
اقترن الحضور الصيني في أفريقيا ببناء الطرق والسكك الحديد والموانئ ومحطات الطاقة والمستشفيات والجامعات (اندبندنت عربية).
فهم سياسة الصين تجاه أفريقيا وأميركا اللاتينية لا ينفصل عن مشروع أوسع تسعى من خلاله إلى إعادة صياغة البيئة الدولية تدريجاً وفق تصوراتها الخاصة للنفوذ والشرعية والنظام العالمي، مشروع لا يعلن القطيعة مع القواعد القائمة بقدر ما يعمل على تعديلها من الداخل وإعادة توزيع مراكز الثقل التي تستند إليها.
منذ مطلع التسعينيات شرعت الصين في إعادة هندسة موقعها داخل النظام الدولي عبر استراتيجية طويلة الأمد استهدفت دول الجنوب العالمي، لا سيما أفريقيا وأميركا اللاتينية. ولم يكن هذا التوجه مجرد امتداد لحاجتها المتزايدة إلى الطاقة والمواد الخام اللازمة لاستدامة طفرتها الصناعية، بل جاء جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى توسيع الهوامش الاستراتيجية لبكين وتقليص قدرة القوى الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، على احتكار مراكز النفوذ في العالم النامي. فالصين لم تتعامل مع تلك المناطق بوصفها خزانات للموارد فحسب، وإنما باعتبارها مجالات سياسية يمكن من خلالها إعادة تشكيل موازين القوة الدولية وبناء شبكات شراكة أقل خضوعاً للترتيبات التي تشكلت بعد الحرب الباردة.
ومع وصول شي جينبينغ إلى السلطة عام 2012، اكتسب هذا التوجه بعداً أكثر طموحاً واتساقاً. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، استدعى شي الإرث الرمزي لـ”المسيرة الطويلة”، وهي الانسحاب الاستراتيجي الذي نفذه الحزب الشيوعي الصيني بين عامي 1934 و1935، وتحول لاحقاً إلى أحد أهم الأساطير المؤسسة لشرعيته السياسية. ومن خلال إحياء الذكرى الثمانين لذلك الحدث، دعا إلى “مسيرة طويلة جديدة” تقود الصين نحو موقع القوة والازدهار واستعادة المكانة التاريخية، التي ترى أنها حرمت منها خلال ما تصفه بـ”قرن الإذلال”، وترسيخ موقعها كقوة عالمية كبرى، في إطار ما بات يعرف بـ”الحلم الصيني”.
في هذا السياق، أصبحت القومية إحدى الأدوات المركزية في السياسة الخارجية الصينية. فبكين توظف الذاكرة التاريخية بصورة انتقائية لإضفاء الشرعية على مطالبها السيادية في المناطق المتنازع عليها، وتقدم قضايا السيادة والوحدة الوطنية باعتبارها مصالح عليا غير قابلة للمساومة. وعندما تتداخل هذه الاعتبارات مع الحسابات الاستراتيجية ومتطلبات الصعود الدولي، تتراجع فرص التسوية وتزداد احتمالات الاحتكاك. ومن ثم، فإن فهم سياسة الصين تجاه أفريقيا وأميركا اللاتينية لا ينفصل عن مشروع أوسع تسعى من خلاله إلى إعادة صياغة البيئة الدولية تدريجاً وفق تصوراتها الخاصة للنفوذ والشرعية والنظام العالمي، مشروع لا يعلن القطيعة مع القواعد القائمة بقدر ما يعمل على تعديلها من الداخل وإعادة توزيع مراكز الثقل التي تستند إليها.
مصدر الجاذبية
لا تنظر الصين إلى القوة الناعمة باعتبارها بديلاً عن عناصر القوة التقليدية، بل كرافعة استراتيجية تمهد لتمدد نفوذها الاقتصادي والسياسي وتمنحه شرعية محلية ودولية. ويرى الباحث الأسترالي مايكل بار أن القوة الناعمة الصينية تستند إلى قدرة الدولة على تحويل الإنجاز الاقتصادي إلى مصدر للجاذبية الخارجية. فبدلاً من تصدير نموذج سياسي محدد، ركزت بكين على تقديم نفسها بوصفها مثالاً لدولة انتقلت من الفقر إلى القوة عبر التنمية والاستقرار والتخطيط طويل الأمد. وانعكس ذلك في شبكة واسعة من المساعدات والمنح الدراسية وبرامج التدريب المهني وإنشاء معاهد كونفوشيوس، وتمويل برامج التبادل الثقافي والبعثات الطبية والمشروعات التنموية التي استهدفت تعزيز حضور الصين داخل المجتمعات والنخب المحلية.
