ملخص
يعد أندريه بيلي اليوم واحداً من أبرز أعلام الرمزية الروسية خلال مطلع القرن الـ20، وهو الذي اقترن اسمه بروايات وتجارب أدبية يرى النقاد المؤرخون أنها قد سعت إلى تجاوز الواقعية التقليدية نحو كتابة تمزج الفلسفة بالشعر والأسطورة.
خلال النصف الثاني من القرن الـ19 كانت مسألة الهوية والانتماء، إما إلى الشرق والأصالة المحلية وإما إلى الغرب و”التمدن” الأوروبي، الشغل الشاغل إن لم يكن لجماهير الشعب الروسي في مجموعها، ففي الأقل لنخبة المثقفين سواء كانوا من القراء المميزين أو من المبدعين الذين انقسموا بصورة أساسية إلى فريقين وليس في عالم الأدب وحده، بل في الفكر الفلسفي والفنون التشكيلية والمسرح والرواية، وبخاصة في الموسيقى التي شهدت القدر الأكبر من الانقسام لا سيما بين المجددين الذين وسموا بالتغريبيين والمتذرعين بالأصوليات المحلية الملتفين في معظم عقود تلك المرحلة، من حول مجموعة “الخمسة”.
سيد الرواية الرمزية
والحال أننا حين نتحدث هنا، تحديداً، عن تلك الرمزية، فإننا نميل لقصر حديثنا على الكيفية التي تجلت بها في ميدان الرواية وذلك لأن موضوعنا هو كاتب عد في زمنه سيد الرواية الرمزية على الإطلاق، وفي الأقل حتى رحيله خلال عام 1934، بعدما سعى كثيراً إلى إرضاء السلطات، ضارباً برمزيته كلها عرض الحائط.
بيد أن هذه أيضاً حكاية أخرى لا مكان لها هنا. فالمكان من الأفضل أن تشغله ثلاثيته الكبرى التي صدرت جميع أجزائها قبل أعوام من اندلاع الثورة وخلال الأعوام 1910 (اليمامة الفضية) و1912 (بطرسبرغ) وأخيراً 1914 (كوتيك ليتاييف).
والحقيقة أننا حتى لو تحدثنا هنا بدقة عن تلك الروايات الثلاث كثلاثية، فإنها ومنذ بداية صدورها تقرأ متفرقة لأنه إذا كان موضوعها واحداً، فإن حبكاتها متفرقة عن بعضها بعضاً تماماً. وهو أمر يدفعنا إلى حصر حديثنا هنا في المعنى العام لذلك العمل الروائي الكبير من دون أن يسهو عن بالنا أن شهرة القسم الثاني المتعلق مباشرة بمدينة بطرسبرغ تفوق شهرة القسم الثاني، بينما طغى هذان الجزءان على الثالث الذي بالكاد يذكر في أيامنا هذه.
بل إن اسم المؤلف نفسه يبدو منسياً تماماً إذ من الصعب أن تعثر في المدونات وحتى الموسوعات الروسية على اسمه الحقيقي وهو بوريس نيكولايفيتش بوغاييف، فدائماً ما يطالعك مكانه اسم مستعار اختاره الكاتب لنفسه منذ بداياته الأدبية وهو أندريه بيلي (1880 – 1934). اسم اشتهر به ولم يتخل عنه أبداً.
تجاوز الواقعية التقليدية
في نهاية الأمر يعد أندريه بيلي اليوم واحداً من أبرز أعلام الرمزية الروسية خلال مطلع القرن الـ20، وهو الذي اقترن اسمه بروايات وتجارب أدبية يرى النقاد المؤرخون أنها قد سعت إلى تجاوز الواقعية التقليدية نحو كتابة تمزج الفلسفة بالشعر والأسطورة.
وتندرج ثلاثيته هذه، التي تحمل عنواناً عاماً هو “شرق وغرب” ضمن مشروعه الفكري هذا، إذ تمثل محاولة بالغة العمق والجدية للتأمل في مصير روسيا بوصفها “حضارة تقف على الحد الفاصل بين عالمين: أوروبا من جهة وآسيا من الجهة الأخرى”.
