي نحو الاستقرار الإقليمي والدولي يمر عبر دولة سورية قوية مستقلة ومتحررة من كل قيود العقوبات.
إدارة الانخراط بالمنطقة بمنطق تجاري
ويقول بعض المراقبين إن مهمة باراك المزدوجة بين دمشق وبغداد أسقطت حاجزا كان يفصل بين ملفين تعاملت معهما واشنطن تاريخيا بمنطق مختلف، بين سوريا، الدولة المنبوذة والمعزولة في عهد النظام المخلوع، والعراق، الشريك المتعب الذي لا تستطيع الانفصال عنه.
وأكد المراقبون أن تعيين شخص واحد لهذين الملفين يعد إعلانا عن أن واشنطن باتت ترى “المنطقة الرمادية” الممتدة بين دمشق وبغداد وحدة استراتيجية واحدة، لا ساحتين منفصلتين تتطلبان مبعوثين وسياسات وأجندات مختلفة. وهذا التحول في الرؤية يدلل على كيفية تفكير إدارة ترامب في مرحلة ما بعد الحروب الإيرانية وما بعد الأسد.
ويرى المراقبون أن خلفية باراك اللبنانية – الأميركية تمنحه ما لا يستطيع المبعوثون التقنيون اكتسابه، فهو يفهم جيدا نسيج التنافسات الطائفية والعشائرية والإقليمية التي تشكل قرارات المنطقة بعيدا عن القاعات الرسمية. إنه رجل يعرف المنطقة جيدا، لكنه لا يخفي حكمه عليها، وهذا في حد ذاته يخبر شيئا عن طبيعة الدور الذي يؤديه.
في المقابل، فإن أسلوبه وعلاقاته وفهمه لأجندة ستستمر في تحقيق النتائج، وفي السياق الشرق أوسطي لا تعني هذه الأجندة الانسحاب كما يتصور البعض، بل تعني إدارة الانخراط بمنطق تجاري.
امتداد المنطق التجاري إلى السياسة الإقليمية
في سوريا، ساعد باراك على تخفيف العقوبات ومساعي إعادة الإعمار والتعاون في مواجهة تنظيم “داعش”، كما توسط في محادثات بين دمشق و”قسد”. وفي العراق، يدخل الملف بحسابات مختلفة لكنها متكاملة؛ دولة تمتلك ثروة نفطية ضخمة وتعاني من شبكات نفوذ إيرانية عميقة، وتحتضن قوات أميركية، وتريد استثمارات لا تستطيع جذبها في بيئة الفوضى المسلحة.
والمنطق الذي يجمعهما تحت مظلة واحدة هو منطق “الاستقرار مقابل الاستثمار”، وأن واشنطن تقدم شرعية دولية وحماية أمنية ودعما في المؤسسات الدولية، مقابل بيئة تجارية تتيح للشركات الأميركية العمل وعقود إعادة الإعمار. هذه ليست حربا باردة بالوكالة، بل امتداد للمنطق التجاري الترامبي إلى السياسة الإقليمية.
وترتبط الأهمية الجيواستراتيجية للشرق الأوسط في الحسابات الأميركية، تاريخيا وحاليا، بحسب خبراء السياسة، بالعديد من المتغيرات الحيوية التي تجعل المنطقة محورية لسياسات واشنطن.
تاريخيا، كان الشرق الأوسط نقطة التقاء الحضارات، ومنطقة تنافس بين القوى العظمى بسبب موقعه الذي يربط بين القارات الثلاث، أوروبا وآسيا وإفريقيا، وكونه ممرا للتجارة ومصدرا للطاقة، ولا سيما النفط والغاز، إلى الأسواق العالمية. وفي فترة الحرب الباردة من القرن الماضي، أصبح مسرحا للتنافس بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي، حيث سعى كل معسكر إلى توسيع نفوذه عبر تحالفات واصطفافات إقليمية متعددة.