وفي أفريقيا، اقترن الحضور الصيني ببناء الطرق والسكك الحديد والموانئ ومحطات الطاقة والمستشفيات والجامعات، مما منح بكين حضوراً ملموساً في الحياة اليومية لملايين الأفارقة. ويرى الباحث كينيث كينغ أن نجاح الصين في القارة لم يستند إلى خطاب المساعدات بالمعنى التقليدي، بل إلى تبني مفهوم “التعاون بين دول الجنوب”، القائم على الشراكة والمنفعة المتبادلة واحترام السيادة الوطنية. ومن خلال الاستثمار في التعليم والتدريب وتنمية الموارد البشرية، استطاعت الصين بناء روابط طويلة الأمد مع النخب الإدارية والاقتصادية والسياسية الأفريقية، بما عزز نفوذها بصورة تتجاوز المكاسب التجارية المباشرة.
أما في أميركا اللاتينية، فقد اتخذت القوة الناعمة الصينية شكلاً أكثر ارتباطاً بالتمويل والاستثمار والتبادل التجاري. فقد وفرت بكين قروضاً ميسرة واستثمارات واسعة في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، بالتوازي مع توسيع التبادل الأكاديمي والثقافي. واستفادت من رغبة عدد من دول المنطقة في تنويع خياراتها الاستراتيجية وتقليص اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة، لتقدم نفسها شريكاً اقتصادياً لا يتدخل في الشؤون الداخلية ولا يربط التعاون بشروط سياسية مسبقة.
ومع ذلك، فإن القوة الناعمة الصينية لا يمكن فصلها عن اعتبارات المصلحة القومية. فخلف خطاب التنمية والتعاون جنوب- جنوب، تسعى بكين إلى تأمين حاجاتها من الطاقة والمواد الخام، وفتح أسواق جديدة أمام شركاتها، وحشد التأييد لمواقفها في المؤسسات الدولية. لذلك تبدو القوة الناعمة الصينية أقل ارتباطاً بنشر منظومة قيم عالمية، وأكثر ارتباطاً بإنتاج النفوذ عبر التنمية والتمويل والبنية التحتية.
معادلة الصعود
تمثل مبادرة “الحزام والطريق” التعبير الأكثر اكتمالاً عن التحول الذي شهدته الاستراتيجية الصينية منذ إطلاق سياسة “الإصلاح والانفتاح” عام 1978 في عهد دينغ شياو بينغ. فمنذ ذلك التاريخ، قامت معادلة الصعود الصيني على ربط التنمية الداخلية بالانفتاح الخارجي، غير أن اتساع الاقتصاد الصيني وتحوله إلى أكبر قاعدة صناعية في العالم فرض على بكين تحدياً أكثر تعقيداً، كيفية تأمين الأسواق والموارد وسلاسل الإمداد وممرات التجارة اللازمة لاستدامة نموها في بيئة دولية تهيمن عليها قوى أخرى.
في هذا السياق، طرح شي جينبينغ عام 2013 رؤيته لـ”الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” خلال زيارته إلى كازاخستان، ثم أتبعها بمبادرة “طريق الحرير البحري للقرن الـ21” في إندونيسيا. ومنذ البداية، لم تقدم المبادرة بوصفها تحالفاً سياسياً أو مشروعاً أيديولوجياً، بل باعتبارها إطاراً واسعاً للترابط الاقتصادي والبنية التحتية والتكامل التجاري. غير أن جوهرها الفعلي تجاوز الخطاب الرسمي، إذ هدفت إلى إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية المحيطة بالصين وربطها بشبكات برية وبحرية تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية.
وخلال العقد التالي، تحولت المبادرة إلى أكبر مشروع جيواقتصادي في القرن الـ21. فبحلول عام 2025، انضمت إليها أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية، فيما تجاوز إجمال الانخراط الصيني التراكمي فيها 1.3 تريليون دولار بين استثمارات وعقود إنشاءات، قبل أن يرتفع إلى نحو 1.4 تريليون دولار مع نهاية العام ذاته. كذلك سجلت مشروعات المبادرة عام 2025 وحده ما يزيد على 213 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ إطلاقها.
لكن ما منح المبادرة قدرتها على التوسع لم يكن البروباغندا السياسية بقدر ما كان منطق المصلحة. فالدول المشاركة لم تنتظم فيها استجابة لخطاب “الحلم الصيني” أو استعادة أمجاد “طريق الحرير”، بل لأنها رأت فيها مصدراً للتمويل والبنية التحتية والاستثمار في وقت عجزت فيه المؤسسات الدولية التقليدية عن تلبية حاجاتها التنموية بالسرعة نفسها. لذلك، تطورت المبادرة تدريجاً من مشروع يركز على الموانئ والطرق والسكك الحديد إلى شبكة أكثر تعقيداً، تشمل الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات والاقتصاد الرقمي والمعادن الاستراتيجية.
