طوال السنوات الماضية، لم تكن المعضلة فقط أنّ سورية فقدت قنوات اتصالها بالعالم، بل أنّ صورتها الدولية نفسها أُعيد تشكيلها عبر سياسة القطيعة؛ فاختُزلت في العقوبات والأمن والصراع، وغابت خلف ذلك مكانتها دولةً ذات موقع ودور إقليمي قابلَين للاستعادة. واليوم؛ مع بدء تصدّع جدران العزلة، لا تواجه سورية سؤالَ العودة إلى العالم فحسب، بل سؤالاً أكثر تعقيداً: أيّ سورية ستدخل هذا العالم مجدداً، وبأيّ شروط؟ فالمشهد الدولي المحيط بدمشق بدأ يشهد تحوّلاً ملموساً. خلال فترة قصيرة، ظهرت مؤشّرات على انتقال العلاقة مع سورية من نهج العزل الصريح إلى إعادة التموضع الحذر. ففي واشنطن بدأت إجراءات إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفي باريس عادت القناة السياسية المباشرة عبر زيارة رفيعة المستوى، كما استعادت سورية كامل حقوق عضويتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بينما تحاول موسكو إعادة صياغة حضورها عبر بوابة الاقتصاد واللوجستيات…إلخ. ولكن هذه التحوّلات، رغم دلالتها السياسية، لا تعني أنّ سورية تجاوزت أزمتها بعد؛ فهي تشير إلى بداية حقبة جديدة فقط، إذ تتقدّم السياسة بخطوات أسرع من الاقتصاد. الاعتراف الدولي قد يُعيد الدولة إلى الطاولة، لكنه لا يُعيد تشغيل المصانع، ولا يؤهل الموانئ، ولا يقيم بيئة اقتصادية مستقرّة بمفرده.
فعلياً، يبدو أنّ سورية تخرج تدريجياً من سؤال “العزلة” إلى سؤال “المكانة”؛ فلم تعد القضية تقتصر على استعادة العلاقات الدولية، بل على القدرة على تحويل الانفتاح السياسي إلى موقع اقتصادي وإقليمي فاعل. ويأتي القرار الأميركي المتعلق ببدء إجراءات إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفه أحد أبرز المؤشرات على هذا التحوّل في المقاربة الدولية. فالقائمة لم تكن مجرّد تصنيف قانوني، بل شكلت عنواناً سياسياً لمرحلة طويلة من القطيعة الممنهجة، وإخطار الإدارة الأميركية الكونغرس ببدء إجراءات الإزالة حمل رسالة تتجاوز بعدها الإجرائي. غير أنّ هذا القرار لا يأتي بمعزل عن مسار أوسع أعادت خلاله واشنطن صياغة سياستها تجاه دمشق؛ انتقلت فيه تدريجياً من استراتيجية الضغط الأقصى إلى إدارة نمطٍ جديد من الانخراط المشروط، لكن الفرق يبقى كبيراً بين فتح الباب والعبور منه، فاكتمال الإجراءات القانونية لا يعني تدفق الاستثمارات تلقائياً، إذ لا تستجيب رؤوس الأموال للإشارات السياسية وحدها، بل لبيئة تنظيمية ومؤسساتية مستقرّة، ونظام مالي قادر على العمل، إضافة إلى ضمانات أمنية طويلة الأمد.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق، فهي لم تكن مجرّد محطة دبلوماسية، بل عكست رغبة فرنسية في إعادة تثبيت حضورٍ أوروبي مؤثر في سورية، بعد سنوات تراجعت فيها قدرة أوروبا على التأثير أمام صعود أدوار إقليمية ودولية أخرى، كما حمل الخطاب الفرنسي تأكيداً لأهمية التعدّدية وحقوق مكوناتها، ودعم مسار اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسّسات الدولة، فباريس تدرك أنّ الانخراط في سورية يمثل مدخلاً لاستعادة حضور أوروبي أكثر فاعلية في الشرق الأوسط، لكنّ العودة الفرنسية لا تعني انتقالاً مباشراً من السياسة إلى الاقتصاد. فالشأن السوري لا يزال يُقرأ أوروبياً من خلال اعتبارات الأمن، ومكافحة التطرّف، وملف اللاجئين، ومستقبل التوازنات الإقليمية، كما أنّ التفجير الذي تزامن مع زيارة ماكرون حمل رسالة تتجاوز آثاره الميدانية؛ إذ أعاد تذكير العواصم الغربية بأنّ نجاح الانفتاح السياسي سيظلّ مرهوناً بقدرة الدولة على ترسيخ الاستقرار، باعتباره الشرط الأول لبناء الثقة وتهيئة البيئة اللازمة لأيّ انخراط اقتصادي لاحق.
