
تدل الاعتراضات على أن عدالة التمثيل لا تُقاس بعدد المقاعد الممنوحة لكل محافظة، إذ قد تخفي الأرقام تفاوتاً بين المدن والأرياف والعشائر والفئات الاجتماعية داخل المحافظة الواحدة.
أُنجز تشكيل مجلس الشعب السوري بإعلان أسماء السبعين عضواً الذين اختارهم الرئيس أحمد الشرع ضمن «الثلث المكمّل»، لينتقل الجدل من أسباب تأخر تشكيل المجلس إلى تركيبته السياسية والاجتماعية وطبيعة علاقته بالسلطة التنفيذية.
ويتألف المجلس، وفق الإحصاءات الرسمية، من 207 أعضاء، بينهم 137 اختارتهم الهيئات الناخبة و70 عيّنهم الرئيس، فيما بقيت ثلاثة مقاعد مخصصة للسويداء شاغرة. ويعقد المجلس جلسته الأولى يوم الاثنين 6 تموز/يوليو، لأداء القسم وانتخاب رئاسته. وستضع الجلسة التحالفات الوليدة أمام اختبار مبكر: هل تتجه نحو بناء كتل سياسية وتشريعية، أم يستمر تأثير الروابط المناطقية والعشائرية والشخصية في التصويت؟
كانت «القدس العربي» قد كشفت، في تقرير نشرته الأسبوع الماضي نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة على ملف تشكيل المجلس، أن لجنة برئاسة محمد طه الأحمد أجرت، بين 15 و21 حزيران/يونيو، مقابلات مغلقة مع أكثر من مئة مرشح ومرشحة، تمهيداً لاختيار أعضاء حصة الشرع.
وشملت المقابلات شخصيات سياسية وأكاديمية وحقوقية وعشائرية، وممثلين عن مكونات قومية ودينية. وأُبلغ المشاركون بأن دعوتهم لا تعني ضمان تعيينهم، وأن الأسماء ستخضع لمراجعة تراعي التوزيع الجغرافي والاجتماعي والمهني.
وبيّنت القائمة النهائية أن المقابلات شكّلت المسار الرئيسي لاختيار أعضاء الثلث المكمّل. فقد دخل المجلس عدد من الشخصيات التي ذكرها تقرير «القدس العربي» السابق، بينهم سعود فيصل النجرس، أحد وجهاء قبيلة العقيدات في دير الزور، والسياسي الآثوري غبرييل موشي كورية، والقيادي الكردي مصطفى عبدي، والشيخ أحمد نواف الجربا، أحد شيوخ قبيلة شمر، ومنذر سراس، القائد السابق في «فيلق الشام».
كما ضمت القائمة هدى أتاسي، عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، التي ورد اسمها ضمن مجموعة محدودة من الشخصيات المدرجة في القائمة القصيرة لدى الرئاسة.
وكشف المرسوم النهائي ارتفاع عدد أعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب الذين انتقلوا إلى عضوية المجلس. وكانت معلومات حصلت عليها «القدس العربي» قبل الإعلان تشير إلى اتجاه الرئيس لتعيين خمسة منهم، لكن العدد ارتفع في القائمة النهائية إلى سبعة من أصل 11 عضواً.
والأعضاء السبعة هم: أنس العبدة، وبدر جاموس، وحسن الدغيم، وحنان البلخي، ومحمد علي ياسين، ونوار نجمة، وعماد برق.
وبذلك أصبح معظم أعضاء اللجنة التي أشرفت على تشكيل الهيئات الناخبة وإدارة مراحل العملية الانتخابية أعضاء في المجلس. وجاء تعيينهم ضمن حصة الرئيس، لا عبر المقاعد التي أشرفوا على انتخاب شاغليها.
وشارك السبعة في وضع الإجراءات التنفيذية للانتخابات، وتشكيل اللجان الفرعية، ومتابعة الهيئات الناخبة والاقتراع والاعتراضات، قبل انتقالهم إلى المؤسسة التشريعية التي أسهموا في تشكيلها. ورغم أن ذلك لا يمثل، وفق القواعد المعلنة، مخالفة صريحة، فإنه يقلص المسافة المفترضة بين الجهة المشرفة على تشكيل المجلس والمستفيدين من نتائجه.
في المقابل، غاب عن قائمة الرئيس رئيس اللجنة محمد طه الأحمد، إلى جانب لارا عيزوقي ومحمد ولي ومحمد ياسر كحالة. ويُخرج غياب الأحمد اسمه من حسابات رئاسة المجلس، بعدما وضعته مصادر تحدثت إليها الصحيفة في التقرير السابق بين الشخصيات المطروحة لتولي المنصب.
