تضمّنت مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وقفَ إطلاق النار في لبنان أيضاً. وما دامت إسرائيل ليست طرفاً في هذا التفاهم، فهذا يعني ضمناً أنّ الولايات المتحدة تعتقد أنّها قادرة على أمر إسرائيل بوقف إطلاق النار، وأنّ إسرائيل ستلتزم بهذا. ومن ثمّ، قدرة الولايات المتحدة على فعل الأمر، وعدم قدرة إسرائيل على رفضه، هما أكثر المعاني التي تفيد بها مذكّرة التفاهم هذه أهمّيةً. نقول “أمر” لأنّ المؤشّرات تفيد بأنّ إسرائيل لم تكن على عِلم ببنود المذكّرة إلّا بعد أن أُنجزت. وبطبيعة الحال، يبدو التفاهم الأميركي الإيراني بهذه الصيغة كأنّه ورطةٌ بالنسبة إلى إسرائيل التي ترى نفسها دولةً ذات سيادة يفترض نظرياً ألّا يملي أحدٌ عليها شيئاً بصيغة الأمر، بل إنّه محرجٌ ومزعجٌ بالنسبة إلى حكومة يمينيّة متغطرسة تتصرّف بردِّة فعلٍ مبالغ فيها في المسائل الأمنية، منذ جرح “طوفان الأقصى” نرجسيّتها في أقلّ تقدير.
ويبدو الأمر أكثر إزعاجاً، وإحراجاً، بالنظر إلى أنّ هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة تستقوي بعلاقتها الوثيقة مع إدارة ترامب الذي نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري، وأسدى إلى إسرائيل خدماتٍ كثيرة جعلت عضو الكنيست أمير أوحنا يقول إنّ ترامب “عملاق التاريخ اليهودي”. وبدا هذا الوضع برأي إسرائيليين كثيرين كأنّه إخفاقٌ كبيرٌ في ترجمة كلِّ البلطجة العسكرية، والغطرسة، في الفترة الماضية، إلى إنجازاتٍ سياسية ملموسة. وقد عبّر عن هذا أخيراً مقالٌ في صحيفة إسرائيل هيوم المملوكة لمريام أديلسون، إحدى أبرز المتبرّعات لحملة ترامب الرئاسية، إذ عدّ المقال أنّ ترامب خان الإسرائيليين بإيقاف الحرب، ووصف الاتفاق مع إيران بأنّه “استسلامٌ لنظام إرهابي”، وكأنّ نظام نتنياهو كان يُلقي الورود على المنطقة وليس إرهابياً. وعلى أيّ حال، في هذا الرأي كثير من الصحّة التي لا تنطبق على حكومة ترامب فحسب، بل أيضاً على حكومة نتنياهو، فمع قبول إدارة ترامب بتفاهم مثل الذي رأيناه، تبدو المسألة وكأنّها كانت فعلَ بلطجةٍ من أجل البلطجة ليس أكثر. فكما قال باراك أوباما محقّاً: “لقد عدنا إلى ما كنّا عليه قبل أن نبدأ الحرب، إلا أنّنا ربّما أصبحنا أسوأ حالاً قليلاً”، وكأنّ كلفة الحرب الاقتصادية الباهظة، وكلُّ الاستعراضات والفانتازيا التي رافقتها، لا تساوي شيئاً بالمعنى السياسي، وقيمتها السياسية الفعلية تساوي صفراً، فلا تزال مشكلة النووي الإيراني قائمةً، ولا تزال منظومة إيران الصاروخية موجودةً، ولم نتحرّك عن الوضع الذي كان قائماً قبل أن ينسحب ترامب من اتفاق إيران مع إدارة أوباما.
وثمّة أيضاً نوعٌ آخر من البلطجة من أجل البلطجة، وهو أن ترفع إيران كلفة السلوك الإسرائيلي في لبنان إلى كلفة دولية بأن تعود إلى إغلاق مضيق هرمز، ردّاً على خرق إسرائيل وقف إطلاق النار في لبنان، وأن تُمعِن في البلطجة التي يديرها عقلٌ ولّادي لتملأ الأخبار العاجلة بـ”إيران تفتح المضيق”، و”إيران تغلق المضيق”، وإيران تطلق الصواريخ، وإيران توقف الصواريخ، مثل صبي يلعب برمي الحجارة على شبابيك الجيران في الحارة. وهذا النوع الإيراني من “البلطجة من أجل البلطجة” لا يختلف كثيراً عن النوع الأميركي الإسرائيلي.
