
هذه الحلقة السادسة والأخيرة من مرويات عن بنت جبيل وقرى تجاورها. وهي رسمت وجوهًا من أحوال مجتمعها، تقلّباته وتحولاته ومنعطفاته، في القرن العشرين. فبعد حلقة أولى عن حوادث وصور من عقد الستينيات في البلدة العاملية في أقصى جنوب لبنان، وثانية عن سوقها الأسبوعية وحرفها وصلتها بفلسطين، وثالثة عن عمليات التهريب الحدودي وتجارته منها ومن شبعا، بعد إنشاء دول في لبنان وسوريا وفلسطين، وإقامة حدود بينها، ورابعة عن الحرف التقليدية وتحولها صناعة ناشطة، قبل أن تندثر وتصير حكاية، وخامسة عن نشأة حزبيات محدثة في بنت جبيل والقرى التي تجاورها، هنا الحلقة الأخيرة عن انتفاضة 1936 العاملية وحضور الفدائيين الفلسطينيين في بنت جبيل 1969.
فلاحون وحرفيون
ولد أبو علي بعيترون في سنة 1943، وهو متعلم تعليمًا عاليًا وانتمى إلى الحزب الشيوعي اللبناني في فتوّته العيترونية كوالده الفلاح في الثلاثينيات. وفي مروياته عن قريته الفلاحية وبنت جبيل البلدة الحرفية والتجارية، شدّد على مسألة أساسية، فقال: لم يُقبل أبناء بنت جبيل إقبالًا واسعًا وعامًا على التعليم ويستمروا فيه حتى مراحله المتقدّمة، إلا في عقد الستينيات الذي وسّع الحكم الشهابي في مطلعه التعليم الرسمي. ومقارنةً بأبناء عيترون وسواها من القرى الفلاحية المجاورة لبنت جبيل، تأخر زمنًا انخراط بنت جبيليين في تيارات ومذاهب سياسية جديدة ومحدثة، تخرج على التقليد السياسي العاملي العام، بزعاماته وولاءاته ووجهاء عائلاته المحلية.
وعلّل أبو علي ذاك التأخر الزمني بواقعة تاريخية-اجتماعية محلية في بنت جبيل: غلبة الحرفيين وصغار التجار فيها على الفلاحين، في مقابل غلبة ساحقة تقريبًا للفلاحين في عيترون. وبقدر ما “حرّر” توارث الحرف والتجارة أغلبية أهالي بنت جبيل من ربقة أو غلبة العلاقات والولاءات الإقطاعية الفلاحية أو الزراعية فيها، قلّل ذاك التوارث وأخَّرَ من إقبال أبنائهم على التعليم ومن انخراطهم في تيارات اجتماعية-سياسية جديدة ومحدثة.
لكن التوسّع في المقارنة وتنويع المصادر والتدقيق فيها، يبيّن صحة ملاحظة أبو علي بقدر ما يُظهر اقتصارها على دوائر اجتماعية بعينها: الفئات العاميّة الفلاحية الغالبة على أهالي عيترون، التي تمرَّد فلاحون منهم، بوساطة المذهب الشيوعي، على الإقطاع والعلاقات الإقطاعية في القرية. وهم قرنوا تمرّدهم ذاك بإصرارهم المستميت على ألاّ يرث عنهم أبناؤهم بؤسهم الطبقي الفلاحي لارتباطه المباشر بمظالم الإقطاعيين عليهم. وكان سبيلهم الوحيد أو الممكن إلى ذلك، حرصهم المستميت أيضًا على تحصيل أبنائهم تعليمًا عاليًا.
أما في بنت جبيل فلم يكن العامة من أهلها الحرفيين وصغار التجار في حاجة ملحّة و”وجودية” إلى تمرّد اجتماعي طبقي، بوساطة مذهب أيديولوجي (الشيوعية)، ما دام الإقطاع وعلاقاته ضعيفين أصلًا في بلدتهم “الحاضرة” جنوب جبل عامل، وفي مستطاعهم توريث أبنائهم حرفتهم أو عملهم التجاري، والاكتفاء بتعلّمهم الابتدائي، من دون إصرارهم على الاستمرار فيه إلى مراحل متقدمة.
