لم يهدأ المجتمع السوري منذ سقوط النظام الديكتاتوري السابق في 8 ديسمبر/ كانون أول 2024. بل إن الفوضى والعنف وخطاب الكراهية والطائفية في تفاقم يوماً بعد يوم، مع أفعال عنف متزايدة، إن كان بشكل متفرّق أو جماعيّاً. يواكب هذه الفوضى والخطاب الإقصائي والطائفي تردٍّ متسارع في الحياة المعيشية لغالبية الشعب الذي صار تحت خط الفقر في ما يقارب 90% منه، النسبة التي تتكرّر في معظم الدراسات والتصريحات.
في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها الشعب السوري عامّة، بعد عقد ونصف العقد من العنف والدمار والقتل والتهجير وكثير من الصراعات البينية الدموية، لو طرحنا سؤالاً “على الماشي” كما يُقال، في أي شارع وأي مدينة سورية، ومن مختلف الأعمار، ذكراً أم أنثى: ما هو الوطن؟ هل نستطيع أن نتخيّل مدى التلعثم والارتباك عند غالبية المجموعة التي طرح عليها السؤال؟
إنه واقع مؤلم، محزن، يدفع إلى اليأس ويجعل الأفق أسود مغلقاً. حتى لو كان مفهوم الوطن صعباً على الشرح لدى عامة الناس في ما مضى، لكنه كان مفهوماً يُدرك بالعواطف والمشاعر التي تنتاب السوري، كان مدرَكاً بالفطرة، مرتبطاً بالعزة والكرامة والفخر وقيمٍ كثيرة تنمو مع الإنسان من طفولته، وغالباً ما كان يعني في ما يعنيه في هذه الفطرة، الدفاع عنه وصدّ العدو، والشعور بالروابط والمسؤولية مع كل من يسكن في هذا الفضاء، خصوصاً في حال التعرّض لخطر خارجي. إنه الشعور العارم بأن لدى الإنسان حياة ممتدّة من أسلاف الجدود إلى أحفاد المستقبل البعيد.
ما الذي يجري اليوم؟ كيف غُسلت أدمغة السوريين وانحدرت قيمهم ووعيهم إلى ذلك الحيز بالغة العمق والظلام؟ كيف تهتّك النسيج المجتمعي وغاب الوعي الذي يجعل الإنسان يشعر بالمسؤولية أو القلق تجاه ما يصيب بلاده وشعبه؟ فلا يلتفت إلى المشكلات التي يعاني منها الجميع، وإلى الظلمات التي يغرقون فيها؟ كيف تشرذم المجتمع إلى مزق من الجماعات والطوائف والمناطق ولم يعد في وعي تلك الجماعات إلّا ما يشدّ العصب إليها؟
هل الخلاف بين مكوّنات الشعب السوري سياسي؟ ديني؟ في الواقع ما يبدو على السطح، وما يشف من الحراكات المتعدّدة في أكثر من منطقة في سورية، ومن خلال الغليان على مواقع التواصل الاجتماعي، يعاني المجتمع السوري من حالة طائفية هي المسيطرة والغالبة، بل من المؤسف أن نرى بعضاً من السوريين “اللادينيين”، أو من “الملحدين” أيضاً، وهذا واقع لا ينفع نكرانه، نراهم انزلقوا إلى الطائفية، وفي هذا الاستنتاج خطر كبير، والإبقاء عليه من دون احتوائه بشكل إسعافي بانتظار تغيير الوعي وجعله يتطلع إلى الاتجاه الصحيح، يعدّ خطأ جسيماً يتفاقم تأثيره المدمّر كلما تأخرت معالجته.
كيف انبنت يقينيات وترسّخت لدى كل جماعة أو مكوّن حتى صار الفرد فيها، في الغالب وليس تعميماً، يرى في كل ما لا ينسجم مع يقينياته قضية عليه أن يعارضها ويتحدّاها، بل ويعمل على تطوير وعي جماعي تجاهها؟ ومع أسفٍ كثير فإن هذا الفرد الذي صارت الجماعة بالنسبة إليه هي الولاء الأكبر، ويصبّ اهتمامه بهذه المشكلة بطرائق مختلفة، مثل القتال أو الاحتجاج أو من خلال أشكال أخرى من التمرّد ضدّ ما يرفضه انطلاقاً من يقينياته، في المجتمع، خصوصاً في حالات الغضب والهياج الجماعي، حيث تنتشر العدوى الانفعالية انتشار النار في الهشيم.
الاحتجاج طريقة شائعة لإظهار المعتقدات بشأن موضوع معيّن، على أمل تغيير النتيجة لتتوافق مع ما يُنظر إليه نوع المجتمع الذي يجب أن يكون موجوداً، وهو من حقّ جماعته ما دام أنها تشكّل الأغلبية. هذا ما نراه يزداد حضوراً وتمكّناً في الشارع السوري، إذ ازدادت وتيرة الهجوم الجماعي على بعض مكونات الشعب والاعتداء على الأفراد والممتلكات تحت حجج رسّختها السنوات الماضية، وزادتها المرحلة الأخيرة تحت عبء مشكلات تزداد ضغطاً على عامة الناس. يمكن أن تنشأ الاحتجاجات من الإحباطات والمظالم لدى أشخاص ردّاً على مشكلة يُنظر إليها أنها لا تتوافق مع مجتمعهم الذي يتطلعون إليه وفق المعتقدات التي ساهمت عقوداً، بل قروناً طويلة في تأسيسها، حتى صارت راسخة تجعل منهم لا يروْن الواقع إلا وفق ما يفكرون فيه أو يؤمنون به، هذا الواقع الموهوم أو المبني في الوجدان وفق الأفكار أو العقائد المنحوتة في الأدمغة عبر الزمن يحتاج باستمرار إلى تعزيز لحمايته من الهشاشة مع الزمن.
