تعرّفت منى رافع وهدى الجوادي على بعضهما عندما تواصلت هدى مع منى لإجراء حوار عن الصحافة في إحدى حلقات بودكاست نون الذي قامت هدى بإعداده لصالح مؤسسة دولتي. مشاعر أختية وصداقة نشأت بينهما، وخاصة أن منى كانت أحد كتّاب منصة الجمهورية الذين تقرأ لهم هدى.

منى تكبر هدى بيوم واحد فقط، تتشاركان كثيراً من الأمور، لذا اتفقتا على أن يقوما بتعاونات مُتعدِّدة، أولها كان البودكاست بحلقته نون الصحافة، وثانيها هو هذا المقال حيث أرادتا أن تكتبا عن وحش القلق وخاصة أنه موضوع شديد الأهمية لهدى. هما تتشاركان كتابة يومياتهما منذ شهر مع نية لتعاونات أخرى.

كتبت هدى:

أمازح صديقي عندما أريد إخباره بخجل عن شيء تافه يزعجني: «لدي قلقونة»، قلقونة وجمعها قلاقين؛ وهي أمر مُقلق ليس بذي أهمية لكنه يُمثِّل نهاية العالم لي في تلك اللحظة؛ هي كلمة أستخدمها في محاولة مني لجعل القلق، وما يجلبه إلى حياتي من الرعب، أكثرَ خفةً وذا طابع «مهضوم» لأُعبِّر عما يختلج في نفسي.

تتبادر إلى ذهني صورة مريعة عندما أفكر بالقلق والهموم التي تعتريني:

رؤوس تحاول الخروج عبثاً والعثور على منفذ من تلك الفقاعة نصف الشفافة ذات الغشاء الذي لا يتمزق، وجوهها باكية حزينة تحاول استنشاق هواء منعش يسمح لها بالانسلاخ والابتعاد عن جسم رابض مكانه يربطها جميعاً، لا يستطيع الحراك لما يعتريه من شلل الخوف والقلق.

لطالما كان القلق وحشاً جاثماً على كينونتي. لأصدقكم القول، لم أكن أعرف بوجوده؛ كنت أظن أن القلق بخصوص كل شيء من ضمن عاداتي التي اكتسبتها أو ورثتها: ما يظنه الآخرون، وماذا أفعل بحياتي، وإلى أين أتجه، وماذا حققت، الماضي والمستقبل. لطالما ظننت أنني مجبولة على هذه المشاعر والتفكير المتواصل فيما حدث، وماذا سيحدث، في غياب أي وعي للحاضر أو إدراك لما أُظهِره للناس عندما أحس به. أي أني ولدت معه! حياتي كانت مسرحَ قلقٍ دائمٍ، كنت فيه ممثلةً مساعدةً احتياطيةً؛ مشاهد تتداعى فيها حياتي، أدين بها لمشاعر ذنب غير مبررة، نوبات هلع، وتكرار أسئلة «ماذا لو»… في هذا المسرح أحاول ما بوسعي لأُسكِت القلق الذي أعاني منه، وأطرد ذاك الممثل من مسرح حياتي، لكني كلما خضت قلقاً وخرجت منه، ازداد شعوري بأن القلق مؤسِّس المسرح وأنه لا انفكاك لي عنه، ربما يتحسن مع بضع أدوية وعادات جديدة، لكنه لا يختفي.

هو رأس آخر مرتبط بجسمي الرابض، موته هو موتي.. هو أنا وأنا هو..

أذكر المرة الأولى التي أدركت فيها أن حالتي هذه هي مرضٌ ذو أعراض وتشخيص. كنت أتحدث حينها إلى صديق عزيز أعرفه منذ سنوات الجامعة ولكننا انقطعنا عن التواصل لفترة طويلة، يسألني عن حالي فأخبره بأني أشعر بخوف غير مبرر، بالحزن والرغبة بالبكاء اللذين لا أعرف لهما سبباً، أخبرته بحيثيات الموضوع، وأذكر أنه شرح لي وقتها أن ما أعانيه هو داء القلق العام الذي يصيب كثيرين وبعث لي بمقطع فيديو يشرح ذلك. كثير منّا يعانيه.

أعراض واضحة مثل صعوبة في النوم، خوف غامر وغير مبرر، ألم في المعدة، غياب القدرة على التركيز، الدماغ كصفحة بيضاء، تعب دائم، مزاج منخفض، إحساس بالنزق، وبالطبع «العزيزة» نوبات الهلع المتكرّرة غير المبررة.

أحاول التعامل مع الأمور بخفة.. ولكنني لا أستطيع، أحاول عبثاً أن أرتدي جلداً جديداً وروتيناً آخر، علّني أخرج من عاداتي القديمة.