ضمت قائمة الرئيس، وفق الإحصاءات الرسمية، 55 رجلاً و15 امرأة، لتبلغ نسبة النساء 21.4 في المئة من إجمالي المعيّنين. وصُنّف 47 عضواً ضمن فئة «الكفاءات»، مقابل 23 ضمن فئة «الأعيان».
وشملت التعيينات 13 معتقلاً سابقاً وخمسة من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. أما مهنياً، فضمت القائمة 15 سياسياً وناشطاً، و13 أكاديمياً، وسبعة عاملين في القطاع الطبي، وستة تربويين، وستة رجال أعمال، وخمسة مهندسين، وخمسة اقتصاديين وإداريين، وأربعة حقوقيين، وأربعة من رجال الدين، وكاتباً واحداً، إضافة إلى أربعة أعضاء صُنّفوا ضمن مجالات أخرى.
وبحسب البيانات التي عرضها الأمين العام لمجلس الشعب خلال المؤتمر الصحافي، حمل 17 عضواً شهادة الدكتوراه، و12 شهادة الماجستير، و18 الإجازة الجامعية، فيما كان أربعة من خريجي المعاهد، واثنان من حملة الدبلوم، و17 من حملة الشهادة الثانوية.
وتشير الأرقام إلى محاولة إدخال خبرات مهنية وأكاديمية متنوعة، ورفع تمثيل النساء مقارنة بنتائج الهيئات الناخبة. لكنها لا توضح معايير إدراج الأعضاء ضمن فئتي «الكفاءات» و«الأعيان».
حلب والسباق على رئاسة المجلس
حصلت حلب على العدد الأكبر من التعيينات الرئاسية، بواقع 14 عضواً، أي خُمس قائمة الرئيس، تلتها الحسكة بسبعة، ثم حمص ودير الزور بستة أعضاء لكل منهما.
وحصلت كل من إدلب وحماة ودمشق وريف دمشق على خمسة أعضاء، واللاذقية ودرعا على أربعة، والرقة على ثلاثة، فيما نالت طرطوس والقنيطرة والسويداء مقعدين لكل منها.
وباحتساب المنتخبين والمُعيّنين، أصبحت حلب ممثلة بـ46 عضواً من أصل 207، أي نحو 22 في المئة من المجلس، ما يجعلها أكبر كتلة جغرافية. ويبلغ مجموع ممثلي دمشق وريفها 32 عضواً، وهو ما يمنحهم ثقلاً مؤثراً في التحالفات المقبلة.
وكان تقرير سابق لـ«القدس العربي» قد أشار إلى اتصالات بين أعضاء حلب وريفها لتشكيل تجمع غير معلن، بالتوازي مع تحركات مشابهة بين ممثلي دمشق وريف دمشق.
وعلمت «القدس العربي» أن أعضاء حلب اتفقوا، بعد مشاورات بدأت فور إعلان قائمة الرئيس، على ترشيح محمد علي ياسين لرئاسة المجلس، بعدما طُرح اسمه إلى جانب عزام خانجي. وياسين عضو في اللجنة العليا للانتخابات، ويمنح الثقل العددي لحلب ترشيحه أهمية واضحة.
في المقابل، يتجه أعضاء المحافظات الشرقية إلى دعم عبد الحميد العواك، أستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري، فيما يُتداول اسم ماهر علوش في أوساط ممثلي دمشق وريف دمشق.
وبذلك تبرز ثلاثة أسماء تستند إلى قواعد جغرافية مختلفة: ياسين إلى التجمع الحلبي، والعواك إلى أعضاء المحافظات الشرقية، وعلوش إلى ممثلي دمشق وريفها.
إلا أن حسم رئاسة المجلس يحتاج إلى تفاهمات تتجاوز الانتماء المناطقي، إذ لا يملك أي من هذه التجمعات عدداً كافياً لفرض مرشحه منفرداً. ويرجح أن تؤدي أصوات بقية المحافظات والأعضاء غير المنضوين في هذه التجمعات دوراً حاسماً في النتيجة.
وفي السويداء، عيّن الرئيس عضوين هما ليث البلعوس وصبح عقلة البداح، فيما بقيت المقاعد الانتخابية الثلاثة المخصصة للمحافظة شاغرة. ويمنح التعيين المحافظة حضوراً جزئياً في المجلس، لكنه لا يعوّض المقاعد التي لم تُستكمل بعد آلية اختيار شاغليها.
حضور عشائري واعتراضات
برز حضور واضح للوجهاء والشخصيات العشائرية في قائمة الرئيس، إذ صنّفت الإحصاءات الرسمية 23 من الأعضاء المعيّنين ضمن فئة «الأعيان»، من دون نشر تعريف محدد لهذه الصفة.
