علي العبدالله… كاتب سوري
العربي الجديد
أجّج تواتر اكتشاف المقابر الجماعية ومعرفة مصير بعض المفقودين والمخفيين في سورية قسراً، أطفال الطبيبة رانيا العباسي بشكل خاص، مشاعر الحقد والكراهية ضد النظام البائد وأزلامه وحاضنته لدى شريحة واسعة من المواطنين السوريين، من العرب السُّنّة بشكل خاص، دفع بعضهم إلى التطرّف في التعبير عن مشاعرهم، والذهاب بعيداً في تغذية نزعة الانتقام بالدعوة إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية مقاطعة شاملة (حملة لست شجرة)، ودفع آخرين إلى دعوة أبناء هذه الطائفة إلى تقديم اعتذار جماعي باعتبارهم مسؤولين، مثل النظام البائد، عن المجازر طوال العقد ونصف العقد الماضيين.
لا تمتلك هذه المواقف والدعوات المذكورة أساساً أخلاقياً أو وطنياً، خصوصاً أن أصحابها من المحسوبين على الناشطين السياسيين والمثقفين الوطنيين، ما يفرض عليهم ألا يفعلوا ما قامت ثورة الحرية والكرامة ضده: حكم فئوي تمييزي بتغيير صفة الحاكم إلى سُنّي بدلاً من علوي، فيكونون معول هدم وتمزيق للبلاد والعباد، وأن يتبنوا مواقف بدلالة المصلحة الوطنية ومستدعياتها، النظرية والعملية، فالمواقف والدعوات التي تنطلق من خلفية فئوية مهما كانت عرقية أو دينية أو مذهبية ستوتر الأجواء بين أبناء الوطن، كما حصل في تظاهرات مدينة دمشق، بمهاجمة تجمّعات سكانية يقطنها أبناء الطائفة العلوية، المزة 86 وعش الورور، ما يجعل التعايش صعباً إن لم يكن مستحيلاً، وهذا مآله تدمير الوطن الذي يعلنون العمل لأجل إنهاضه والحرص على نجاته. فالدعوة إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية التي أعلنتها حملة لست شجرة، وتطورت إلى دعوة أبناء هذه الطائفة إلى الرحيل عن وطنهم، فيها مخاطر كثيرة وعميقة، أولها أن هذه الدعوة مقدمة لخطوات أخطر، نجحت أو أخفقت، لأن المقاطعة ستستدرج ردة فعل سلبية، ليس من أبناء الطائفة العلوية فقط، بل أيضاً من أبناء الطوائف غير السُّنّية التي ستعتبر هذه الدعوة خطراً سيطاولها يوماً إذا ما استسلمت لها، فتنطبق عليها مقولة “أُكلت يوم أكل الثور الأبيض”، والدعوة إلى الرحيل فيها ادّعاء كبير وخطير، فسورية ليست ملكاً لطائفة معينة، الطائفة السُّنّية هنا، حتى يُطلب من أبناء الطائفة العلوية مغادرتها، فسورية لكل السوريين.
أما دعوة الطائفة العلوية إلى الاعتذار الجماعي فغير منطقية، لأنها بمثابة دعوة أبناء الطائفة إلى الاعتراف بأنهم قتلة ومرتكبو مجازر، من دون تمييز بين مَن قام بهذه المجازر، ومَن لم يكن مشاركاً فيها، ومَن لم يكن داعماً لها، وبين السوري العلوي العادي الذي عاش لحظات عصيبة إن في مجال الأمن، حيث دفع مكرهاً ثمناً باهظاً بخسارته أفراداً من أسرته في المحرقة الرهيبة التي قادها النظام البائد، أو في توفير مستلزمات حياة مستقرة وكريمة. وفق هذا المنطق، يجب مطالبة السُّنّة بالاعتذار عن مجزرة مدرسة المدفعية التي نفّذها إبراهيم اليوسف، والاعتذار عن اغتيال “الطليعة المقاتلة” عشرات العلويين، والاعتذار عمّا قام به أبو مصعب الزرقاوي ضد الشيعة في العراق، وما قامت به “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ضد الإيزيديين والشيعة. وهذا يتناقض مع القانون والعُرف، حيث المسؤولية فردية “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”، صدق الله العظيم، وهو ما تجسّد في اعتقال جزار حفرة حي التضامن أمجد يوسف، حيث لم يُعتقل أحد من أسرته أو محيطه العائلي، بمن فيهم من تستروا عليه، فتجريم كل العلويين، وغض النظر عن جرائم الآخرين سلوك طائفي صريح، يلاحق بعض المجرمين، ويغض الطرف عن آخرين حسب هوية الضحية. لا يغير الدلالة عدد الضحايا أو أدوات القتل.
لا يمكن إنكار حصول تداخل وتشابك بين النظام البائد وأبناء الطائفة العلوية، التي تصرّفت باعتبارها ربيبة النظام، ولكن هذا لا يجعلها تتحمل وزر جرائمه ومجازره، فالذين قتلوا وعذبوا ونهبوا لم يفعلوا هذا لحماية الطائفة العلوية، بل لحماية مناصبهم ومصالحهم الخاصة.