ومع تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة وتزايد الانتقادات المرتبطة بالديون والنفوذ السياسي، أعادت بكين صياغة المبادرة بدلاً من التخلي عنها. فانتقلت من المشاريع العملاقة كثيفة التمويل إلى التركيز على الطاقة الخضراء والربط الرقمي والمعايير التقنية وسلاسل الإمداد.
“روح باندونغ”
كانت الصين منذ المراحل الأولى أحد المحركات الرئيسة في تحويل تكتل “بريكس” الذي يضم بالأساس البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، من توصيف اقتصادي للدول الصاعدة إلى منصة سياسية واقتصادية تسعى إلى إعادة التوازن للنظام الدولي. فقد أدركت بكين أن صعود القوى الناشئة لم يعد ينعكس بصورة عادلة في مؤسسات الحوكمة العالمية التي تشكلت تحت الهيمنة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وأن اتساع الفجوة بين الوزن الاقتصادي للجنوب العالمي وتمثيله السياسي يخلق فرصة لإعادة صياغة قواعد النفوذ الدولي. ومن هذا المنطلق، نظرت إلى “بريكس” باعتبارها أداة لتوسيع دور القوى غير الغربية في إدارة الاقتصاد العالمي، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الغرب.
ومع تنامي القوة الاقتصادية الصينية، ازداد اهتمام بكين بتطوير المجموعة وتوسيع وظائفها المؤسسية. فدعمت إنشاء “بنك التنمية الجديد” وترتيبات الاحتياط الطارئ، ثم دفعت نحو صيغة “بريكس بلس” التي تتجاوز حدود الأعضاء المؤسسين إلى شبكة أوسع من الدول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وفي الرؤية الصينية، لا يمثل التوسع مجرد زيادة عدد الأعضاء، بل خطوة نحو بناء فضاء سياسي واقتصادي أوسع يمنح الجنوب العالمي وزناً أكبر في صياغة قواعد التجارة والتمويل والتنمية.
وترتبط مصالح بكين في هذا المسار باعتبارات اقتصادية واستراتيجية متداخلة. فهي تسعى إلى توسيع استخدام العملات الوطنية وتقليص الاعتماد على الدولار، بما يخفف من هشاشة الاقتصادات الصاعدة أمام الضغوط المالية والعقوبات الغربية. كذلك تنظر إلى “بريكس بلس” بوصفها مظلة داعمة لمبادرة “الحزام والطريق”، وآلية لتعميق الترابط الاقتصادي بين الأسواق الناشئة وتعزيز حضور الصين داخل مراكز النمو المستقبلية.
غير أن البعد الأكثر أهمية يتمثل في إعادة إحياء “روح باندونغ”، فالصين تستحضر إرث مؤتمر 1955 بوصفه رمزاً لاستقلال القرار الوطني والتضامن بين دول الجنوب، وتعيد توظيفه في سياق جديد يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل والتنمية المشتركة. ومن خلال هذا الخطاب، تسعى إلى منح مشروعها الدولي شرعية تاريخية تتجاوز اعتبارات القوة المجردة. وهكذا تبدو “بريكس بلس” في المنظور الصيني أداة لربط المصالح الاقتصادية بالسردية السياسية، وإطاراً لإعادة توزيع النفوذ العالمي تدريجاً بما يعكس التحول الجاري في موازين القوة الدولية وصعود الجنوب العالمي كشريك فاعل في تشكيل النظام العالمي الجديد.
تقاطع المصالح
لا يمكن فهم العلاقة بين مبادرة “الحزام والطريق” ومجموعة “بريكس” بوصفها مجرد تقاطع بين مشروع اقتصادي ومنتدى متعدد الأطراف. فالمبادرة، في جوهرها، تمثل الأداة الجيواقتصادية الأهم في الاستراتيجية الصينية، بينما تمثل “بريكس” الإطار السياسي والمؤسسي الذي يمنح هذا التحول شرعية أوسع داخل الجنوب العالمي. ومن ثم، فإن العلاقة بينهما ليست علاقة تواز، بل علاقة تكامل متبادل أسهمت في تعزيز موقع الصين بوصفها قوة قادرة على الانتقال تدريجاً من موقع المتلقي للقواعد إلى موقع المساهم في صياغتها.
فمنذ إطلاق مبادرة “الحزام والطريق”، سعت بكين إلى إعادة تشكيل خرائط الاتصال التجاري واللوجيستي والاستثماري عبر أوراسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ولم يكن الهدف مقتصراً على تسهيل تدفقات التجارة أو تصدير الفائض الرأسمالي الصيني، بل إنشاء فضاء اقتصادي واسع تتشابك داخله المصالح والأسواق والبنية التحتية وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، وفرت “بريكس” بيئة سياسية مواتية لتوسيع هذا المشروع، بحكم أنها تضم عدداً من أهم الاقتصادات الصاعدة والدول المؤثرة في الجنوب العالمي.