انتفاضة 1936 العامليّة
والأرجح أن شيوعية أبو علي هي التي أدت إلى حصره في بيئةٍ فلاحيّة تمرُّدَ عامليين في الثلاثينيات، وإلى إغفاله تمرّدًا من نوع آخر: انتفاضة مزارعي التبغ في قرى عاملية كثيرة سنة 1936. وهي بدأت فلاحية-طبقية، ولم يطلقها ولا تصدرها محازبون شيوعيون، وشكّلت بنت جبيل وسرايا السلطة فيها مسرَحها الجامع، وشارك فيها عامةٌ أو عوامٌ من أهلها الحرفيين والمزارعين، وتصدرها من أبنائها ومن أبناء قرى عاملية شبان وفتيان متعلمون تعليمًا عاليًا، وكانوا أبناء عائلات دينية (شرارة) ووجهاء محليين (بزي) وتجار وموظفين (بيضون).
لكن سرعان ما غلبَ على تلك الانتفاضة وجهها “الوطني العاملي” ضد سلطات الانتداب الفرنسي، وليس الوطنية اللبنانية الجبل لبنانية والمارونية المصدر، والموالية آنذاك بعدُ للانتداب الفرنسي. وقد لابس تلك “الوطنية العاملية” بعدٌ قومي عربي على صلة وثيقة بانتفاضة الفلسطينيين في العام نفسه (1936) على الانتداب البريطاني وتسهيله الاستيطان الصهيوني في بلادهم. وكان ذاك المزيج من الوطنية والقومية ينطوي على أصداء حيّة من “عروبة ملكية” مصدرها حركة أو ما سُمِّي “الثورة العربية الكبرى” بقيادة الشريف حسين في مكة، وابنه الأمير فيصل في بلاد الشام، على السلطنة العثمانية. وقد وقفت تلك الثورة، بضباطها “العرب” المنشقين عن الجيش العثماني، إلى جانب بريطانيا، وساندت جيشها في خضم الحرب العالمية الأولى (1914- 1918).
وتصدّرت انتفاضة نيسان 1936 في بنت جبيل وجوه شابة متعلمة تعليمًا مدنيًا محدثًا، وكانت من أبناء عائلات الأعيان والوجهاء المحليين في بلدات وقرى عاملية: علي بيضون، عبد اللطيف بيضون، علي بزي (بنت جبيل). وكان عادل عسيران من الوجوه الداعمة للانتفاضة في صيدا. وإلى جانب هؤلاء كان هناك أقرانهم الذين لا يقلّون عنهم شأنًا ومشاركة في الانتفاضة، وهم أبناء عائلات كانت تتوارث العلوم الدينية والمشيخة، لكنها انقطعت عن توارثهما ابتداءً من العشرينيات. وبعضها ترك أبناؤها المشيخة بعد تلقيهم علومها في النجف: محمد شرارة (بنت جبيل) وحسين مروة (حدّاثا) اللذان خلعا الجبّة والعمامة واعتنقا الفكر الشيوعي وانخرطا في حزبه. وكان موسى الزين شرارة “نجم” الانتفاضة وصوتها في بنت جبيل، وإلى جانبه عبد الحسين العبدالله من الخيام.
عصبة الأدب العاملي
وفوق تحدّرها من هذين المصدرين الاجتماعيين البلدين المتقاربين (الوجاهة العائلية، والمشيخة الدينية وسلكها الذي كانت له وجاهته وفقدها بعد عزوف أبناء العائلات الدينية عن المشيخة)، كان هناك جامع مشترك بين الوجوه الشابة التي تصدّرت الانتفاضة: ميلهم الجارف إلى التأدب في ما سُمّي “مجالس الأدب العاملي”، وإلى “التحرر” و”التقدم” و”المدنية” أو “التمدُّن”، للخروج بوساطة ذلك الميل من التقليد الاجتماعي والسياسي العاملي القديم، الإقطاعي المتوارث، الثقيل والساكن. وقد تحلّق معظمهم حول مجلة “العرفان” العاملية التي بدأت تصدر في صيدا مطالع القرن العشرين، وكثيرون منهم كتبوا فيها.