عندما أحاول فهم ما يعتريني، أجد أن قلقي يختلط مع خجلي لتصبح النتيجة خوفاً من التعامل مع الخارج أيّاً كان. غريبة هي الحياة؛ فالتغرّب يصبح وسيلة للتعرّف على أنفسنا والنظر إليها بنظرة فاحصة، نحاول فهم دوافعها وتصرفاتها ومشاعرها. لم أستطع فهم ما أعانيه وتحديده إلا عندما عشت وحدي، بعيداً عن شبكات الأمان التي نملكها في أوطاننا، وإن كانت شكلية. القلق في غربتنا يتحول إلى كائن حي يعيش إلى جانبنا، نحاوره ونربيه إلى أن يصير أكبر مننا.

يقول بو كلثوم في إحدى أغنياته: الصفنة بريفليج، وأنا أعتبرها كذلك لأني استطعت رؤيتها بعدما زال غبار نقاشات العائلة وابتعد الناس، ولم يبقَ سوى صرير الصراصير، أو بالأحرى خرير المياه في أنابيبها. نعم، الصفنة امتياز لنا نحن الوحيدون-ات، الآخرون والأخريات، المتعبون-ات والهاربون من الضغوط والهاربات والباحثون-ات عن الحرية والفهم والقوة.

أخبرتني صديقة ذات يوم أنني أُخطِئ حين أُعرّف عن نفسي كشخص قلق وكأنني أعتنق هذه الصفة كإطار شخصي لي، لم أُسعَد بتلك الملاحظة، ولا أريد التعريف عن نفسي هكذا، علماً أنني بالفعل أخبر الناس بقلقي، كي يستطيعوا فهم ردات فعلي وخاصة هلعي، أو سرعة اضطرابي وجفلي من الأمور المفاجئة، لكنه غاب عن بالي أنني بفعلي هذا وضعت نفسي في خانة أخرى وتحت مُسمّى آخر، يحمل تصورات مغايرة لما أعنيه عندما أخبرهم بذلك.

عندما أُخبِر أحداً ما بمشاعر قلقة، لا أريد منهم أن يروني في ضوء هذا البوح فقط، أخبرهم لأني أريد فهماً، وتعاطفاً، وأن أُسمع وأُرى. أشعر بالحنق لأنني لا أشبه الآخرين أو لأني لا أستطيع فهم سير المجتمع أو فهم لغته.. ولأني أتوقع من الأقرباء والأصدقاء أن يستقبلوا ما أقوله بنية وبساطة ما أشعر به نفسِهما، بنية ما خرج مني، لا أن يغربلوه بغربال المجتمع ومشاعر ما بين السطور التي لا أعرف ترجمتها، والتي إن حملتها فهي ربما تكون استقراءً قلقاً لمشاعر ذنب ماضية أو لمستقبل غامض. لا أضعها بين السطور لمشاركة  أمر غامض لا أود الإفصاح عنه بوضوح، كما يفعل الآخرون.

تأتي بشاعة القلق من أنه يستطيع تشويه أجمل اللحظات وأكثرها فرحاً، وانتزاع خصوصية اللحظة، وإغراقَنا في مستنقع سوداوي بائس – أود البكاء في هذه اللحظات أشعر بعدم الراحة – لكني لا أعرف السبب تماماً، لا أستطيع البكاء منذ مدة طويلة، ربما كان هذا نتيجة تأثير الأدوية أو ربما شيء ورثته عن والدتي رحمها الله، التي عانت طوال حياتي البالغة من مشاكل في بصرها انتهت بالعمى شبه الدائم في آخر سنوات حياتها.. كل ذلك لأنها كانت تحزن ويرتفع ضغط الدم في عينيها، حزنٌ وقلقٌ سبّبا ابيضاض عينيها.

بعد حوالي خمس سنوات من نقاشات طويلة بدأت مع صديقي ذاك واستمرت مع معالجتي النفسية، استنتجت هذه السنة أن ما أحس به هو شيء يمكن التخلص منه. القلق مُمثّل نرجسي، يُملي عليّ نصوصي ومشاهدي ومشاعري وتحركاتي وعلاقاتي وصداقاتي. يُمكنني الآن طرده من مسرح حياتي، أو ربما جُلّ ما أستطيعه هو أن أحيله إلى كومبارس، يشاهد فقط، هو جزء من المشهد لكنه لا يقول أو يفعل شيئاً.

تخبرني الصديقة نفسها منذ أيام أنها تحبني ولكني بحاجة إلى أن أتوقف عن جلد نفسي! جاء ذلك في ملاحظة وبوح عابرين في نقطة خلال صداقتنا.

وحتى منى عند كتابتي لهذا النص تنهاني عن الجلد بشكل متكرر، وأنا عبثاً أحاول الانفكاك.

