هذا مؤشر يؤكد أن في السياسة ليست كل هدنة بداية سلام، كما أن وقف إطلاق النار لا يعني وقف الصراع، بل السلام يبدأ حينما يشعر الجميع بأن هنالك ثقة متبادلة، والشواهد على ذلك كثيرة يؤكدها التاريخ، فكثير من الحروب لا تنتهي عند وقف النار، بل عندما يقتنع أحد الطرفين بأن تكلفة المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها، ومن ثم يبدأ بناء الثقة للوصول إلى السلام، أما غير ذلك فتبقى مناورة وهدنة التقاط أنفاس، يعيد خلالها كل طرف ترتيب أوراقه استعداداً للجولة التالية.
ولهذا ينظر كثيرون إلى أن مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن إعلان نهاية للمواجهة، بل هي أقرب إلى هدنة فرضتها بعض الظروف بعد حرب خرجت منها طهران مثقلة بالخسائر، وأهمها فقدان القيادات العليا؛ وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، إضافةً إلى الأضرار البشرية والبنى التحتية والمنشآت النووية، واقتصاد يرزح تحت عقوبات دولية مؤلمة، لذلك كانت الحاجة الإيرانية إلى الوقت أكثر من حاجتها إلى الاتفاق، وكانت تبحث عن الهدنة لا لأنها تخلَّت عن مشروعها، بل لأنها أرادت إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما ظل الطرف المقابل ينظر إلى الهدنة على أنها مرحلة لبناء الثقة مع الطرف الإيراني.
الأسابيع التي أعقبت التوقيع كشفت سريعاً عن أن طهران لم تغيّر سلوكها، وأن الاتفاق لم يغيّر طبيعة النظام بقدر ما غيّر إيقاع المواجهة، وهذا بدا واضحاً خلال الجنازة الرسمية للمرشد علي خامنئي؛ فالجنازة لم تكن مناسبة لتخفيف الاحتقان أو إرسال رسائل طمأنة، بل تحولت إلى منصة سياسية أعادت إنتاج خطاب الثورة ذاته، إذ كانت الهتافات تدعو إلى الثأر، واللافتات استهدفت الولايات المتحدة، وبقي الخطاب الرسمي أسير مفردات المواجهة، وهي رسالة تؤكد أن المؤسسة التي تحكم في طهران لا ترى في الهدنة تحولاً استراتيجياً، وإنما محطة مؤقتة في صراع تعدّه طويل الأمد.
كما أن استهداف السفن التجارية في الخليج العربي هو من الأدوات التصعيدية التي تستخدمها إيران للإضرار بالاقتصاد العالمي لتضغط بذلك على واشنطن، ومن ثم يأتي التهديد الإيراني بإغلاق مضيق باب المندب، لمعرفتها بأهمية تأثير الممرات المائية على الاقتصاد العالمي، بعدما فعلته بمضيق هرمز، ولم يكن من قبيل المصادفة أن تعود تهديدات الحوثيين باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية في السعودية، وتهديد الملاحة البحرية في بحر العرب، ثم يتم القبض على إحدى السفن القادمة من إيران وهي تحمل أسلحة وذخائر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وهو مؤشر على أن إيران تريد نقل تجربة مضيق هرمز إلى باب المندب، كما أن إعادة تشغيل الخط الجوي من طهران إلى صنعاء، من دون النظر إلى أي اعتبارات دولية، رسالة مفادها أن النفوذ الإيراني في المنطقة لم يكن مطروحاً على طاولة التفاوض، وأن أدوات طهران الإقليمية لا تزال جزءاً من معادلة المساومة.
إيران لم تتوقف يوماً عن استهداف محيطها العربي بعد الهدنة، بل ظل السلوك الإيراني قائماً على توسيع النفوذ وليس بناء الثقة والشراكات، واستمر استهداف السعودية ودول الخليج والأردن وسوريا بالمسيّرات والصواريخ، لأن طهران لا تنظر إلى دول الجوار بوصفها دولاً جارة وشريكة، بل تراها ساحات نفوذ، ولذلك فإن الحديث عن بناء ثقة مع النظام الإيراني يبقى محدود الجدوى ما دامت عقيدته السياسية والأمنية تقوم على تصدير النفوذ قبل احترام سيادة الدول.
ولهذا لم يكن استئناف الضربات الأميركية مفاجئاً، لأن أسباب الأزمة بقيت كما هي، فالهدنة عالجت بعض الملفات التكتيكية، لكنها تركت جوهر الخلاف معلقاً، وهو البرنامج النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، وشبكة الوكلاء، وعندما تؤجّل أصل المشكلة، فإنك لا تؤسس لسلام، وإنما تؤجّل موعد الأزمة التالية.
