رئيس الاستخبارات السورية في الأمم المتحدة.. من يصدق؟

أحمد جاسم الحسين
رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا… الثورة السورية .دمشق
حين شاهد السوريون قائد الاستخبارات السورية، قبل أيام، يتحدث عبر منبر الأمم المتحدة عن بناء قدرات البلد الأمنية والحرص على حياة آمنة مستدامة، ولغة واقعية تخاطب العالم.. لم يصدقوا، وإن صدقوا فإنهم لم يستوعبوا ما حدث سريعاً. خاصة أن الرخام الأخضر المعرَّق خلف السيد حسين السلامة قد ذكَّرهم بصورة رجل أبله، كان يعتمد البلاغة الرثة في محاولة إيصال رسائل النظام البائد إلى العالم، اسمه بشار الجعفري.
في عودة إلى “توماس هوبز” ومفهوم الدولة، حيث يتنازل الأفراد عن جزء من سلطتهم لمصلحة الدولة لاحتكار أدوات العنف وضمان الأمن العام، لا بدَّ أن نتذكر أجهزة المخابرات السورية والغموض والاعتقال والتوحش.
لم تكن المخابرات السورية أيام النظام البائد جهازاً لحماية الوطن أو المواطن، لأن عقيدتها تأسست على أنها أداة قمعية لحماية السلطة من المجتمع السوري، بالتحديد لحماية حافظ الأسد ومن بعده ابنه المجرم.
شكلت المخابرات السورية، طوال أكثر من خمسة عقود، تجسيداً حياً لنظرية ميشيل فوكو حول “المراقبة والمعاقبة”، فتحولت معتقلاتها وأقبيتها إلى ثقوب تبتلع السوريين، وتصنع الرعب في الوعي الجمعي. ولا يغيب عن بال المواطن السوري مشهد من مشاهد العقاب المخابراتي التي رآها، أو سمع عنها أو كان ضحية لها!
عاش المواطن السوري تحت وطأة حقبة سوداء، كتبتها المخابرات عبر أبشع الانتهاكات: من الاعتقالات إلى الإخفاء القسري إلى التعذيب الممنهج والتصفيات الجسدية، داخل مسالخ بشرية كمعتقل صيدنايا وتدمر، وكل الفروع المخابراتية في دمشق والمحافظات السورية. فتحولت مفردة المخابرات إلى حالة مرضية في الذاكرة السورية، حيث المواطن متهم ثبتت براءته أم لم تثبت!
لم يقتصر هذا الأذى المخابراتي في ظل النظام البائد على الداخل السوري فحسب، بل امتدَّ ليتشكل حوله موقف دولي حاد، فارتبطت المخابرات السورية في وعي دول العالم لسنوات طويلة بالأعمال التخريبية، ورعاية التفجيرات، التي كانت تتخذها وسيلة لتنفيذ أجندات هدفها زعزعة استقرار الدول ومنح النظام البائد في سورية أوراق اعتماد، لعلها تجبر الآخرين على التفاوض معه.
اليوم؛ الأمر مختلف فـ “سوريا الجديدة” تقدم مثالاً لكيفية إعادة تعريف الاستخبارات وحماية أمن الدولة، والمشاركة في جهود مكافحة الإرهاب عالمياً من ضمن إعادة هندسة كل شيء داخلياً وخارجياً وإعادة تعريف كل ما يخص سوريا.
اعتمد التحول السريع واللافت في مفهوم المخابرات السورية، خلال فترة قصيرة، على ركائز رئيسية أخرجته من العمل السري القمعي إلى الحرص على أن يكون جهازاً احترافياً، حيث المخابرات موجودة في كل مكان، لكنها غير مرئية ولا تظهر، إلا إنْ كان هناك أذى أو تهديد للأمن، أي لا علاقة لها بيوميات المواطن السوري إلا لحمايته.