كيف تمت عمليات غسل الأدمغة خلال الزمن حتى تم من خلالها ترسيخ هذه العقائد أو الأفكار أو مواقف أو نهج الحياة؟ كيف رُسمت صور نمطية في عقول الطوائف تجاه بعضها بعضًا؟ هل من المفيد حاليّاً التأكيد بأن الدين والسياسة أداتان مهمتان لغسل الدماغ؟ هل غالبية الشعب السوري جاهزة لتقبل مناقشة المفاهيم التي تم الاشتغال عليها من قبل كل الأطراف الضالعة بالمقتلة السورية؟ حجم التضليل وحرْفِ التفكير والمشاعر باتجاه التجييش الطائفي والغرس العقائدي كان أخطر من السلاح. لم يوفّر طرف من الأطراف طريقة في استخدام مجموعة من الوسائل النفسية بشكل منتظم مثل تأكيد هويات جمعية على المكونات ضد بعضها بعضاً، وتنمية الخوف، والصراع المستقبلي، والتكرار المستمر للتأكيدات نفسها، والتدريبات العاطفية والاجتماعية بالتوازي مع تصاعد العنف والقتل والدمار. كل هذا كان يفعل فعله في عمق المجتمع مدعوماً بقتل التفكير النقدي وشلّ القدرة على السؤال.
حقيقةً ما يشهده الواقع السوري ينذر بكارثة كبرى، فالشارع متروك وحده في عراء الفقر والحاجة وتهديد الجوع وانعدام الأمان، يواجه هذا العراء المخيف بعواصف وزوابع وبراكين يصنعها بنفسه تحت ضغط الغضب الذي لا يعرف كيف يديره أمام عدم قدرة السلطات الحالية، في ما لو توفّرت النيّة، على تطبيق مبادئ المساواة أمام القانون وحقوق المواطنة، وقبل كل هذا جبر الضرر لدى شريحة عانت الكثير في سنوات الحرب، وما زالت، بالإضافة إلى استمرار السياسات التمييزية القائمة على الهويتين، الدينية والمذهبية. علاوة على غياب الشفافية وشعور غالبية الشعب بأنها مغيّبة وجاهلة بما يتعلق بالقضايا التي تخصّها، والتي من حقها الاطلاع على كيفية إدارتها، بل وإشراكها فيها. عدا الممارسة العرجاء للعدالة الانتقالية، بل العدالة عموماً، بما يخصّ الارتكابات الحديثة، من مجازر زادت في الصدوع بين السوريين، إلى الممارسات التي تتكرّر حتى صارت ظاهرة لا يمكن التغاضي عنها، وأبرزها اختطاف نساءٍ يستهدف طائفة معينة بشكل مقلق، من دون أن تعمل السلطة على تحرير واحدة منهن وإظهار التحقيق على العلن. وزيادة ترك الشارع ليهجم بعض الغاضبين على أحياء معينة بدافع طائفي والتهمة جاهزة باستمرار “فلول” تُعمّم على طائفة كاملة، أو الخروج في مَسيرات جماعية تجوب شوارع المسيحيين للتبشير والدعوة إلى دخول الإسلام أو اتباع الشريعة في السلوك والحياة، أو تكسير محلاتهم مهما كانت مستوفية للشروط القانونية. فلماذا تقف السلطة موقف المتفرج وتكتفي بإرسال وحدات من الأمن العام بعد وقوع المشكلة؟ لماذا لا تمنع تلك التجمّعات الغاضبة، وبموجب القانون الذي يُشهر في وجه من يريد التجمّع للإعلان عن احتجاجه أو مطالبه؟
الفرصة الوحيدة التي لدينا للرد بفعالية على مشكلة التطرف التي باتت تتفشّى في عمق المجتمعات السورية هي التوقف عن المبالغة في تحميل الآخرين المسؤولية فقط، وضبط الخطاب الإعلامي، وتفعيل قانون تجريم الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية، في الواقع وعلى المواقع. لا بدّ من مواجهة النفس وسؤالها ما إذا كنا نحن أنفسنا متورّطين في دوامة هذا التنامي للتطرف والعنف. ولا بدّ أيضًا من الاعتراف بالمشكلة وعدم تركها لتصبح معضلة متجذرة، مشكلة أن المجتمع السوري طائفي عنصري بعضه تجاه بعض، مجتمع ينحدر بتسارع مخيف إلى مراحل ما قبل الدولة، يفتقر إلى أهلية العقد الاجتماعي، يلوذ بالطائفة والجماعة والقبيلة، يبحث باستمرار عن زعيم يصدّقه بتسليم مطلق، منزّه عن الخطأ، عالم بكل شيء، يسير خلفه مغمض العينين ما دام أنه رمزه الطائفي.
سوسن جميل حسن… العربي الجديد