سوسن جميل حسن.. كاتبة سورية.
العربي الجديد
ليست سورية الدولة الوحيدة التي شهدت حرباً ونزاعات بينية، دولٌ وشعوبٌ كثيرة مرّت في تجارب من هذا النوع، وجميعها آلت إلى أوضاع جديدة بعد مرورها بمراحل انتقالية، ربما لم تكن النتائج متشابهة، لكنها تجاوزت الأزمة بطريقة أو بأخرى. ومعروفٌ أن المراحل الانتقالية بعد حروب مشابهة تتميز بسمات شائعة، أولها أنها مرتبطة بظروف محلية وإقليمية، ودائماً ما تحضر فيها التدخلات الخارجية التي غالباً ما تعيق الاستقرار وتعرقل المؤسّسات الدستورية، وتعاني من غياب التوافق الوطني حول قضايا جوهرية.
تمرّ سورية اليوم بمرحلة انتقالية متوترة، في سياق دولي متوتر أيضاً، يشهد العالم فيه نزاعات وحروباً عديدة، متنوعة الاتساع والنطاق، سياق يشهد النظام العالمي فيه صراعات وتكتيكات تعيد تنظيمه من جديد. ما تحتاج إليه سورية، بشكل أساسي، إعادة بناء الدولة والمجتمع، عدا إعادة إعمار ما تهدّم من بنى تحتية ومدن وقرى وأحياء، وتوفير الحد الأدنى لعودة اللاجئين الذين هُجّروا من مواطنهم وتعيش غالبيتهم في ظروف لاإنسانية، ما زالوا في المخيمات، وهناك جيل تشكّل خارج الظروف الإنسانية الضرورية لبناء جيل قادر على الفعل والمساهمة.
إعادة بناء الدولة بعد صراع مسلح موضوع رئيس في الدراسات المختصّة. من الصعب تحقيق التوازن بين العدالة والاستقرار والتنمية، خصوصاً عندما تكون الانقسامات المجتمعية عميقة، فالحفاظ على المؤسّسات، أو إصلاحها، أو إعادة بنائها أمر مهم، إنما المهم أيضاً أن تكون شرعية الدولة، ومنع العودة إلى العنف، في مستوى يجعل الدولة قادرة على الصمود والأداء الناجح. إعادة بناء بلد بعد الحرب ليس مجرّد إعادة بناء الطرق أو المدارس (ما زال متعثراً أو مهملاً في سورية)، بل هو، قبل كل شيء، إعادة بناء الدولة نفسها. فمن دون مؤسّسات يُنظر إليها شرعية، ومن دون خدمات عامة متاحة، يمكن أن يبقى السلام والاستقرار هشّين، خصوصاً أن شريحة كبيرة من الشعب توجد بينها وبين السلطة الانتقالية حالة من الثقة الضعيفة، أو الغائبة بالكامل عند بعضهم. وقسم من الشعب السوري يرى نفسه مبعداً عن المساهمة في الشأن العام المعني به، وأن كل شيء يأتي من الأعلى، بحسب ما تقرّره السلطة التي لم يشارك في انتخابها أو لم يمنحها الشرعية.
تعاني غالبية الشعب، بسبب الوضع الاقتصادي الضعيف، ما ينعكس على نوع الحياة ويجعل هذه الغالبية تعيش حياة متردّية توازي العيش على خط الفقر وربما تحته، كما أن الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة، التعليم، والعدالة (خصوصاً الانتقالية) غير متوافر لكثيرين. تمرّ إعادة بناء الدولة من خلال استعادة مؤسّسات محلية شرعية وقادرة، السيطرة تدريجيّاً على هذه الخدمات، وهو شرط أساسي لكسب ثقة المواطنين.
ما زال الشعب السوري يعاني مشكلات كبيرة، من المشكلات الحياتية، إلى القلق الأمني، وصولاً إلى القلق والخوف من المستقبل، خصوصاً في ظل الوعود الكبيرة باستثمارات وعقود بمشاريع وخطط مستقبلية، وعلى أرض الواقع لم يلمس المواطن السوري أثراً يدفعه إلى الأمل والانتظار المدعوم بالصبر. صحيح أن السلطة الانتقالية في دمشق تحظى بتأييد خارجي، إنما في المقابل هناك تهديدات خارجية بالتوازي. ليس خافياً الصراع الإقليمي والدولي حول سورية، وفي سورية، وعلى وجه الخصوص التهديد الإسرائيلي في الجنوب. لكن التأييد والدعم الخارجيين لا يمكن لهما أن يبنيا دولة أو يعيدا الإعمار أو يوصلا سورية إلى السلام الداخلي والاستقرار، ما لم يكن هناك دعم شعبي وازن، ورضى وثقة بالسلطة. التأييد الشعبي هو ميزان القوة الأكبر بالنسبة إلى أي سلطة. وإعادة بناء الدولة المخوّلة بإدارتها تقوم على إصلاح الرابط الهشّ بين الدولة ومواطنيها، وما زال هذا الرابط هشّاً بدرجة مقلقة في سورية. السلام لا يُوقَّع فقط على ورقة، بل يُبنى يوماً بعد يوم، من خلال الطريقة التي تستجيب بها الدولة (أو لا تستجيب) لاحتياجات شعبها. لكي يكون السلام مستداماً، يجب أن يشعر به الناس يوميّاً، وليس من خلال التصريحات السياسية فحسب.