وقد نقول، والحال هذه، إنّ ظاهرتين تتفاعلان في مضيق هرمز اليوم، وهما ظاهرتان اكتسحتا ذهنية الإنسان الأخير: الشعبوية المنتصرة ديمقراطياً، والبلطجة المسنودة بالمقدَّس. أنتجت الأولى ترامب بوصفه الوجه الأسود للديمقراطية الليبرالية، وأدّت هذه الشعبوية المنتصرة ديمقراطياً في أقوى الدول إلى تسطيح المجتمع العالمي ليتحوّل بمجمله إلى شيءٍ تختصره كلمة ترامب في قمّة مجموعة السبع في فرنسا عندما قال: “I am the boss” (“أنا المدير”)، وكأنّ العالم تحوَّل في نظره إلى شركة كُبرى، أو إلى شبكة صفقات سريعة هو المدير التنفيذي فيها، فلم يعد يفرِّق بين “مؤسّسة ترامب” ومجموعة السبع أو المجتمع العالمي… وهكذا، صار عقل الرجل “البوص” يتخيّل أنّ رئيسة وزراء إيطاليا ترجوه من أجل صورة معه، قبل أن تخرج الأخيرة مستنكرةً هذا الكذب ومستغربةً. وهكذا، وبعقلية “البوص” المتضخّمة نفسها أجاب عن سؤال أحد الصحافيين عن حقّ مصر في الأمن المائي بأنّه وعبد الفتاح السيسي وقعا في حبّ بعضهما من النظرة الأولى، عندما التقيا في أثناء حملته الانتخابية الأولى، وأنّ الكيمياء بينهما عالية جدّاً، وما إلى هنالك من هذا الهراء. تبدو هذه الولدنة في التفكير، وفي التصرّفات، وكأنّها تعكس سلوك الولد الغبي المُتنمّر بعضلاته وجثته الكبيرة على الأذكياء المُجِدّين الذين يستخدمون عقولهم، ويبدو أنّها تعكس منطق السيطرة أكثر ممّا تعكس منطق الفعل السياسي التشاركي الذي لا يفهم هذا “البوص” شيئاً عنه.
تتفاعل ظاهرتان في مضيق هرمز اليوم: الشعبوية المنتصرة ديمقراطياً، والبلطجة المسنودة بالمقدَّس
الظاهرة الثانية، البلطجة المسنودة بالمقدَّس، التي تبدو كما لو أنّها شيءٌ وافدٌ إلينا من العصور الوسطى، وهي ظاهرة تتقاسم إيران وإسرائيل استقدامها من تلك العصور، كما تتشاركان في امتلاك أدواتها، ومنهجيات العمل بموجبها، على قدم المساواة. فسلوك الدولتين لا يختلف كثيراً، لا على مستوى المنطق الذي يقبع خلف توظيف كلٍّ منهما الدين، ولا على مستوى السلوك البلطجي الذي لا يقيم وزناً لفكرة الإنسان كلّها، بقدر ما يتحوّل مفهوم السياسة في هذا النوع من “الدول” إلى آلة أيديولوجية لإنتاج الشرّ، ثمّ يعيش النظام فيهما على تصدير الشرّ إلى العالم، ويكون للجيران النصيب الأكبر بطبيعة الحال. تسييس الدين وأدلجته، ومن ثمّ بناء سردية مقدَّسة متعالية على مفهوم الإنسان، وعلى مصلحة الإنسان، هو في العمق ما تشترك فيه إسرائيل مع إيران، وهذه ظاهرة لا تعيش إلا بالبلطجة وإنتاج “الشرّ المُقدَّس” وتصديره إلى العالم.
تعني الحرب كما قاربها المُفكِّر العسكري البروسي فون كلاوزفيتس استمراراً للسياسة بأدواتٍ أخرى، ولكن صار ممكناً اليوم أن نقول إنّ هذه الحرب نتيجة من نتائج تفاعل الشعبوية المنتصرة ديمقراطياً مع البلطجة المدعومة بالمُقدَّس الذي يعاد إنتاجه بالأيديولوجيات الدينية. ويبدو أنّ مذكّرة التفاهم المُعلَنة أخيراً لا تعدو أن تكون نوعاً من تدبير الحضور المشترك للشعبوية مع البلطجة.