
كاتب وسياسي.. المصدر جريدة الثورة السورية .دمشق
ليس أدل على ذلك من ردود أفعال السوريين على الاعتصام الأخير، الذي جرى في دمشق. كي لا نبقى في حيز العموميات، وإنشائيات المثقفين، أقول وفقاً لهذه المقدمة التالي: إن أية مرحلة انتقالية مثل التي تعيشها البلد، تحتاج لفاعل سياسي يمتلك ميزان قوى، وقاعدة شعبية واضحة تمثل أكثرية المجتمع السوري.
هذا الفاعل السياسي هو الرئيس الشرع. لهذا خطابي موجه له. حتى اللحظة لا أستطيع الادعاء، بأنني أعرف خيارات الرئيس، وطريقة تفكيره بالبلد. هنالك مؤشرات للتحول الذي جرى على هيئة تحرير الشام المنحلة، لكنها غير كافية كي أدعي مثل هذا الادعاء.
من الآخر: هل بذهنك يا ريس نموذج ديكتاتوري؟ هل بذهنك مرجعية ما، تبني هذه الديكتاتورية على أساسها؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب سهلاً: أن الساحة الإسلامية عموماً، والعربية خصوصاً فيها نماذج متعددة، لديكتاتوريات تتراوح بين الخشونة والنعومة. ونتيجة لخلفية الريس نجد إجابة سهلة: ديكتاتورية إسلامية.
هل نحن إذاً مقبلون على ديكتاتورية إسلامية؟ بالنسبة لي الجواب هو النفي. الأسباب كثيرة، منها داخلي ومنها خارجي. أم أننا سنشهد ديكتاتورية هجينة، متحركة الممارسة دون إطار واضح دستورياً، وحقوقياً، ونظاماً سياسياً. متحركة حسب مقتضيات كل لحظة من تفاعلات البلد، على خلفية إسلامية؟ ببساطة نحن أمام اشتقاق متخيل لحالة أسميها خليفة حداثوي! فهل نحن فعلاً أمام مثل هذا التخيل؟
عندما تم الإعلان عن الإعلان الدستوري المؤقت، رغم معقوليته إلا أنني رفضته بحكم اشتراطه أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، بالتالي حرمان السوري المسيحي من الترشح لرئاسة سوريا. هذا كان ولا يزال نذير شؤم بالنسبة لي. أتمنى تغييره في الدستور الدائم. كثيرة هي المؤشرات السلبية. يقابلها مؤشرات إيجابية طبعاً. لكن هذا التقابل وما ينتجه من تفاعلات على مستوى المجتمع السوري، يجعلنا نقف أمام السؤال مجدداً: هل نذهب باتجاه ديكتاتورية ما؟
من جهة، بحكم معرفتي بالقوى التي تستند عليها، والتي أغلبها في الواقع يميل إلى شكل من أشكال الديكتاتورية الإسلامية المشخصنة. ما عزز هذا الأمر الكثير من المؤشرات التي لا يتسع الحديث عنها هنا. من جهة أخرى أرى هامش الحرية الكبير الذي ينعم به السوريون حتى الآن، كمؤشر إيجابي. ببساطة أيضا يا ريس: في أي نظام ديمقراطي حقيقي، ستضمن نجاحك في الانتخابات لأكثر من دورة انتخابية.
سؤالي هنا افتراضي ومبني على مقدمة افتراضية أيضاً: هل يوافق الإسلاميون المحيطون بكم، على نموذج شبيه بالنموذج التركي؟ باعتقادي لا طريق أمامهم لرفضه، حتى لو كانوا لا يريدونه. لكن هل في رؤيتك مثل هذا النموذج؟ خاصة أنكم تتعاملون مع حمولة دولية، كلها بلدان ديمقراطية. حمولة دولية تدعم سلطتكم. تدعم المرحلة الانتقالية الى حد كبير. سوريا أيضاً مكشوفة تماماً لهذه الحمولة، التي تتزعمها أمريكا وما أدراك ما أمريكا!
إضافة إلى أن هنالك في البلد قوى مجتمعية، لا يناسبها أي نظام ديكتاتوري، سواء كان إسلامياً أو خلافه. لم تنطلق الثورة السورية، وتقدم كل هذه التضحيات للعودة لنظام ديكتاتوري من أي نوع كان. ألم يكن الاتفاق مع قسد مؤشراً إيجابياً على إمكانية قيام نظام ديمقراطي؟ ليس مؤشراً فقط، بل خطاً برنامجياً، لكي يتم السير نحو نظام ديمقراطي حقيقي في سوريا. بذلك فقط تسجل اسمك في التاريخ السوري إلى الأبد، كمؤسس لمستقبل ديمقراطي لسوريا التي تستحق.
لا أريد أن أطيل كي لا يقال عني أني مطبل للسلطة! لا تخذل شهداء الثورة، ولا ما قدم السوريون من ثورة. ستكتب، وتحكي عنها الأجيال لعقود قادمة. أعرف أن في البلد كتلاً معيقة لقيام نظام ديمقراطي، تكمن خلفها مصالح داخلية وخارجية، لكن هذا الشعب يستحق أن ينعم ببلد ديمقراطي ودولة قانون وحقوق إنسان.
أعرف أن فلول الأسدية لا يزالون يعملون لإفشال المرحلة. كما غيرهم من قوى أخرى من كل أطياف المجتمع السوري. لكن الثورة انطلقت لكي تقدم لسوريا نظاماً سياسياً عنوانه” الحرية والكرامة ودولة القانون”.
أيضا أعرف عن تعقيدات الكتلة والمجموعات التي تحيط بالسلطة. لكن الخيار الآن هو البحث الجدي عن كل الإمكانيات الداخلية والخارجية لتأسيس ديمقراطي طويل المدى. فلا تخذل جمهورك يا ريس، لأنني لست من جمهورك ولن أكون، لما احمله من خوف على مستقبل هذا البلد من المؤشرات السلبية التي تعيشها حتى الآن.