أقلق الآن كثيراً، لكني أقوم بجلسات علاج نفسي، وأستطيع بالتنفس العميق، وبالصلاة وممارسة العد العكسي، بالمشي وغيرها، ضبط هذا القلق. أقوم بكل هذا وألجم نفسي عن القيام بأي تصرف أو رد تحت تأثير هذا «المخدر»، حانقة ومختنقة وحزينة الآن، لكنني الآن أعرف يقيناً أنني سأستطيع تخطي هذه اللحظة. هي مشيئة الله وسنة الكون.. ما بعد منخفَضٍ إلا مرتفَعٌ، وما بعد حزنٍ إلا مسرّة.. وما بعد ليلِ القلق إلا نورُ الفلق!

أخاطب ربي وأسأله مساعدتي قائلة: أعوذ بك يا رب الناس ورب القلق!

كتبت منى:

في كل مرة أفكر فيها بالقلق الذي أعيشه منذ سنوات، والذي شخّصته بنفسي كما شخّصت أني أعاني من الشقيقة وغيرها، أتذكر قصيدة جاك بريفير، والتي استشهدت بها أكثر من مرة  هنا؛ «اليأس جالس على مقعد»، هذه المرة، القلق جالس على مقعد، وهو يتفرج عليَّ وأنا أروح وأجيء وأروح وأجيء، أو أنا أهز قدمي بهستيريا، مفكرة بكل صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة، ومُنصتة لأصغر نأمة قد تصدر من حولي، يا لطيف! هل هو مرض حقاً؟ أو هو مجرد قلق جالس على مقعد يتربص بي مهما فعلت ومهما قلت، اليوم مثلاً، تلقيت كلمتين قاسيتين من مديرتي، ما جعلني أغص حتى أردت أن أبكي. لم أنتبه إلا وأنا أهزّ قدمي بهستيريا، وهي تقول لي مازحة: «ربما، ربما، توقفي قبل أن يخرب الكرسي» ثم أهزّ قدمي مجدداً وهي تمسك بالكرسي وأنا غير منتبهة، وهي تقول لي بطريقة حانية: «توقفي، توقفي» ولكني أنا لا أستطيع أن أتوقف، لا أستطيع، والله أحاول ولا أستطيع. كل ما يحدث يجعلني أشعر بـ…، الذي لا أحب ذكر اسمه، ولا أعرف منذ متى هذه الحالة. أسمع صوتاً صغيراً، فأنتفض مثل رأس القط وقد بللتم رأسه بالماء فجأة، وأنا مثل رأس القط الذي يكره الماء. تقول لي أمي وهي تتطلع إلى صور إخوتي على شاشة هاتفها: «أريد قطة، أريد أن أقبلها وأنام جوارها»، أتمعن في صور إخوتي التي على شاشتها: أين أنا؟، لماذا لست بينهم؟ أمعقول أنها لا تحبني؟، أخجل من السؤال، وأغرق في التفكير بمن يحبني ومن لا يحبني، وتقتلني الأجوبة، وأخلص إلى نتيجة مقنعة، مقنعة جداً في الواقع، أنّ لا أحد يحبني.

لو أمكنني أن أجلس بجانب القلق الجالس على مقعد بريفير، لو أمكنني أن أسأله: لِمَ تجعلني دوماً خائفة؟ لِمَ تجعلني أُفكِر بأحداث مأساوية لم تحدث بعد؟ لِمَ تجعلني أرثي من أحبهم وهم على قيد الحياة؟ لِمَ تجعلني ألوم نفسي على كل صغيرة وكبيرة؟ لِمَ تفتح جفوني وتمنعني من النوم في الليل؟ لِمَ تفكر عني وتجعلني عالقة في مواقف صغيرة لا تستحق الالتفات؟ وهو ينظر إلي هكذا وهو جالس على مقعده الخشبي المهترئ، ينظر إلى الأمام كأنه ينتظر أحداً ولا يلتفت إلي أبداً، أبداً.

يا لطيف!، هل هو مرض حقاً؟ تصرخ أمي بأنها تشتكي من الوحدة، توجه الكلام لي ولأبي، فأفترض أنها مصابة بالـ… الذي لا أحب اسمه، أدّعي أني لم أسمعها، أقلق على قلقها، ربما ستقولون لي: من منّا ليس كذلك؟ نعم، من منّا ليس كذلك، من منّا؟ ها؟ من؟ لا أحد، وأنا اللا أحد أيضاً مصابة به، ومن حولي مصابون به، وعددنا ليس بالقليل. أذكر مرة أني كنت أقرأ في كتاب عن شخص يجلس في مطعم ينتظر النادل، وإذ به يتخيل أنّ هناك من سيدخل وهو يحمل سكيناً وسيقتله، لأنّه رأى شخصاً رثّاً في الخارج ينظر إليه. بدأت أفكر بعمق في هذه الفكرة، وأنا جالسة في قهوة رخيصة صغيرة وغير مرئية: ما المانع فعلاً؟ ما المانع؟ لكنّ أحداً لم يقتلني، لكنّ أحداً لم يدخل وهو يلوّح بسكينه، لكنّ أحداً لم يدخل، صدقاً، لا أعرف لِمَ أفكر، يالطيف، قل أعوذ برب القلق.