
دخلت دولة قطر على خطّ إسناد لبنان. هو الذي يجد نفسه أسير معادلات إقليمية، أصبح بحاجة ضرورية لمساعدة دول عربية وإقليمية، خصوصاً في ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية، ما حوّله إلى ساحة تقاتل وتفاوض. وفيما اختار لبنان أن تكون المفاوضات برعاية الولايات المتحدة الأميركية حصراً، وإذ يلجأ إليها للضغط على إسرائيل في سبيل وقف إطلاق النار والانسحاب وتأمين عودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم، ولا يزال يبحث عن تحقيق ذلك من خلال المشاورات المستمرة مع الأميركيين، أطلقت دولة قطر محركاتها منذ أيام في إطار تفعيل ديبلوماسيتها باتجاهات متعددة، مع واشنطن أولاً، ومع عواصم عربية وإقليمية في إطار توفير مظلة حماية إقليمية للبنان بوجه الحرب الإسرائيلية ومخاطرها.
التحرّك القطري
منذ أكثر من أسبوع انخرطت قطر بتواصل مباشر مع الأميركيين لأجل الضغط على إسرائيل لوقف التصعيد، وصولاً إلى وقف إطلاق النار. حتى أن مسؤولاً رسمياً لبنانياً اعتبر أن هناك ثلاثة مسارات لتحقيق الوصول إلى وقف النار: المسار الأول هو المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية. المسار الثاني هو تأثير مجريات التفاوض في باكستان. والمسار الثالث هو التحرك الذي أطلقته قطر ويشمل دولاً عربية وإقليمية عديدة، على خط مفتوح مع المملكة العربية السعودية لأجل تثبيت وقف النار وحماية لبنان الكيان. وفي هذا الإطار جاءت زيارات مسؤولين لبنانيين لقطر، لا سيما زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري علي حسن خليل، بالإضافة إلى زيارة وليد جنبلاط الذي يعقد لقاءات مع المسؤولين هناك.
ترتكز المساعي القطرية على فكرة التكامل الإقليمي والمساعي لوقف الحرب في المنطقة ككل، وعدم السماح بالاستفراد بلبنان، خصوصاً انطلاقاً من العلاقات القطرية المميزة مع السعودية، تركيا، باكستان، سوريا والولايات المتحدة الأميركية. وذلك لا ينفصل عن مسار التطورات في المنطقة التي تشهد إعادة رسم لخطوط العلاقات والتحالفات والدخول في اتفاقات استثمارية، وآخرها التوقيع السعودي التركي المشترك على إعادة إطلاق مشروع سكة الحجاز، هذا المشروع الذي يربط الخليج بتركيا عبر سوريا، ولا بد للبنان أن يستفيد منه ويكون أحد الشركاء الأساسيين فيه.
لبنان والتقاطع العربي
ما يُراد للبنان هو أن يكون على تقاطع هذه الدول العربية والإقليمية، خصوصاً في ظل الإصرار الأميركي على ضرب النفوذ الإيراني في المنطقة وضرب حلفاء إيران، وكي لا تستفرد به إسرائيل وحدها، إما من خلال مواصلة حربها أو من خلال أي مسار تفاوضي تهدف من خلالها إلى إدخاله في اتفاقات تستثمرها لاحقاً ضد الدول العربية، وضد أي تحالف عربي أو إقليمي. ففي الرؤية الإستراتيجية يبقى مشروع نتنياهو أبعد من مجرد تفكيك بنية حزب الله العسكرية في الجنوب، وإصراره قائم على ربط الجغرافيا اللبنانية بالجغرافيا السورية، وفتح مناطق على بعضها البعض، كما أن إسرائيل تصر على استمرار احتلالها لأراض في الجنوب السوري، وعلى ما تسميه فتح ممر انساني باتجاه السويداء، وهذا الممر يحتاج إلى المرور بمحافظة درعا.
