بينما يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران بقصف عنيف إن لم تبرم صفقة نهائية، وفي الوقت نفسه يتحدث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق، تتصاعد لغة النار على الأرض بشكل متسارع، وما شهدته دول خليجية من صواريخ إيرانية اخترقت أجواءها واستهدفت أراضيها هو اعتداء سافر على سيادة هذه الدول بغض النظر عن الذريعة أو الهدف المعلن، وهذا التناقض بين خطاب التفاوض وواقع التصعيد يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاتفاق المرتقب، وما إذا كان أي اتفاق سيجلب الاستقرار الفعلي أم إنه سيؤسس لمرحلة جديدة من الفوضى ستدفع ثمنها دول المنطقة.
الخطورة الحقيقية تكمن في السيناريو الذي قد تلجأ فيه واشنطن إلى اتفاق ثنائي مع طهران يركز حصريا على الملف النووي وتأمين الملاحة وإعادة فتح المضيق، دون أن يضمن أو يشترط وقف التراشق بين إيران وإسرائيل سواء بشكل مباشر أو من خلال الأذرع والوكلاء، وهذا يعني أننا سنكون أمام مشهد عبثي تتوقف فيه المواجهة المباشرة بين الطرفين، بينما تستمر حرب الوكالة والاستنزاف المتبادل، حيث تواصل إسرائيل استهداف لبنان بحجة ضرب المصالح الإيرانية، وتستمر طهران في توظيف أذرعها سواء في العراق أو “حزب الله” في لبنان أو الحوثيين في مضيق باب المندب لضرب إسرائيل وتهديد خطوط التجارة العالمية
هذا السيناريو إن تحقق، سيشكل تهديدا حقيقيا لدول المنطقة وبالأخص دول الخليج، وهذه الدول التي تجاور إيران وتتشارك معها ممرات مائية حيوية ستجد نفسها في قلب العاصفة دون أن تكون طرفا فيها، وحدوث حالة اللاسلم واللاحرب يعني بقاء مضيق هرمز تحت رحمة التوترات، ويعني أيضا بقاء أجواء الخليج ومياهه مسرحا محتملا لتبادل الضربات في أي لحظة، وهو ما تجسد بوضوح حين استهدفت إيران البحرين والكويت، في اعتداء مباشر على دول ذات سيادة لا علاقة لها بالصراع الأميركي-الإيراني.
إلى جانب التهديد الاقتصادي، فإن استمرار التراشق غير المباشر يعني بقاء الميليشيات المسلحة، وهذه الأذرع التي تتغذى على الصراعات لا تعترف بالحدود ولا تحترم سيادة الدول التي توجد فيها، وتوظيفها المستمر من قبل طهران كأوراق ضغط في صراعها مع إسرائيل سيجعل من المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وما شهدناه من مئات المسيرات التي انطلقت من الأراضي العراقية تجاه السعودية ودول الخليج خلال الحرب الأخيرة هو نموذج واضح لما يمكن أن يتكرر ويتوسع في ظل هذا الواقع المفتوح على كل الاحتمالات، والذي يضع أمن المنطقة بأكملها على المحك.
المشكلة الأعمق أن هذا النمط من الاتفاقيات المجتزأة- في حال حدث- سيمنح طهران غطاء سياسيا واقتصاديا لمواصلة مشروعها الإقليمي دون محاسبة، ورفع العقوبات وفتح المضيق مقابل تنازلات نووية فقط سيوفر لإيران الموارد اللازمة لتمويل أذرعها العسكرية وتعزيز نفوذها في المنطقة، وفي الوقت نفسه سيمنح إسرائيل الذريعة لمواصلة اختراق سيادة الدول العربية بحجة ملاحقة التهديد الإيراني، لتصبح دول المنطقة هي الضحية الوحيدة في هذه المعادلة التي تخدم طرفين وتستنزف طرفا ثالثا بريئا.
في المحصلة، المشهد واضح في تناقضاته، ترمب يهدد إيران بالقصف في تصريح ثم يبشر بالسلام في التصريح الذي يليه، وإيران وإسرائيل تجدان في حالة اللاسلم واللاحرب مساحة مريحة لإدارة صراعهما بالوكالة بعيدا عن أراضيهما، وواشنطن قد ترى في أي اتفاق إنجازا سياسيا يكفيها، والنتيجة أن الثمن الأكبر ستدفعه دول المنطقة التي لا ناقة لها في هذا الصراع ولا جمل، ولا أحد يستطيع الجزم اليوم بأن ما هو قادم سيكون حلا شاملا أو مجرد تكريس لهذه الحالة الرمادية.
