
روائي وصحفي.. الثورة السورية .دمشق
العنوان في الأعلى ليس من ابتكاري، ولم أبذل في صياغته جهداً، ولم أستعن بالذكاء الاصطناعي لكتابته، لكنه سؤال حقيقي، من لحم ودم، طرحه أحد أعضاء صفحة على الفيسبوك، يعتبر أعضاؤها أنفسهم جبهة معارضة للسلطة السورية، ولا تنفك تلك الصفحة تصدر البيانات، وتناقش الواقع السوري، وتنساق في أحيان كثيرة وراء الشائعات، فتتبنى مواقف وتبدي رأياً، يكون حاداً أحياناً، ثم تكتفي بحذف المنشور، حين يتبين أن أصل الحكاية كذبة أطلقها حساب وهمي.
وكيلا يفهم من مقالتي هذه أنني متحامل على أعضاء المجموعة، أو أنني مستاء من عملهم، أريد أن أوضح بأني أتابع منشوراتهم، وأقرأ، حين يتاح لي الوقت، ما يكتبه أعضاؤها، ولا أتهكم عليهم، بل وأحترم بعض ما يكتبونه، صحيح أني لا أتفاعل لا سلباً ولا إيجاباً، لكني تعلمت ألا أحكم على الناس وألا أحاكمهم.
والآن، فلنعد إلى السؤال أعلاه، والذي قد يبدو صادماً لمن سيقرؤه في صحيفة حكومية، وربما يثير سخرية البعض أيضاً، لكنه في الحقيقة يتكرر بشكل واسع وفي أوساط كثيرة، تصنف نفسها على أنها معارضة للسلطة، وتتبنى فكرة إسقاطها، فمن مطالبة صريحة برحيل السلطة، قيلت في مناسبات عديدة، وما زالت تقال في بثوث مباشرة، وتغريدات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بشكل متطرف أحياناً من خلال دعوة إسرائيل لاحتلال سوريا، هكذا علانية.
أو بشكل أقل حدة، من خلال المطالبة بتنفيذ القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2015 والذي أكل الدهر عليه وشرب، وأكاد أجزم أن مجلس الأمن نفسه قد طواه، واحتفظ به في أرشيفه لضرورة التوثيق لا أكثر. ولعل متابعة جلسات مجلس الأمن التي تناقش الأوضاع في سوريا، آخرها تلك التي عقدت في 22 حزيران 2026 خير دليل على ذلك، فالقرار المذكور لا يذكر إطلاقاً، وكل ما يركز عليه المجلس هو دعم المرحلة الانتقالية، للوصول بسوريا إلى بر الأمان.
ولكن ما هي أو من هي «المعارضة» التي فشلت في إسقاط «السلطة» حتى الآن؟ لم تكد تمر سوى أيام قليلة على التحرير، حتى بدأت بعض الأصوات تطرح نفسها على أنها الأحق بالسلطة من غيرها، ووضعت أوراقها التاريخية على الطاولة، فطالبت «شخصية بارزة» المحررين بتسليم السلطة فوراً لمن أسماهم القوى الوطنية، والعودة إلى إدلب، هكذا حرفياً.
وباعتبار أن إسقاط النظام كان في المتناول، كما يقولون، فإن التقليل من منجز التحرير تحول إلى منهاج عمل، لمن يعتبرون أنفسهم «معارضة»، وصار التقاط أي تصريح عابر يصدر عن الحكومة الجديدة، أو أي قرار لا يرضي قسماً من الجمهور، بمثابة دليل على أن السلطة غير جديرة بإدارة سوريا.
وطبعاً سوف يستمر العزف على وتر الديمقراطية في كل صغيرة وكبيرة، وكأن الديمقراطية وجبة جاهزة يتم طلبها عبر خدمة التوصيل من أحد المطاعم، وليست عملاً مجتمعياً متكاملاً. ولعل الطريف في الأمر أن من يطالبون بذلك، هم أنفسهم الذين يصرون على أننا يجب أن نتعلم من تجارب الشعوب الأخرى، وكأن الشعوب الأخرى وصلت إلى ما وصلت إليه بكبسة زر!
فلماذا تفكر «المعارضة» بإسقاط «السلطة» وليس العمل معها من أجل الوصول إلى ما تريده، وتعتقد بأنه الأسلم للبلد، وأنه الخيار الوحيد للتنمية وتحويل سوريا إلى بلد معاصر؟ وهل إسقاط السلطة متاح بين أياديها حتى يتساءل طارح السؤال أعلاه «حتى الآن»! عام 2011، وفي تشرين الأول، أي بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة، أطلق الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وخلال مناظرة رئاسية مع منافسه الجمهوري ميت رومني تصريحاً، اعتبرناه وقتها قنبلة الموسم، إذ قال: «إن أيام بشار الأسد باتت معدودة».
وتكررت بعد ذلك هذه العبارة عشرات ومئات المرات على ألسنة مسؤولين كثيرين غربيين وعرباً، لكن تلك الأيام «الأوبامية» المعدودة، تجاوزت أربع عشرة سنة، ولم يسقط النظام البائد حتى توافرت قوة عسكرية حقيقية منظمة، قادرة على تحمل مسؤولية البلد كاملاً، وأتمنى ألا يعتبر هذا الكلام مديحاً للسلطة، لكنه توصيف للواقع، وقد استيقظت المعارضة التقليدية، كما استيقظنا جميعاً، فجر الثامن من كانون الأول على وقع مفاجأة أن النظام سقط، فيما هي كانت تنام في العسل، وتنتظر انقضاء «الأيام المعدودة».
في دول العالم كلها، تشكل المعارضة كياناً موازياً للسلطة، قوة حقيقية لا يمكن الاستخفاف بمدى تأثيرها في الشارع، وقدرتها على إحداث الفارق، وهي أيضاً قادرة على ممارسة الضغط على السلطة، وتعطيل قراراتها، التي ترى أنها غير سليمة، لكنها في حالات الحروب والكوارث، تكون موجودة على الأرض قريبة من الناس، وتقوم بعملها، ولا تكتفي بالتنظير فقط، فالمعارضة التي لا تكون على الأرض، سوف تظل حساباً معلقاً على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقديماً قال لينين: إن السياسة هي الخوض في وحل الواقع، فهل تقبل المعارضة السورية أن تخوض في ذلك الوحل وتساهم في رفع الأنقاض، وتنظيف الشوارع، ومساعدة ساكني الخيام، والتبرع لبناء مستوصف في قرية نائية، أم أنها تعتقد أن منشوراً تضامنياً على الفيسبوك كفيل بإطعام جائع؟