ما يجعلها حيوية للاقتصاد العالمي
وبينما ركزت الولايات المتحدة على القوى التقليدية مثل تركيا ومصر ودول الخليج العربية وإيران في عهد الشاه، نظرا لمواقعها الجيواستراتيجية وتأثيرها الإقليمي، شهدت دول مثل سوريا والعراق ولبنان حروبا بالوكالة وصراعات نفوذ بين المعسكرين اللدودين.
وشكل هذا التنافس في تلك المرحلة جزءا من معادلة القوى التي صاغت السياسات الأميركية تجاه المنطقة، وفيها تم قلب نظام التحالفات الإقليمية، مثل إعادة توجيه السياسة المصرية وإعادة هيكلة السياسة الإيرانية في سبعينيات القرن العشرين، من الاتحاد السوفياتي إلى الولايات المتحدة، وكان ذلك علامة فارقة.
وتستمر أهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة في المرحلة الحالية لعدة عوامل رئيسية، من أبرزها موارد الطاقة، حيث تمتلك المنطقة نحو 48 في المئة من احتياطيات النفط العالمية و40 في المئة من احتياطيات الغاز الطبيعي، ما يجعلها حيوية للاقتصاد العالمي، وهو ما يؤثر على أمن الطاقة في جميع أنحاء العالم.
بالإضافة إلى ذلك، تعد المنطقة مركزا للنقل البحري العالمي، مع مرور نحو 20 في المئة من التجارة النفطية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب فيه يهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي. ويشير المراقبون إلى أن الأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط تلعب دورا كبيرا أيضا في الاهتمام الأميركي؛ إذ تشهد المنطقة تحولات وصراعات تمتد آثارها إلى الساحة العالمية، مثل التنافس بين القوى الإقليمية في المنطقة، وصعود قوى غير تقليدية مثل التنظيمات والميليشيات المسلحة، ما يدفع الولايات المتحدة للحفاظ على وجود عسكري قوي في المنطقة بهدف حماية مصالحها والحفاظ على الاستقرار.
بسبب الترابط الجغرافي والملفات الأمنية المشتركة
كانت سوريا، بتاريخها العريق وموقعها الاستراتيجي، وما زالت محورا رئيسيا في الحسابات الجيوسياسية، وأصبحت بعد تحريرها من النظام المخلوع في قلب التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، مما يجعلها موضع اهتمام كبير للدول الكبرى والإقليمية، مع انعكاسات مباشرة على مستقبل التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية.
كما تعد نقطة وصل بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، حيث تتصل بالبحر المتوسط من الغرب، وتشترك في حدود مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، مما يجعلها بوابة عبور أساسية للتجارة والطاقة، إضافة إلى قربها من المناطق الغنية بالنفط والغاز، ما يجعلها لاعبا محتملا في إعادة تشكيل شبكات الطاقة العالمية. فالموقع الجغرافي يضاعف أهميتها كجسر للطرق البرية والجوية، وأرضا مشتركة للتنافس الإقليمي والدولي.
ويعد استقرار سوريا أساسيا لأمن المنطقة والعالم، حيث يؤثر غياب الاستقرار السوري دائما وبشكل مباشر على الدول المجاورة، وقد ساهم في توسيع انتشار الإرهاب وزيادة تدفقات اللاجئين. لهذا، سيكون التعاون الدولي والإقليمي لإعادة بناء الدولة السورية ضرورة استراتيجية لمنع انتشار الفوضى الأمنية وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.
وتشكل سوريا والعراق وتركيا محورا جيوسياسيا رئيسيا في الشرق الأوسط، بسبب الترابط الجغرافي والملفات الأمنية المشتركة، حيث يربط الموقع الجغرافي لهذه الدول القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأوروبا، بجسر بري، كما يشكل المحور الثلاثي ممرا استراتيجيا لأنابيب النفط والغاز المستقبلية نحو أوروبا، إضافة إلى سيطرة سوريا وتركيا على سواحل حيوية في البحر المتوسط والمضائق المائية.
كما يجمع الدول الثلاث ملف المياه والأمن المائي، وملف الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، وفي مقدمته ملف حزب العمال الكردستاني “PKK” وامتداداته بوصفه هاجسا أمنيا مشتركا للدول الثلاث، إلى جانب ملف “داعش”.