علي حسين.. جريدة المدى
تتكرر في مؤسساتنا الحكومية عبارة “معاملتك يم الحجي”، ما إن يقودك حظك العاثر لمراجعة دائرة حكومية حتى تجد أن جميع المدراء حجاج، حتى يخيل إليك أننا نعيش في الدولة الأكثر تديناً، وعلامات التدين عندنا معروفة وواضحة، وهي باقة جميلة من مواسم خروج السراق من قماقمهم، مواسم التزوير، ومواسم حصولنا على الأرقام القياسية في عدد عصابات الفرهود، ومواسم انتعاش الرشوة، ونهب ثروات البلد.
أتخيل العراقيين وهم يعربون عن الامتنان الشديد للدولة العراقية التي تضم كل هذا العدد الكبير من الحجاج، ليس فقط على اعتبارهم أكثر الشعوب تديناً، بل على تذكيرهم بهذا الأمر، فقد كادوا ينسون وسط الانتصارات الكبرى التي تحققت في مجال الخدمات والإعمار والتنمية والعدالة الاجتماعية، مسؤولينا بفضل ورعهم استطاعوا أن ينقلوا هذه الدولة التي كانت تعيش على هامش التاريخ، لتصبح اليوم البلاد الأفضل في العالم.
“حجاج” لم يناقشوا ما فعلوه منذ ثلاثة وعشرين عاماً، لم يفكروا إلا بغريزة البقاء التي تعني بالنسبة لهم البحث عن عدو، والعدو من يقف ضد شهوتهم للسلطة واتهامه بالتهمة الجاهزة: إنهم كفار لا يريدون دولة تحكم بشرع الله، ولهذا نجدهم لا يقولون شيئاً عن الفساد وعصابات النهب المنظم سوى كلمة واحدة، إن كل ما يحدث من خراب في العراق سببه ابتعاد العراقيين عن الدين.
للكاتب الفرنسي الشهير موليير مسرحية اسمها “طرطوف”، رسم فيها شخصية متدين فاسد، يتخذ من الدين وسيلة لإشباع شهواته وهو يتظاهر بالتقوى.. وقد تحولت “هذه المسرحية” إلى واحدة من كلاسيكيات الأدب العالمي، حتى صارت كلمة “طرطوف” تستعمل للإشارة إلى المتدين الزائف. والسؤال هنا: كم “طرطوف” يعيش في مؤسسات الدولة وفي أروقة الحكومة، وكم “طرطوف” يصلي ويصوم، لكنه يغش ويسرق؟ .
حدثني صديق أثق به عن ظاهرة عدنان الجميلي، حيث قال لي إن الجميلي كان يقيم وليمة كبيرة بعد صلاة الجمعة، يوزع خلالها الأموال لمن يزوره في البيت، دون أن يسأله أحد: من أين لك كل هذه الملايين؟، وشاهدنا صوراً وفيديوهات لمسؤولين سراق كانوا قد ذهبوا أسراباً لأداء فريضة الحج.
العديد من مسؤولينا وساستنا يتحدثون ليل نهار عن القيم الدينية، وأخلاق الحاكم، ورضا الله والعباد، ومصطلحات وعبارات ضخمة، لكن معظمهم لا ينفذون شيئاً مما يقولونه.
كان الإمام علي بن أبي طالب يردد: “يا أهل الكوفة إن خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي فحاسبوني”. فهو يرى أنه موظف مسؤول عن أموال المسلمين، وأنها مسؤولية مقدسة لا يمكن التفريط بها، وأن القدسية هي في الحفاظ على حياة الناس وأموالهم لا في الشعارات البراقة الكاذبة.
مشكلتنا اليوم أن الجميع يرتكب الجرائم باسم التقوى والورع، فيما الناس تريد من يوفر لها الرفاهية والعيش الكريم، ويشعرها بالأمل في الغد ويطمئنها على مستقبل أبنائها، الناس لا تريد مسؤولاً “درويشاً” يدافع عن الفساد والمفسدين والمرتشين.