تنتقل سورية من دولة “الأزمة” إلى دولة ذات وظيفة إقليمية
في ضوء هذا، لا يمكن فصل التحولات الجارية عن إعادة تموضع القوى المؤثرة في سورية؛ فموسكو، التي ارتبط نفوذها سابقاً بالبعد العسكري، تحاول تعزيز موقعها عبر أدوات اقتصادية وتجارية جديدة، بالتزامن مع الحديث عن تطوير مركز تجاري في ميناء طرطوس، الذي شكّل سنواتٍ أحد أهم مرتكزات النفوذ الروسي في شرق المتوسط، إلى جانب استمرار حضورها في ملفات حيوية كإمدادات الطاقة والحبوب، ومحاولات توسيع التعاون في مجالات النقل والخدمات اللوجستية. ولا يعكس هذا التحول مجرّد بحثٍ عن مصالح اقتصادية متبادلة، بل محاولة لإعادة تعريف الدور الروسي عبر شبكة من المصالح المرتبطة بالتجارة والبنية التحتية، بما قد يحوّل الأدوات الاقتصادية إلى وسيلة لإعادة تدوير النفوذ القائم، ولكن بصيغ أكثر نعومة.
أما الخليج، فإنّ مقاربته تحتاج قراءةً أكثر واقعية؛ فبعد الانفتاح السياسي الواضح عبر الزيارات والاتصالات ومذكرات التفاهم، تقف العلاقة أمام اختبار بناء الثقة. فالاهتمام الخليجي بسورية لا يرتبط بالبعد السياسي وحده، بل بقدرة الطرفين على الانتقال من التقارب الدبلوماسي إلى شراكة اقتصادية قابلة للاستمرار. ولا يُقاس هذا الانتقال بكثرة الإشارات السياسية، بل بمدى تحوّل التفاهمات إلى مشاريع منتجة، والمذكرات إلى استثمارات، والوعود إلى فرص حقيقية، فسورية الخارجة من حرب طاحنة لا تنهض بمجرّد الاتفاقيات أو المؤتمرات الاقتصادية، بل بقدرة هذه الشراكات على إنتاج قيمة مضافة داخل الاقتصاد السوري، في وقتٍ تتحرّك فيه ضمن شبكة إقليمية أكثر تعقيداً؛ فتركيا تنظر إليها من زاوية الأمن والحدود والتجارة، وإسرائيل تتابع التحولات السورية من منظور أمني واستراتيجي مرتبط بالجنوب وبنية التوازنات الإقليمية.
الاعتراف السياسي يفتح الطريق، لكنه لا يبني الدولة؛ والانفتاح الدولي يوفّر فرصة، لكنه لا يشكّل ضمانة
بالتساوق مع ما تقدّم، تنتقل سورية من دولة “الأزمة” إلى دولة ذات وظيفة إقليمية. ويحمل هذا التحوّل فرصة ومخاطرة في آن؛ فالفرصة في تحوّل الموقع السوري من عبء جيوسياسي إلى مورد اقتصادي، عبر استعادة دوره حلقة وصل بين شرق المتوسط والعراق وتركيا والخليج، وعقدة تلتقي عندها مسارات التجارة والطاقة والاستثمار الإقليمية؛ فالجغرافيا تمنح الفرصة، لكنّ الدولة تصنع القيمة. أما المخاطرة فتتمثل في تحوّل هذا الموقع مساحةً تتقاطع فيها مصالح الآخرين، من دون امتلاك القدرة على صياغة شروط هذا التنافس، وإدراجه ضمن رؤية وطنية تجعل الجغرافيا رافعةً للتنمية، لا سبباً جديداً للتبعية. ولكنّ التحولات الكبرى لا تُختَبر بما يظهر منها في لحظتها الأولى، بل بما تفرضه من أسئلة مفصلية: ما قيمة الاعتراف السياسي إذا بقي الاقتصاد عاجزاً عن اللحاق به؟ وأيّ دور تحاول أوروبا استعادته في معادلات الشرق الأوسط الجديدة؟ وكيف سيُعاد تعريف النفوذ الروسي في سياقٍ تتبدّل فيه أدوات الحضور والتأثير؟ ومتى يُترجَم الانفتاح الخليجي إلى استثمارات واقعية؟ فالإجابة عن هذه التساؤلات هي التي ستحدّد شكل سورية المقبلة، لا الانفتاح بحدّ ذاته.
وهنا تحديداً تظهر أهمية إعادة ترتيب ركام الأسئلة داخل هذا المشهد المتغيّر؛ فكسر العزلة ليس نهاية القصة، بل بدايتها. الاعتراف السياسي يفتح الطريق، لكنه لا يبني الدولة؛ والانفتاح الدولي يوفّر فرصة، لكنه لا يشكّل ضمانة؛ والاستثمارات الخارجية تمنح الاقتصاد دفعة ضرورية، لكنها لا تقوم مقام المؤسّسات الوطنية القادرة على تحويل اللحظة السياسية إلى مشروع مستدام.
والركام نفسه، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكون دائماً علامة على النهاية؛ فقد يصبح المادّة الأولى لإعادة البناء، شرط ألّا يُعاد إنتاج الماضي بأدوات جديدة. وبين انكسار العزلة وبناء المستقبل تمتد المسافة الأصعب، فالأبواب قد تُفتح بقرار سياسي، لكن الدول لا تعود إلى التاريخ إلا عندما تنجح في إعادة بناء نفسها من الداخل.