واقع الحال أن ما حصل ويحصل ضد العلويين والموحدين الدروز ليس منعزلاً عن سياسة السلطة السورية الجديدة، ففي الوقت الذي فتح انهيار النظام البائد وسقوط تحالف الأقليات الباب أمام إنهاء التمييز والمحسوبية، وعودة المجتمع إلى تفاعلاته الاجتماعية التقليدية: تعايش وتعاون، أعطت السلطة إشارات واضحة بأنها سُنّية، أي تمييزية، وأنها تنظر إلى أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى نظرة توجس وتخوف، باعتبارهم أغياراً ولا يمكن الثقة بهم، وتتمنى لو لم يكونوا جزءاً من الشعب السوري. تجلى هذا في ممارساتها وقراراتها ومواقفها بدءاً من تشكيل جيش سوري وقوى أمن داخلي وشرطة من أبناء السُّنّة حصراً إلى تسامحها مع الفزعات التي هاجمت قرى العلويين في الساحل السوري، وقتلت المئات منهم ونهبت وحرقت أملاكهم ودمرت حقولهم، وغضّت الطرف عن عمليات القتل الفردي ضدهم، وخطف بنات ونساء منهم في ريفي محافظتي حمص وحماة، وفي أحياء مدينة حمص. صمتُ السلطة عن هذه الممارسات المشينة منحها مباركة، خاصة بصدور الخطاب الطائفي من منابر الجوامع التي تتبع وزارة الأوقاف، وشجع على استمرارها وإلى توسعها وانتشارها وجديد تجلياتها “حملة لست شجرة”، وما نُقل عن تهديد أبناء قرية الشريعة في ريف حماة بقتل كل من أيّد النظام البائد. هذا من دون أن ننسى تسريح آلاف الموظفين العلويين من وظائفهم في مؤسسات الدولة، ونقل آخرين إلى محافظات نائية، وإلى وظائف هامشية في بعض المؤسسات.
اعتذر الرئيس أحمد الشرع لأبناء مدينة دير الزور عن كلام غير لائق قاله والده بحقهم، لأن سكان دير الزور من السُّنّة الذين يعتبرهم من عظام الرقبة والحاضنة الصلبة للسلطة، في حين لم يكتف بعدم الاعتذار للعلويين والموحدين الدروز الذين تعرضوا لمجازر على أيدي قوات حكومية وفزعات عشائرية من السُّنّة، بل شكرت السلطة العشائر، علماً أن لاعتذاره عن كلام والده دلالة خطيرة: اعتبار والده من السلطة، وكان الأنسب أن يتجاهل الواقعة، أو تصدر السلطة تصريحاً من الأمانة العامة للرئاسة يقول إن ما قاله والد الرئيس لا يمثل موقف السلطة وهو مسؤول عن كلامه. وشكره للعشائر على موقفها في أحداث محافظة السويداء يثير علامات استفهام حول معنى إعلان السلطة أن ما حصل هناك كان فخّاً نصب لها ووقعت فيه، واضح أن اعتبار ما حصل فخَاً لا يعبر عن الندم على ما حصل من انتهاكات ومجازر ضد أبناء الموحدين الدروز، بل تبرير للهزيمة والخسائر السياسية والعسكرية التي ترتبت عليها. ولدى زيارة الشرع الولايات المتحدة تجمّع سوريون وغير سوريين من طائفة الموحدين الدروز أمام مقر الأمم المتحدة بنيويورك، للتعبير عن احتجاجهم على ما حصل لأبناء طائفتهم في السويداء، فتجمع عشرات من أنصار السلطة في مواجهتهم وأخذوا هم وأطفالهم، الذين حملوهم على أكتافهم، يحركون أصابع أيديهم، مثل حركة المقص، في إشارة إلى قص شوارب مشايخ من الطائفة خلال اقتحام قرى وبلدات في محافظة السويداء. وقد عمّق إجراء تسوياتٍ مالية مع فاسدين من أزلام النظام البائد من السُّنّة الانطباع حول سياسة السلطة الفئوية، وأنها تتصرّف باعتبارها سلطة سُنّية، وأنها مع تكتيلهم وتحويلهم إلى كتلة صلبة، باعتبارهم الحاضنة الشعبية للسلطة ومادة الحكم، من دون اعتبار لانعكاس هذا على بقية السوريين من أبناء الأديان والمذاهب الأخرى ولنتائجه المدمّرة على السلم الأهلي والوحدة الوطنية.
قاد تأخير تنفيذ موجبات العدالة الانتقالية إلى تأجيج الأحقاد، وإلى الميل نحو أخذ الحق باليد، من دون اعتبار للقانون والنتائج الوخيمة التي ستنجم عن ذلك. وهذا ما جسّدته تظاهرات دير الزور، وأرياف محافظات حلب وحمص وإدلب واعتصاماتهم التي طالبت بالقصاص من أنصار النظام البائد، الشبيحة خصوصاً، والتي شهدت مهاجمة منازل وممتلكات شبّيحة وقتل بعضهم على رؤوس الأشهاد، وهذا أثار قلق السلطة الحاكمة، كون شبّيحة دير الزور وحلب وأدلب سُنّة، والداعين إلى محاسبتهم سُنّة، ما قد يرتب تفكّك النواة السُّنّية الداعمة للسلطة وتمزيق صفها، ما دفعها إلى التحرّك لتهدئة المتظاهرين والمطالبين بمحاسبة الشبّيحة في هذه التظاهرات فأكدت توجهها الفئوي والمذهبي.
لا يكفي للخروج من المأزق الطائفي الدعوة إلى ترك القصاص للسلطة الحاكمة، بل لا بد من اعتماد معيار قانوني وطني لسياسات السلطة وممارساتها، كي ترفع الغطاء عن دعاة الانتقام وأخذ الحق باليد.