وقد انعكس ذلك في مستويات عدة. فمن الناحية الاقتصادية، عززت المبادرة فرص التكامل بين أعضاء “بريكس” عبر تطوير الموانئ والسكك الحديد وممرات النقل والطاقة والاتصالات، بما أسهم في خفض كلفة الربط بين الأسواق الناشئة وتوسيع آفاق التجارة البينية. كذلك وفرت زخماً إضافياً للمؤسسات المالية المرتبطة بالمجموعة، وعلى رأسها “بنك التنمية الجديد”، الذي برز بوصفه إحدى الأدوات المكملة لتمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية خارج الأطر الغربية التقليدية.
غير أن الأثر الأهم للمبادرة تمثل في إعادة تعريف دور “بريكس”، فبعدما كانت منصة للتشاور بين القوى الصاعدة، بدأت تكتسب تدريجاً ملامح كتلة تسعى إلى صياغة رؤى بديلة للتنمية والتمويل والحوكمة الاقتصادية. وفي هذا التحول تحديداً برز النفوذ الصيني بوضوح، إذ أصبحت بكين الطرف الأكثر قدرة على الربط بين الموارد المالية والمشروعات التنموية والأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى.
ومع ذلك، فإن هذا التداخل بين “الحزام والطريق” و”بريكس” لم يخلُ من التحديات. فتعاظم الدور الصيني أثار لدى بعض الأعضاء، وفي مقدمها الهند، مخاوف تتعلق باختلال موازين القوة داخل المجموعة. كذلك فإن اختلاف أولويات الأعضاء وعلاقاتهم المتباينة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية جعل من الصعب تحويل “بريكس” إلى كتلة متجانسة سياسياً، ولهذا ظلت المجموعة أقرب إلى إطار مرن لتقاطع المصالح منها إلى تحالف استراتيجي بالمعنى التقليدي.
مركز مؤثر
تكشف السياسة الخارجية الصينية عن مشروع تاريخي يتجاوز حدود الصعود الاقتصادي التقليدي نحو محاولة إعادة تموضع الصين في قلب النظام الدولي، بوصفها مركزاً مؤثراً في صياغة قواعده واتجاهاته المستقبلية. غير أن هذا المشروع يقوم على مفارقة واضحة، فالعولمة التي أتاحت للصين تحقيق نهضتها الاقتصادية وتعزيز شرعية الحزب الحاكم، هي نفسها البيئة التي تخشى بكين تراجعها في ظل تصاعد النزعات الحمائية والتنافس الجيوسياسي. ومن هنا نشأ التوتر الملازم للسلوك الصيني المعاصر، إذ باتت القيادة الصينية مطالبة بالموازنة بين الحفاظ على نظام دولي مفتوح تحتاج إليه التنمية الاقتصادية، وبين الاستجابة لمتطلبات قومية متصاعدة تجعل من استعادة المكانة التاريخية والسيادة الكاملة جزءاً لا يتجزأ من شرعيتها السياسية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم ازدياد الحزم الصيني في القضايا الإقليمية والسيادية خلال عهد شي جينبينغ باعتباره نتيجة مباشرة لهذا التداخل بين التنمية والقومية. فـ”الحلم الصيني” ليس مجرد برنامج للنمو الاقتصادي، بل مشروع لإعادة الاعتبار لقوة الدولة ومكانتها التاريخية، مما يفسر تضاؤل هامش التسوية في النزاعات الإقليمية وتنامي الاستعداد لاستخدام أدوات القوة لحماية ما تعتبره بكين مصالح جوهرية غير قابلة للمساومة.
تطرح الصين بصورة متدرجة، نموذجاً مغايراً للعلاقات الدولية والحوكمة العالمية، فهذا النموذج، الذي تشكل عبر مفاهيم الأمن الجديد والعالم المتناغم، يقوم على تصور يرفض منطق الهيمنة الصريحة والمحصلات الصفرية، ويستبدله بخطاب الأمن المتبادل والتنمية المشتركة والترابط الاقتصادي. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب لا يلغي اعتبارات القوة، بل يعيد صياغتها في صورة أكثر تعقيداً، حيث يصبح النفوذ نتاجاً للقدرة على بناء شبكات الاعتماد الاقتصادي والمالي والتكنولوجي طويلة الأمد، أكثر من كونه نتيجة للسيطرة العسكرية المباشرة.
يمكن فهم الحضور الصيني المتنامي في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، بأن بكين لا تتحرك وفق منطق التوسع الإمبراطوري الكلاسيكي، وإنما وفق رؤية جيوبوليتيكية تسعى إلى تحويل الموانئ والممرات التجارية والبنى التحتية وسلاسل الإمداد إلى ركائز دائمة لنفوذها العالمي.