انضممت إلى اللجنة في إبريل/ نيسان 2024 مديرةً إقليميةً لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأنني كنت مؤمنةً برسالتها قبل أن أعمل فيها. وقد قلت مراراً إن العمل في اللجنة كان حلماً مهنيّاً بالنسبة لي. وبعد أكثر من عام في المؤسّسة، أستطيع أن أقول بثقة إن ما رأيته لم يبدّد هذا الإيمان، بل عزّزه. شهدت من الداخل أزمات متلاحقة، وضغوطاً غير مسبوقة، وحروباً أصبحت فيها كل معلومة محل نزاع سياسي وإعلامي. وفي مثل هذه الظروف تحديداً، تُختبر استقلالية المؤسّسات، لا في الأوقات الهادئة.
وخلال هذه الفترة، لم يحدُث ولو مرّة أن حاول أحد التأثير على حكمي المهني أو توجيه قراراتي. لم أتلقَّ تعليمات بتغيير استنتاج، أو حذف اسم، أو إضافة آخر، أو مواءمة نتائج البحث مع موقف سياسي أو مع رغبة مموّل أو رأي مجلس إدارة. لم يُطلب مني أن أساوم على قناعاتي أو على المعايير التي أعمل وفقها، ولم يُطلب مني تغيير لغتي أو استبدال كلماتي. ولو حدث هذا، لما بقيت يوماً واحداً.
لم يحدُث ولو مرّة أن حاول أحد التأثير على حكمي المهني أو توجيه قراراتي
ليس هذا موقفاً نظريّاً، بل حقيقة عشتها يوماً بعد يوم. ولهذا أجد نفسي مضطرّة للرد على الادعاءات التي تزعم أن لجنة حماية الصحافيين غيّرت، أو تنوي تغيير، تعريف الصحافي أو عدّلت منهجيتها استجابة لضغوط سياسية. لم أشهد شيئاً من هذا، ولا يتسق مع ما عرفته داخل المؤسسة.
المنهجية التي يستند إليها توثيق الصحافيين في قاعدة بيانات اللجنة، حول العالم وفي المنطقة، لم تتغيّر. وهي منشورة ومتاحة للجميع. وما جرى أخيراً كان بدايةً مراجعة لعدد محدود من الحالات بعد ظهور أدلة جديدة، منها بيانات صادرة عن جهات عسكرية أعلنت انتماء بعض الأشخاص الذين سبق إدراجهم في قاعدة البيانات إلى أجنحة مسلّحة. وبعد التحقق المستقل من تلك الأدلة، جرى تحديث البيانات تطبيقاً للمعايير نفسها المعتمدة منذ سنوات، لا استناداً إلى أي معايير جديدة. وبعد صدور بياناتٍ إضافية، تقدمتُ بطلب للإدارة بمراجعة قاعدة البيانات بالكامل، وهو طلب لم يواجه أي اعتراض أو محاولة للتوجيه.
وللتوضيح، هذه المراجعة التي يقودها عددٌ صغير من فريق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عملية مستقلة بالكامل، بدأت مطلع الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) ولا تزال مستمرّة. وقد جاءت استجابةً لظهور أدلة وبيانات جديدة استدعت إعادة النظر في بعض عناصر قاعدة البيانات.
كما أن هذه ليست المراجعة الأولى التي تقوم بها لجنة حماية الصحافيين، ومن المرجّح أنها لن تكون الأخيرة، في إطار نهجها القائم على التحديث المستمر للبيانات كلما توفرت معلومات موثوقة جديدة. وتركّز هذه المراجعة على قاعدة البيانات التي تم توثيقها من 2023 إلى 2026 لصحافيين قُتلوا أو استُهدفوا على يد الجيش الإسرائيلي في غزّة خلال حرب الإبادة. وهذا هو جوهر العمل التوثيقي: أن تبقى قاعدة البيانات مفتوحة للمراجعة عندما تظهر وقائع جديدة. بل كنتُ سأفقد ثقتي بالمؤسّسة لو أنها رفضت مراجعة سجلاتها رغم ظهور أدلة موثقة تناقض ما توصلت إليه سابقاً، فالمصداقية لا تعني التمسّك بما نُشر، بل القدرة على تصحيح البيانات عندما تفرض الأدلة هذا.
ومن الادّعاءات المتكرّرة أيضاً أن مجلس إدارة اللجنة يقرّر من يُدرج أو يُزال من قاعدة البيانات، وهذا غير صحيح. فالقرارات المتعلقة بالتوثيق كانت تُناقش داخل فرق البحث والتحرير، استناداً إلى الأدلة والمنهجية، من دون تدخّل من مجلس الإدارة، أو حتى الإدارة العليا في المؤسّسة، في تقييم الحالات الفردية أو فرض نتائج بعينها.
المنهجية التي يستند إليها توثيق الصحافيين في قاعدة بيانات اللجنة، حول العالم وفي المنطقة، لم تتغيّر
لا أطلب من أحد أن يصدّقني لأنني أعمل في لجنة حماية الصحافيين. بل على العكس، أدرك أن صفتي قد تدفع بعضاً إلى التشكيك فيما أقول. ولذلك أطلب فقط أن يُنظر إلى الوقائع. إلى مراجعة كل ما نشرته وقالته اللجنة على مدار سنوات، والذي يتناقض مع كل ما يُشاع اليوم. المنهجية منشورة، والتعديلات على قاعدة البيانات منشورة مع توضيح أسبابها، وقاعدة البيانات نفسها تُراجع باستمرار كلما تظهر معلومات جديدة، سواء أكدت التقييمات السابقة أو استدعت تعديلها. هذا ليس سلوك مؤسّسة تسعى إلى حماية رواية سياسية، بل سلوك مؤسّسة تعتبر أن ولاءها الأول للحقيقة كما تثبتها الأدلة.
لا أكتب دفاعاً عن اسم المؤسّسة؛ فالمؤسّسات تبقى أو تزول. أكتب دفاعاً عن الصحافيات والصحافيين الذين وثقوا بنا وسلمونا معلوماتهم، لأنهم اعتقدوا أننا سنتعامل معها باستقلالية. وأكتب دفاعاً عن زميلاتي وزملائي الذين تحملوا عبئاً نفسيّاً هائلاً، وهم يوثقون مقتل الصحافيين في ظروف بالغة القسوة. وأكتب دفاعاً عن قيمة التوثيق نفسها، لأن التشكيك غير المستند إلى أدلة لا يسيء إلى مؤسّسة بعينها، بل يضعف الثقة في كل محاولة جادّة لبناء سجل موثق للانتهاكات. وأخيراً، أكتب دفاعاً عن نفسي.
بعد أكثر من عام، داخل لجنة حماية الصحافيين، ما زلت مقتنعة بأن قراري بالانضمام إليها كان قراراً صحيحاً. ولو شعرت في أي لحظة بأن استقلاليتي المهنية أو مبادئي الأخلاقية موضع مساومة، لما واصلت عملي فيها. هذه ليست رواية أطلب من أحد أن يتبنّاها. إنها ببساطة شهادة شخص كان حاضراً، ورأى بنفسه، ويعتبر أن الصمت، في هذه اللحظة تحديداً، خيانة.