بات من المعروف، من خلال دراسة التجارب السابقة، أن في الدول التي خرجت للتو من الحروب، تكون الخزائن فارغة، وغالباً ما تكون المواهب والخامات البشرية قد هاجرت أو هُجّرت أو هربت بعيداً عن أخطار الحرب والانهيارات، والإجراءات قد تآكلت، وهذا موجود بشكل كبير في سورية. كذلك تُظهر الأبحاث في الإصلاحات الإدارية بعد النزاعات أنه يجب إجراء تسويات دقيقة بين إعادة الخدمات مباشرةً وتوطيد المؤسّسات على المدى الطويل (مثل تثبيت الرواتب، إعادة بناء سلاسل التوريد خصوصاً لما يتعلق بالمجال الحياتي للشعب، عدم إقصاء الاحترافيين أو ذوي الخبرة،… إلخ). هذه القضايا متعثرة أو يتم التعامل معها بطرائق إقصائية أو بشكل يضعف إدارة بعض القضايا الأساسية المتعلقة بحياة الشعب.
طريق الخراب سهل وقصير ما دام أن البنى مدمّرة أو هشّة حدّ الانهيار
تعتمد شرعية السلطة، أي شرعية الدولة بعد النزاع، على ثلاثة أشياء بالغة الأهمية: أوّلها التمثيل، ما يعني ضمان أن تجد كل مجموعة نفسها داخل مؤسّسات الدولة، محدّدة بزمن ومربوطة بمعايير مهنية، كذلك الحماية والأمن العام (ليس المقصود هنا الأمن العام بما هو جهاز دولة)، العدالة المتاحة، والاعتراف بالضحايا من كل الأطراف، خصوصاً أنه في الحروب الأهلية يتعرض المدنيون من كل الأطراف لتأثيرات الحرب، وأيضاً توفير الخدمات العامة بشكل عادل ومتساوٍ بين الجميع، كالغذاء والتعليم والصحة والمياه والكهرباء وغيرها.
إعادة بناء الدولة بعد الحرب تمرين على التوازن الذي يحقق الاستقرار ويُضعف العنف ويقطع عليه الطريق العودة. تسوياتٌ سياسية كثيرة تشلّ العمل العام، وكثير من التطهير التكنوقراطي قد يعيد إشعال المظالم. ولقد شهدنا في سورية، وما زلنا، تسويات كثيرة غير مفهومة بالنسبة إلى غالبية الشعب، على وجه الخصوص بالنسبة إلى الشريحة التي تضرّرت أكثر من غيرها في الحرب، وقدّمت العدد الأكبر من الضحايا (علمًا أن الشعب السوري، عدا قلة من المستفيدين من النظام البائد، كان متضرّراً بطريقة أو بأخرى)، مثلما رأينا أيضاً تسريح موظفين وذوي كفاءات على خلفية أنهم محسوبون على النظام البائد، مع العلم أنهم موظفون مدنيون أو عموميّون.
لدينا أمثلة متنوعة وعديدة، حالات العراق ولبنان والبوسنة والهرسك وقبرص… إلخ، من المجدي دراستها بوصفها تجارب يمكن الاستخلاص منها أن بناء السلام يحدُث في الوقت نفسه مع تحسين الكفاءة، من خلال تأهيل واحتراف تدريجيين، وخدمات تعمل في كل مكان على الأرض، ومكافحة فساد موثوقة، وشفافية مقبولة من الشعب، وإلّا فطريق الخراب سهل وقصير ما دام أن البنى مدمّرة أو هشّة حدّ الانهيار.
بماذا سيفيدنا الشركاء الدوليون، والإقليميون أو الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الوكالات أو المنظمات غير الحكومية أو التدفقات المالية، أو “مذكّرات التفاهم” الواعدة، إذا لم تتوافر الأرضية المناسبة لتحقيق كل الوعود وكل النيّات (بغض النظر عن دوافعها، إذ غالباً ما تبحث الدول عن مصالحها وليس عن مصالح الشعب في المناطق المستهدفة). بماذا سيفيدنا كل هذا إذا لم نعمل على تحقيق بيئة مواتية، لنا لكوننا شعباً شعباً من أجل التعايش والشراكة بالدرجة الأولى. لا يبدو أن هذا الأمر في طريقه إلى التحقق، بل ما زالت الألغام موزعة على عموم التراب السوري، وهي ألغام قابلة للانفجار تتحكم بها أياد متربّصة من كل صوب، فما أكثر الطامعين بسورية الذين يرون أن أسهل وأنجع طريق لرسوخهم فيها أو الهيمنة عليها هو العنف، وتهديد السلم الأهلي. والواقع يقدّم بتسارع لافت أدلّة باستمرار، جديدها أخيراً التفجيرات في دمشق، بينما كان الرئيس الفرنسي يأتي بوعود واتفاقيات مستقبلية، لا نملك دليلاً على واقعية تطبيقها غير الزمن والانتظار.
بعد سنة وتسعة شهور على سقوط النظام البائد في سورية، لم تستطع الحكومة الانتقالية تحقيق الأمن والاستقرار للبلاد، ولا أن تحمي الشعب من الفقر وغول الجوع، ولا أن تضع خططاً اقتصادية للبلاد، ولا أن تحقق السلم الأهلي، أو السلام المجتمعي، أو تزرع بذور الثقة في نفوس غالبية الشعب. هذا الوضع إن طال فالمستقبل مقلق، ولن يتم البناء الصحيح إلّا بتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية، وإشراك الشعب كاملاً بتقرير مصير البلاد ووضع الخطط المستقبلية. عندها يمكن القول إن هناك أملاً.