ومهما يكن من أمر، قد يكون علينا أن نحدد هنا أن بيلي لا يتعامل في أجزاء الثلاثية مع الشرق والغرب كمفهومين جغرافيين وحسب، وإنما كونهما رؤيتين متقابلتين للعالم. فالغرب يرمز إلى العقل والتنظيم والعلم والتقدم التقني، بينما يمثل الشرق الروح والحدس والتأمل والبعد الصوفي. غير أن اللافت هو أن الكاتب لا ينحاز بصورة مطلقة إلى أحد الطرفين، بل يرى أن مأساة الحضارة الحديثة تكمن في انفصال هذين البعدين وأن “مستقبل روسيا قد يكون مرهوناً بقدرتها على تحقيق نوع من المصالحة بينهما”.
والحقيقة أن أهمية الثلاثية تتأتى خاصة من كونها كتبت في فترة كانت روسيا تعيش أزمات سياسية وفكرية عميقة سبقت التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد خلال بدايات القرن الـ20. ولذلك، ودائماً بحسب النقاد والمؤرخين، تبدو الشخصيات أقل أهمية من الأفكار التي تحملها، فهي غالباً رموز لقوى تاريخية أو روحية، أكثر منها شخصيات واقعية بالمعنى التقليدي للكلمة. وفي نهاية المطاف يستخدم بيلي السرد ليطرح أسئلة بالغة الجدية والعمق حول الهوية الروسية وبخاصة حول العلاقة بين الفرد والتاريخ وعن إمكانية بناء حضارة تتجاوز الانقسام “التقليدي” بين ما هو مادي وما هو روحي.
نيتشه مر من هنا
مهما يكن من أمر، يرى الباحثون أن الثلاثية تظهر من ناحية ما، تأثير الفلسفة الألمانية لا سيما أفكار فردريك نيتشه في الحياة الثقافية الروسية خلال تلك الأزمنة، إضافة إلى تأثير النزعات الصوفية التي انتشرت في أوساط المثقفين الروس في ذلك العصر.
وتتردد أصداء الموسيقى والشعر في لغة بيلي نفسه حيث تبدو الرواية أحياناً وكأنها قطعة موسيقية بأكثر مما تبدو سرداً تقليدياً. لا سيما أن بيلي يتعمد في فصول كثيرة اللجوء إلى التكرارات الإيقاعية والرموز والألوان لخلق عوالم تتداخل فيها الأحلام مع الواقع والتاريخ مع الرؤى الميتافيزيقية.
ولعل أبرز خصائص الثلاثية أن بيلي لا يقدم في أي منها حلولاً جاهزة لأي إشكالات إبداعية يطرحها. بل إنه يحدو بالقارئ إلى التفكير في ما يسميه بكل وضوح علمي “جدلية وطبيعة الصراع بين الشرق والغرب داخل الإنسان نفسه”. فالانقسام الحضاري الذي يحاول أن يتحدث عنه والعثور على حل له، ليس بالنسبة إليه مجرد خلاف سياسي أو ثقافي وإنما هو “أولاً وأخيراً انقسام في الوعي الإنساني بين العقل والحدس، بين النظام والتحرر وبين التقنية والقيم الروحية”.
ومن هنا لم يكن غريباً أن تحتفظ ثلاثية بيلي براهنيتها على رغم مرور أكثر من قرن على كتابتها. والحقيقة أن هذه الثلاثية، وبخاصة جزءها الثاني المعنون “بطرسبرغ” قد أسهمت في ترسيخ مكانة أندريه بيلي كأحد كبار مجددي الرواية الروسية الحديثة وذلك بخاصة بفضل اللغة المكثفة والبناء الرمزي والاهتمام الحاسم بالفلسفة والتاريخ. وهو ما جعل من كتابته تحدياً للقارئ ليفتح أمام تطور الرواية الأوروبية خلال القرن الـ20 آفاقاً بالغة الجدة. فهل علينا أن نضيف أخيراً أن ثلاثية “شرق وغرب” تقرأ اليوم بوصفها أكثر كثيراً من مجرد عمل أدبي؟ تقرأ كتأمل عميق في أزمة الحضارة الحديثة وفي السؤال الذي يؤرق المفكرين الروس دائماً: هل تنتمي روسيا إلى الشرق أم إلى الغرب؟
مهما يكن لعل قيمة كتابة بيلي الكبرى هي في ما يخلص إليه من أن “قيمة روسيا تكمن تحديداً في قدرتها على أن تكون جسراً بين العالمين من دون أن تكون تابعة لأي منهما”.