الهدف الإسرائيلي
ففي سوريا تريد إسرائيل قطع أي طريق تجاري أو استراتيجي يربط الخليج بالأردن بسوريا بتركيا، لأن الممر الأساسي لهذا الطريق ستكون محافظة درعا. أما الهدف الإسرائيلي الأبعد فهو استخدام هذا “الممر الإنساني” للوصول إلى حدود العراق. أما على الجهة اللبنانية من الحدود، فليس تفصيلاً الحديث الإسرائيلي المتكرر عن الوصول إلى مشارف نهر الزهراني، هناك حيث تقع مصفاة نفط الزهراني الموصولة بخطوط التابلاين، والتي تصل إلى الزهراني مروراً بجنوب سوريا. تريد إسرائيل أن تكون هي المسيطرة على هذا الخطّ. ولذلك هي تصر دوماً على الوصول إلى اتفاقات اقتصادية مع لبنان. مقابل هذا المشروع، يبرز التنسيق التركي، القطري، السعودي، لأجل منع إسرائيل من تحقيق مشروعها، وهنا لا بد للبنان أن يكون على التقاطع بين هذه القوى العربية والإقليمية.
لا يزال لبنان يراهن على الدور الأميركي لوقف الحرب الإسرائيلية، وينتظر ما يمكن أن تحققه المفاوضات التي يسعى من خلالها لبدء تطبيق المناطق التجريبية التي تنسحب منها إسرائيل مقابل دخول الجيش اللبناني إليها وعودة الأهالي، إضافة إلى سحب السلاح من تلك المناطق وسيطرة الجيش عليها بشكل كامل. وهو ما يحتاج إلى دعم فعلي يتم العمل على توفيره. وليست بعيدة عنه زيارة قائد الجيش لباكستان، إضافة إلى اهتمام قطري سعودي مشترك بتقديم المزيد من المساعدات، كما أن تركيا أبدت استعدادها لإرسال مساعدات عسكرية للجيش، إضافة إلى نشر قوات عسكرية في إطار قوات دولية لضبط الوضع في الجنوب.
“إله الحرب”
لا تزال إسرائيل ترفض كل هذه الحلول، وتصر على مواصلة العملية العسكرية. يريد نتنياهو الذهاب إلى الانتخابات، وهو “إله الحرب”، بخلاف دونالد ترامب الذي يريد الوصول إلى الانتخابات النصفية وقد عمل على إنهاء الحرب. على هذا التناقض بين الرجلين، تدور المساعي المختلفة، لأجل دفع الإدارة الأميركية إلى إجبار الإسرائيليين على وقف الحرب، وحماية لبنان من أي تشظيات أو صدامات داخلية.
ما ترتكز عليه دول عربية وإقليمية عديدة للضغط على إسرائيل، هو العمل على تكاتف إقليمي، هدفه تخويف تل أبيب من ولادة “بدر سنّي” بدلاً من “الهلال الشيعي”، وهذا ما يكرسه التقارب السعودي، القطري، المصري، السوري، التركي الباكستاني، ويفترض به أن يغير في الكثير من الحسابات الأميركية والإسرائيلية معاً، ويشكل نوعاً من التوازن على مستوى المنطقة. علماً أن كل هذه القوى تلتقي عند مصلحة واحدة، وهي إسقاط نتنياهو في الانتخابات، لتغيير كل المسار الإسرائيلي بالكامل، وهو ما يمرّ من خلال وقف الحرب في المنطقة.
دور أساسي آخر يمكن لدولة قطر أن تسهم فيه، هو تعزيز مسار العلاقات اللبنانية السورية، وإعادة البحث في مشاريع الغاز والطاقة وشبكات الطرق إضافة إلى تحسين العلاقات السياسية والديبلوماسية والتعاون الاقتصادي. وذلك يأتي في إطار الرد على أي محاولة لزرع بذور إشكالات بين لبنان وسوريا، أو محاولات ضغط إسرائيلية أميركية مشتركة لدفع سوريا إلى التدخل في لبنان أو ضد أي طرف لبناني، ما سيدفع البلدين إلى تقاتل لا ينتهي ويستنزفهما معاً، لا سيما أن المصلحة في هذه المرحلة هي للتكامل بدلاً من التقاتل.