تشير معطيات منشورة عبر الفضاء العام إلى أن الأجهزة الأمنية في سورية معنية بالأمن الوطني، ومكافحة التهديدات الخارجية الحقيقية، بعيداً عن استنزاف المقدرات في ملاحقة أنفاس المواطنين والتعبيرات السياسية والمدنية في الداخل. هذا التحول البنيوي يظهر جلياً في دلالات أن يصبح رئيس المخابرات شخصاً مكشوفاً وواضحاً لوسائل الإعلام العالمية والسوريين في مقر الأمم المتحدة!
لم يكن غريباً أن يقود هذا الطراز الجديد من قادة الأمن في سوريا رجلٌ خبير مثل السيد حسين السلامة، الذي صقلته ميادين الحراك والتحول الصعب من بلدة الشحيل إلى إدلب، فهو رجل ميدان وصاحب تجربة طويلة، جمعته علاقة رفقة وثيقة واستثنائية مع رئيس الدولة أحمد الشرع منذ أيام إقامة الرئيس في بلدة الشحيل عام 2012. وبعد التحرير عُيِّن السلامة محافظاً لدير الزور، ثم تولى لاحقاً ملف التفاوض مع قسد، قبل أن يتم تعيينه رسمياً منذ أكثر من عام رئيساً للاستخبارات العامة السورية.
تنقل سيميائية لغة الخطاب في الأمم المتحدة الفرق بين عهديْن: ثرثرة بشار الجعفري السابقة، وخطاب حسين السلامة الإقناعي الحجاجي. خطاب الجعفري في الأمم المتحدة المتسم باللغة الإنشائية، والحشو، والخطابة الخشبية؛ التي تميل إلى السجال الإيديولوجي المتعفن لتبرير واقع داخلي مأزوم، ومحاولة لتحقيق انتصارات بلاغية تتوجه إلى مستهلك محلي، مغلوب على أمره، بعيداً عن لغة العالم التي تستند على الحجج والأرقام والوضوح وعدم الإنكار.
أما خطاب “السلامة” فقد جاء بأسلوب مغاير تماماً: لغة واقعية، وتحليلية يفهمها العالم المعاصر. وخريطة طريق أمنية مشتركة، تقرأ التهديدات، تفيد، وتستفيد، عبر لغة المصالح المشتركة، والمسؤولية الجماعية في محاربة الإرهاب.
كلماته رسائلٌ طمأنة، تتجاوز الأمني لتصل إلى المستثمرين، وتفتح الباب، في جانب من الجوانب، تدريجياً لمشاريع إعادة الإعمار، حيث سورية ذات البيئة المستقرة، المرحِّبة بالعالم على أرضها. من يصدِّقُ هذا التحول في دور المخابرات السورية؟
يصدِّقه من يقرأ حركة التاريخ بعين المستقبل، وقد تغاضى عن ذاكرة عين الأمس، حيث تنتقل البلاد من حيّز التاريخ الملطخ بالمصائب، إلى فضاء الفعل الدولي الندّي، التشبيكي، العلني!
ثمة بونٌ شاسع، بين غرف العتمة والتاريخ الأسود للمخابرات السورية من جهة، ولغة نيويورك الواقعية على لسان أبي مصعب (حسين السلامة) من جهة أخرى، فروق شاسعة، في: الأشخاص والأدوار والأهداف والمصطلحات والزمان، ومفهوم سورية الوطن!
وختام كلمته في الأمم المتحدة التي يمدّ -من خلالها- يدي سوريا للعالم، وهو لسان حال كثير من السوريين: “سنجعل سوريا منارة مشرقة؛ نستعيد بها مجدها وعزّها ودورها التاريخي في استقرار العالم، فكونوا معنا لنكتب هذا التاريخ معاً”. نداء للعالم، لكنه قبل ذلك نداء للسوريين كذلك، الذين يفرحون كلما وجدوا له تمثلات واقعية، يأملون أن تكبر يوماً إثر يوم.