علاء المفرجي… جريدة المدى
عرض فيلم ساحر الكرملين في مهرجان البحر الأحمر السينمائي بعد أن عرض في مهرجان فينيسيا،، حيث لاقى استقبالا كبيرا من قبل الجمهور والنقاد، والفيلم يُعد من أبرز الأعمال السياسية التي أثارت اهتمام النقاد والجمهور منذ الإعلان عنه، لما يقدمه من معالجة درامية لفترة مفصلية في التاريخ الروسي الحديث. الفيلم من إخراج المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، ويستند إلى الرواية الشهيرة للكاتب الإيطالي جوليانو دا إمبولي، التي حققت نجاحًا واسعًا بعد صدورها، إذ تناولت بأسلوب روائي كواليس صعود السلطة في روسيا خلال تسعينيات القرن الماضي.
تدور أحداث الفيلم حول شخصية خيالية تُدعى فاديم بارانوف، وهو فنان ومنتج تلفزيوني يجد نفسه تدريجيًا داخل أروقة السلطة الروسية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ومع تصاعد نفوذه، يصبح مستشارًا سياسيًا بارعًا يساعد في رسم الصورة الإعلامية والسياسية لفلاديمير بوتين خلال صعوده إلى قمة الحكم. وعلى الرغم من أن الشخصية الرئيسية خيالية، فإنها مستوحاة بصورة واضحة من المستشار الروسي فلاديسلاف سوركوف، الذي يُعرف بأنه أحد أبرز مهندسي الخطاب السياسي الروسي الحديث.
يقود بول دانو بطولة الفيلم في دور فاديم بارانوف، بينما يجسد جود لو شخصية فلاديمير بوتين في أداء حظي باهتمام إعلامي كبير قبل عرض الفيلم. ويشارك في البطولة أيضًا كل من أليسيا فيكاندر وجيفري رايت وتوم ستوريدج، ما يمنح العمل طابعًا دوليًا يجمع بين نخبة من الممثلين المعروفين. وقد اعتُبر اختيار جود لو لتجسيد بوتين من أكثر عناصر الفيلم إثارة للنقاش، نظرًا لصعوبة تقديم شخصية سياسية ما تزال حاضرة بقوة على الساحة العالمية.
لا يقتصر الفيلم على استعراض الأحداث السياسية، بل يركز بصورة أساسية على العلاقة بين السلطة والإعلام، وكيف يمكن لصناعة الصورة العامة والدعاية السياسية أن تؤثر في تشكيل الواقع. ويطرح العمل تساؤلات حول حدود الحقيقة والخيال، ودور المستشارين السياسيين في صناعة القادة وصياغة الروايات التي يصدقها الجمهور. ومن خلال هذا المنظور، يقدم الفيلم رؤية تتجاوز التاريخ الروسي لتلامس قضايا عالمية تتعلق بالإعلام والتأثير السياسي.
اعتمد أوليفييه أساياس أسلوبًا يجمع بين الدراما النفسية والتشويق السياسي، مع اهتمام واضح بالتفاصيل التاريخية والديكورات التي تعكس أجواء روسيا خلال فترة التحولات الكبرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. كما تم تصوير الفيلم في لاتفيا، التي وفرت بيئة مناسبة لإعادة بناء المشاهد التي تمثل المدن الروسية في تلك المرحلة.
عند عرضه الأول في مهرجان البندقية السينمائي عام 2025، أثار الفيلم ردود فعل متباينة بين النقاد. فقد أشاد كثيرون بأداء جود لو، معتبرين أنه نجح في نقل شخصية بوتين بطريقة هادئة ومعقدة بعيدًا عن التقليد السطحي، بينما رأى آخرون أن الفيلم يعاني من بطء الإيقاع وكثافة الحوارات السياسية، وهو ما قد يجعل متابعته أكثر ملاءمة لمحبي الدراما السياسية من الجمهور العام. ومع ذلك، اتفق معظم النقاد على أن العمل يتميز بطموحه الفكري وجرأته في تناول موضوع شديد الحساسية.
تكمن أهمية ساحر الكرملين في أنه لا يقدم سيرة ذاتية مباشرة لفلاديمير بوتين، بل يستخدم شخصية خيالية لاستكشاف آليات صناعة النفوذ والسلطة في الأنظمة السياسية الحديثة. ومن خلال المزج بين الوقائع التاريخية والعناصر الروائية، وهو بذلك يفتح بابًا للنقاش حول تأثير الإعلام والدعاية في تشكيل التاريخ، وكيف يمكن للأفراد الذين يعملون خلف الكواليس أن يكونوا أكثر تأثيرًا من الشخصيات التي تتصدر المشهد.
ساحر الكرملين تجربة سينمائية تجمع بين الدراما السياسية والتأمل الفكري، مع أداء تمثيلي قوي وإخراج يسعى إلى تقديم قراءة فنية لتاريخ معاصر لا يزال يثير الكثير من الجدل. ورغم اختلاف الآراء حول إيقاعه وأسلوبه السردي، فإنه يظل من أبرز الأفلام السياسية التي تناولت نشأة السلطة في روسيا الحديثة من منظور درامي يجمع بين الواقع والخيال.