ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
“..
خروج سلاح “الدراجات النارية الشيعية” من الجدل العقيم حول اتفاق “الاطار”اللبناني الإسرائيلي الأميركي، مؤشر سياسي بالغ الأهمية، يفوق كل ما عداه من معطيات مفتعلة توحي بأن البلد على حافة فتنة داخلية، تقوده، في الحد الأدنى، الى الالتصاق بمصير مضيق هرمز الإيراني. مع ان تلك “الدراجات” تثبت العكس تماما، وتشهد على ان معركة إخراج إيران من لبنان، لن تكون بالصعوبة المتوقعة.
حتى الآن لم يلتحق الثنائي الشيعي، بتلك المعركة بشكل تام. الخوف من طهران ومن تل ابيب عاملٌ حاسمٌ، ومؤثر في مسار الانحناء للموجة العاتية، وإعطاء الفرصة السياسية للسلطة اللبنانية، في أن تحاول وقف العدوان الإسرائيلي وإزالة آثاره المدمرة، ودعوة تلك السلطة الى نقل الصراع الداخلي من الشارع الى مجلس النواب، تحت عنوان مجادلة الرئيسين عون وسلام في نص الاتفاق الذي لم يقرأ جيداً من قبل راكبي الدراجات النارية..ولم يُنشر ملحقه الأمني بشكل رسمي حتى الآن!
وهذا السياق وحده كافٍ لكي يدق أكثر من جرس إنذار في طهران، بأن شيعة الثنائي يغلّبون الآن مصلحتهم الوطنية، على المصلحة الايرانية الحيوية في تكريس السيطرة الافتراضية على مضيق هرمز. وهو ما يعادل الاقتراب من وجهة نظر بقية اللبنانيين في أنه ليس من المصلحة الوطنية البقاء أسرى النفوذ الإيراني المتهاوي في لبنان، في آخر سواحل شرق المتوسط التي بلغها الإيرانيون للمرة الأولى منذ توسع دولتهم الساسانية الأولى قبل الميلاد ب300 عام، ووصولها الى جبهات المواجهة مع الإمبراطورية اليونانية.
وبانتظار ان ينضم الثنائي فعلياً الى تلك المعركة، او يحول دون عرقلتها، يجوز القول ان لبنان الرسمي والشعبي الغالب، حقق إنجازات تاريخية فعلا حتى الان، في إبعاد إيران عن التأثير في مساره الوطني، بالخطوات الجريئة التي أتخذت بحق السفارة والسفير والحرس الإيراني وقيود السفر والتواصل بين البلدين.. وهو ما لم يقابله الاميركيون حتى الآن بالرضا والتشجيع والدعم، لاعتبارات تتصل بطبيعة صراعهم مع إيران، وما لم يقابله الإسرائيليون بأي شهادة “حسن سلوك” أو نوايا حسنة، لاسباب تتعلق بخططهم العدوانية الخاصة تجاه لبنان وشيعته على وجه التحديد.
باختصار، قدم لبنان في الصراع مع إيران طوال العامين الماضيين أكثر بكثير مما استحقه وتوقعه من الاميركيين والإسرائيليين، بل إن واشنطن أوقفت الدعم العسكري المتواضع أصلا الى الجيش اللبناني، في تلك الفترة، وأكتفوا فقط بفقرة في اتفاق الاطار تنص على دعم مشروط للجيش، إذا نجح في مهمة تجريد حزب الله من السلاح، التي تتطلب في الأساس تسليحاً إضافياً وتجنيداً متزايداً للمؤسسة العسكرية، يضمن القيام بالمهمة، من دون الحاجة الى الاشتباك مع حزب الله.
بكلمة أخرى، يمكن تصنيف اتفاق “الاطار” الذي وقعه لبنان، ومعه الملحق الأمني، باعتباره مكسباً متواضعاً جداً بالمقارنة مع “التضحيات”التي قدمها في الصراع مع إيران. لم ينل لبنان في “الاطار” سوى ما معروف ومسلّم به سلفاً عن ان لا نية لإسرائيل في البقاء داخل الأراضي اللبنانية، أو عن مبادئ وشروط الانسحابات التدريجية التي يفترض ان تؤدي الى التحرير الثاني أو الثالث للجنوب.. والتي انتهكها العدو الإسرائيلي في “الملحق الأمني”، عندما تعامل باستخفاف وخبث مع فكرة المناطق التجريبية، ومع اختباره الأول المحدد في منطقة تجريبية أولى، قليلة الأهمية، بل عديمة الجدوى والتأثير في مسار الخروج الإسرائيلي من لبنان.
لم يكن يتوقع من العدو ان يحترم لبنان وجيشه وثلثي شعبه، الذي لم يعد لديه من خيار سوى المضي قدماً نحو تعديل الملحق الأمني الخاضع هذه الأيام للتفاوض العملي، وطلب البدء من جديد في منطقة تجريبية أكبر مساحة، أشد أهمية، وجدوى، من منطقة الزوطرين وفرون والغندورية.. مثل صور او الخيام او حتى النبطية نفسها، من دون نسيان الحاجة الملحة الى الانتشار العسكري اللبناني الفوري في كافة القرى المسيحية الجنوبية.
من دون هذا الخيار، يمكن للدراجات النارية أن تزأر مجدداً في شوارع بيروت!
ساطع نورالدين
بيروت في 2 / 7 / 2026