ومن الأسماء اللافتة الشيخ عبد المنعم محمد الناصيف، رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية والمنحدر من ريف حلب الجنوبي. وكان الناصيف قد برز خلال أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، عندما دعا أبناء العشائر إلى «النفير العام» والتوجه إلى المحافظة تحت عنوان حماية العشائر البدوية، قبل أن يعلن مجلسه لاحقاً سحب المقاتلين بعد وقف إطلاق النار.
وبذلك تدخل المؤسسة التشريعية الجديدة شخصية شاركت مباشرة في التعبئة العشائرية خلال واحدة من أكثر أزمات المرحلة الانتقالية حساسية.
وضمت القائمة أيضاً رامي الدوش، المعروف بأبي نجيب، وهو وجيه من عشيرة البوجامل في قبيلة العقيدات، وينحدر من مدينة الشحيل في ريف دير الزور الشرقي. وبرز الدوش في النشاطين السياسي والعشائري ضمن مؤسسات المعارضة، وترأس في مرحلة سابقة مجلس القبائل والعشائر السورية، قبل تعيينه عضواً في المجلس عن محافظة دير الزور.
غير أن هذا الحضور لم يمنع ظهور اعتراضات عشائرية على التوزيع. فقد أصدرت قبيلة البكارة بياناً مصوراً اشتكت فيه من تهميش أبنائها وعدم تمثيلهم بما يتناسب مع حجم القبيلة وانتشارها في دير الزور والحسكة والرقة وحلب، وطالبت بإعادة النظر في حضورها داخل مؤسسات الدولة.
كما ظهرت ملاحظات مشابهة في أوساط عشيرة البوسرايا في دير الزور، إذ رأى منتقدون أن تمثيلها لا يعكس ثقلها الاجتماعي. وتركز الاعتراض على غياب قاعدة معلنة لتوزيع المقاعد بين العشائر، وعدم وضوح ما إذا كانت المشاورات قد شملت طيفاً واسعاً من الوجهاء والفعاليات المحلية.
تهميش محلي ونسائي
لم تقتصر الاعتراضات على التمثيل العشائري. ففي إدلب، تركزت الانتقادات على غياب اسم يُحسب بوضوح على مركز المحافظة، رغم حصولها على خمسة مقاعد من حصة الرئيس. واعتبر معترضون أن توزيع المقاعد عكس حضوراً لمناطق وفعاليات من الأرياف، من دون أن يمنح المدينة نفسها تمثيلاً يتناسب مع موقعها بوصفها المركز الإداري للمحافظة، والدور الذي أدته في إدارة مؤسسات المرحلة السابقة.
وفي حلب، نظمت ناشطات وقفة احتجاجية في ساحة الجامعة رفضاً لما اعتبرنه تهميشاً للنساء في التشكيلة النهائية. وأشارت المشاركات إلى أن تمثيل نساء المحافظة اقتصر على سيدتين فقط من أصل 46 عضواً، وطالبن بمشاركة فعلية في مواقع صنع القرار، بدلاً من الاكتفاء بتمثيل رمزي.
ويبين احتجاج حلب أن تعيين 15 امرأة ضمن حصة الرئيس لم يُنهِ الانتقادات المتعلقة بالتوزيع الجغرافي للمقاعد النسائية، أو بفرص وصول الكفاءات المحلية إلى المجلس.
وتدل هذه الاعتراضات مجتمعة على أن عدالة التمثيل لا تُقاس بعدد المقاعد الممنوحة لكل محافظة وحده، إذ قد تخفي الأرقام تفاوتاً بين المدن والأرياف والعشائر والفئات الاجتماعية داخل المحافظة الواحدة.
ويضع غياب التفويض الشعبي المباشر على المجلس مسؤولية بناء شرعيته من خلال أدائه، وقدرته على التشريع والرقابة ومساءلة الحكومة. كما تمنح حصة الرئيس السلطة التنفيذية كتلة تتجاوز ثلث المجلس بقليل، وقد تتيح لها، بالتحالف مع جزء من الأعضاء الذين اختارتهم الهيئات الناخبة، ترجيح أحد المرشحين أو التحالفات.
ويضاف إلى ذلك انتقال سبعة من أعضاء اللجنة العليا للانتخابات إلى عضوية المجلس، وغموض معايير تصنيف «الكفاءات» و«الأعيان»، إلى جانب غياب الأحزاب والبرامج السياسية المعلنة.
عمليا، سيبدأ الاختبار الفعلي بعد انتخاب رئاسة المجلس، حين يتبين ما إذا كان الأعضاء سيتجهون إلى تشكيل كتل على أسس سياسية وتشريعية، أم ستبقى الاصطفافات محكومة بالانتماءات المناطقية والعشائرية والعلاقات الشخصية.