أما إطارهم العملي الجامع قبل انتفاضة 1936 وفي أثنائها وبعدها، فكان “عصبة الأدب العاملي” و”الشبيبة العاملية”. ومن أبرز وجوه “العصبة” في الانتفاضة: موسى الزين شرارة سليل العائلة الدينية المتعلم تعليمًا مدنيًا والمتأدب والشاعر الزجلي المرموق في بنت جبيل، وإلى جانبه عبد الحسين عبدالله، سليل عائلة وجاهة عصبية في بلدة الخيام، وهو شاعر ومتأدب أيضًا. علي بزي نجل الوجيه البنت جبيلي الحاج حسن بزي، والمتعلم تعليمًا مدنيًا في دمشق، والقومي العربي، قبل انتخابه نائبًا شهابيًا في البرلمان اللبناني مطلع الستينيات. هاشم الأمين نجل رجل الدين العلامة السيد محسن الأمين الذي فضّل للعامليين العلوم المدنية على الدينية، وهو من بلدة شقرا، وابنه هاشم برز لاحقًا ومعه حسين مروة في النشاط الشيوعي بجبل عامل.
العروبة البعثية والناصرية
من أبرز آثار انتفاضة 1936 تنامي التيار الشيوعي في قرى عاملية فلاحية. أما في بنت جبيل التي لم تخلُ من بعض الشيوعيين، فقد تنامى التيار “الوطني العربي” المناوئ للانتداب الفرنسي، واستدخل في “النضال” الاقتصادي الطبقي مشاعر وانفعالات وأبعادًا وطنية عربية. وفي إطار هذا التيار ظهرت في الحياة العامة العاملية والبنت جبيلية تحديدًا، نخبة جديدة تتحدر من مصدرين متجاورين: عائلات وجهاء ما يسمى “الصف الثاني” الذي يلي الزعامة العاملية التقليدية الإقطاعية الجامعة المتمثلة بآل الأسعد. أما المصدر الثاني لتلك النخبة، فهو أبناء عائلات دينية ضمرت فيها المشيخة وعزف أبناؤها عن علوم الدين، وتبنوا أفكارًا وتوجهات مدنية محدثة.
وانضوى شبان ووجوه هذه النخبة بمصدريهم في تيارات ثقافية وأدبية وسياسية تتضمن عامليتها ولبنانيتها عاملًا عربيًا، ربما تحضر فيه أصداء من “حركة الإصلاح الديني” التي نشأت في نهاية القرن التاسع عشر ومطالع العشرين، وأصداء أخرى من ما يسمى “النهضة الأدبية” والثقافية في الحقبة نفسها.
وفيما كانت تتمازج هذه الأصداء في ميول ومخيلة النخبة العاملية الجديدة، وُلد في دمشق وبغداد تيار العروبة البعثية، فتأثرت به تلك النخبة وانخرطت في أطره الحزبية الناشئة. وكان للشبان المتعلمين في بنت جبيل نصيب وافر من تلقف ذاك التيار والانخراط في حزبه في عقدي الأربعينيات والخمسينيات.
وفي النصف الثاني من الخمسينيات، وتحديدًا بعد تأميم قناة السويس المصرية وحربها في العام 1956، ألهبت خطابة “المارد العربي” جمال عبد الناصر في القاهرة مخيلة الجماهير العربية في المشرق، سوريا والعراق ولبنان. وكان لبنت جبيل نصيبها من تلك العروبة الجديدة الجارفة في الستينيات.
فدائيو “الصاعقة” في بنت جبيل
وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في بنت جبيل الخمسينيات. فهي كانت قاعدة لـِ “جيش الانقاذ” المقاتل في فلسطين حرب 1948، وقد تطوّع فيه بنت جبيليون كثر. وكان بعض من عائلات بنت جبيل تقيم وتعمل ومتوطنة في فلسطين. وهي عادت إليها كنازحة ولاجئة مثل الفلسطينيين، وتكفلت “وكالة الأنروا” الأممية لغوث اللاجئين الفلسطينيين بإيوائها وتعليم أولادها في مدرسة أُنشئت لهم في بنت جبيل. وروى أبو علي أنه عندما تقدم للامتحانات الرسمية في نهاية المرحلة الابتدائية، أنشأت “الأونروا” هنغارًا ضخمًا في صور قدّم فيه تلامذة جنوبيون من قرى جبل عامل امتحاناتهم الرسمية اللبنانية في العام 1955.
أما أم علي المولودة في بنت جبيل في العام 1953 والمتعلمة في مدرستها الرسمية للبنات حتى المرحلة الثانوية، فروت كيف حضرت صورة الفدائي الفلسطيني في مخيلة جيلها في البلدة العاملية الجنوبية في العام 1968، وقالت: عندما بدأنا نسمع كلمة فدائي، كنا في ريعان صِبانا، فتخيلناه ملاكًا سماويًا سيسقط من السماء. وبعد عودتها من زيارة السيدة زينب في دمشق، قالت لنا أمي إنها رأت هناك فدائيين، فرحنا نلحّ عليها أن تصفهم لنا لنتأكد من أنها فعلًا أبصرتهم وكيف أبصرتهم، فقالت إنهم يلبسون ثيابًا مرقطة، ولهم ملامح القديسين.
وبعد “اتفاق القاهرة” في العام 1969، وصلت طلائع فدائيي منظمة “الصاعقة” إلى بنت جبيل. لقد جاؤوا من منطقة العرقوب في جنوب لبنان الشرقي، قالت أم علي، وتابعت: علمنا أنهم من محازبي “البعث” في سوريا، ورأيناهم يلبسون ثيابًا مرقطة. وهبّ أهالي بنت جبيل من الفئات والأعمار كافة لاستقبالهم والاحتفاء بقدومهم هاتفين مزغردين في صف الهوا على مدخل بنت جبيل، فحملهم الشبان والرجال على أكتافهم وساروا بهم في تظاهرة حماسية صاخبة إلى السرايا الحكومية التي طردوا منها رجال سلك الدرك اللبناني، وثبتوا الفدائيين فيها ونصبوا عليها العلم الفلسطيني.
لكن أبو علي روى وقائع المشهد بتاريخه الدقيق ومناسبته وتفاصيله، فقال: في 20 حزيران 1969، عدت إلى قريتي عيترون بعد إنهائي دراسة الطب في واحدة من جامعات الاتحاد السوفياتي. وفي 5 تموز جاء ابن بنت جبيل الشاب أمين سعد في زيارة لبلدته. كان يرتدي ثيابًا مرقّطة ويحمل بندقية كلاشنيكوف، وينتمي إلى منظمة “الصاعقة” الفدائية. وفي شهر أيلول، لا أستطيع تحديد اليوم والتاريخ، استشهد باسمه الفدائي “الأخضر العربي” في بلدة شبعا في العرقوب، ودُفن في بنت جبيل التي بدأ فيها التحضير لذكرى مرور أسبوع على استشهاده. وفي النهار المحدد الموعود، وصلت إلى بنت جبيل نحو 500 سيارة في مواكب للمشاركة في مهرجان ذكرى الأسبوع. كانت السيارات مليئة بالبشر وفي صناديقها الخلفية أصناف من الأسلحة الصغيرة والمتوسطة. وفي نهاية المهرجان سقطت بنت جبيل في يد الفدائيين وحُرِّرت سراياها من رجال أجهزة الأمن اللبنانية، وغادرتها السيارات خالية إلا من سائقيها.
عيناتا المجاورة لبنت جبيل سقطت بدورها في يد فدائيي “الصاعقة” و”فتح” في ذاك النهار. وفي العام 1970 دخلتها قوة من الجيش الإسرائيلي، فاستشهد في مواجهتها علي أيوب، أول شهيد شيوعي في الجنوب، وبدأ النزوح من عيناتا. أما عيترون فكان النزوح منها قد بدأ بعدما قامت القوات الإسرائيلية بعملية كوماندوس فيها، فأنارت سماءها ليلًا بالقنابل المضيئة. وتزامن ذلك مع أول يوم فتحتُ فيه عيادتي الطبية في العام 1969.