افتتح الرئيس السوريّ أحمد الشرع الجلسة الأولى لمجلس الشعب بالتأكيد أنّ سوريا “تكتب اليوم تاريخاً جديداً”، داعياً إلى تغليب المصلحة الوطنيّة وبناء الدولة وتحقيق سيادة القانون. ومنحت كلمته انتخابات مكتب المجلس دلالة تتجاوز اختيار الرئيس ونائبَيه وأمين السرّ لتصبح اختباراً لطبيعة التوازنات داخله وحدود استقلاله عن السلطة التنفيذيّة.
أظهرت النتائج منافسة محدودة جرت ضمن سقف سياسيّ وتوازنات مناطقيّة ومكّوناتيّة واضحة، في غياب كتل حزبيّة وبرامج معلنة.
فوز بلا أكثريّة صلبة
انتخب أعضاء المجلس عبدالحميد عكيل العواك رئيساً، بعد حصوله على 99 صوتاً من 206 أعضاء حضروا الجلسة. وعلى الرغم من تقدّمه على منافسيه، أظهرت النتيجة تشتّت الأصوات وغياب كتلة صلبة تستطيع فرض مرشّحها، وبيّنت أنّ التفاهمات التي سبقت الجلسة لم تتحوّل إلى أكثريّة متماسكة داخل القاعة. مما يؤسس مستقبلاًً لحيوية المناقشات داخل المجلس.
ينحدر العواك من محافظة الحسكة، ويتمتّع بخلفيّة قانونيّة، وعمل قاضياً قبل انشقاقه عن النظام المخلوع الذي كان يرأسه بشّار الأسد، وسبق أن شارك في لجنة صياغة الإعلان الدستوريّ. وعكس وصوله إلى رئاسة المجلس تقدّماً لمرشّح من شمال شرقيّ سوريا، بعدما تركّزت التوقّعات على أسماء تستند إلى قواعد مناطقيّة في حلب ودمشق وريفها. ومنح انتخابه المنطقة الشرقيّة حضوراً في أعلى موقع داخل السلطة التشريعيّة.
انسحاب خانجي غيّب حلب
تمثّلت المفارقة الأبرز في سحب عزّام خانجي ترشّحه لرئاسة المجلس، خلال اجتماع الرئيس الشرع بأعضاء مجلس الشعب في القصر الرئاسيّ ليلة الانتخابات. وبحسب مصادر حضرت الاجتماع، أبدى الشرع عدم رضاه عن تشكيل الأعضاء الحلبيّين تكتّلاً وصفه بأنّه مناطقيّ، وألمح إلى عدم قبوله وصول مرشّح ذي امتدادات حزبيّة إلى رئاسة المجلس.
وفُهم حديث الشرع عن الامتدادات الحزبيّة بأنّه إشارة إلى خانجي، على خلفيّة اتّهامات متداولة بصلته التنظيميّة بجماعة “الإخوان المسلمين” السوريّة، وهي اتّهامات ينفيها خانجي، مؤكّداً استقلاليّته السياسيّة، على الرغم من قربه من الوسط المحافظ في حلب.
سبق خروجه فتح صناديق التصويت، في ظلّ إشارات وضعت حدوداً لهويّة المرشّح المقبول، مما أدى لكشف حساسيّة السلطة تجاه تكتّلات مناطقيّة أو حزبيّة قد تتحوّل إلى قوى منظّمة داخل المجلس.
أدّى انسحاب خانجي إلى غياب حلب عن مكتب المجلس، على الرغم من امتلاكها الكتلة الكبرى بين المحافظات، بواقع 46 عضواً من المنتخبين والمعيّنين. وكان متوقّعاً أن يترجم هذا الثقل إلى موقع في هيئة الرئاسة، بعد تنسيق عدد من الأعضاء الحلبيّين لدعمه. إلّا أنّ هذا التنسيق لم يُتَح له أن يُختبَر في الاقتراع، ولم ينجح الأعضاء الحلبيّون في الدفع بشخصيّة بديلة.
تبرز هنا مفارقة بين رفض قيام تكتّل مناطقيّ داخل المجلس، وبين تشكيل هيئة الرئاسة وفق توازنات تراعي المناطق والمكوّنات. ويوحي ذلك بأنّ التحفّظ انصبّ على عدم تحوّل التمثيل المناطقيّ إلى كتلة منظّمة قادرة على فرض مرشّحها بصورة مستقلّة عن التفاهمات التي ترعاها السلطة.
توازن المكوّنات وتباين المسارات
في سياق انتخابات مكتب المجلس، انتُخب مصطفى موسى نائباً أوّل للرئيس وحصل على 122 صوتاً، متقدّماً في عدد الأصوات التي اقترعت له على رئيس المجلس نفسه. ويشير ذلك إلى امتلاكه قاعدة تأييد أكثر تماسكاً، وإلى أنّ أعضاء المكتب لم يصلوا ضمن قائمة واحدة، إذ تبدّلت التحالفات بحسب المنصب والمرشّح. ويعكس انتخاب موسى أيضاً استمرار نفوذ الشخصيّات الآتية من مؤسّسات إدلب. وموسى هو صيدليّ سبق أن رأس مجلس الشورى العامّ التابع لحكومة الإنقاذ في إدلب، قبل انتخابه نائباً عن جسر الشغور قبل أشهر.
جاء انتخاب مادونا بشارة نائباً ثانياً للرئيس ليضيف بعداً دينيّاً وجندريّاً إلى هيئة الرئاسة، إذ قُدّمت بوصفها الشخصيّة التي تشغل موقع التمثيل المسيحيّ داخل المكتب، إلى جانب كونها امرأة وأكاديميّة من محافظة اللاذقيّة.
غير أنّ ترشيح الشرع لها أثار تساؤلات لدى معارضي النظام السابق، بسبب مواقف سابقة نُسبت إليها واعتُبرت مؤيّدة له، في وقت يضمّ المجلس شخصيّات مسيحيّة عُرفت بمعارضتها لنظام بشّار الأسد، من بينها ميّ ناجح خلوف، إحدى الشخصيّات المسيحيّة المعروفة في طرطوس. وتفتح المقارنة نقاشاً في معايير اختيار الشخصيّة المسيحيّة في هيئة الرئاسة، وما إذا كانت الأولويّة للتوازنات الدينيّة والمناطقيّة أم للمواقف السياسيّة خلال سنوات الثورة.
أمّا انتخاب مؤيّد حبيب أميناً للسرّ فأدخل إلى المكتب أحد أبرز الوجوه الشبابيّة في داريا وريف دمشق. وكان حبيب، المعروف بأبي وائل، القائد العسكريّ السابق لـ”لواء شهداء الإسلام”، وعاش سنوات الحصار والقتال داخل داريا، قبل أن يدرس العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة في جامعة ماردين في تركيا. وتربطه بالعواك (الرئيس) علاقة الطالب بأستاذه الجامعيّ، إذ يُدرّس العواك القانون الدستوريّ في قسم العلاقات الدوليّة والعلوم السياسيّة في الجامعة نفسها. ويعكس وصول حبيب انتقال أحد قادة العمل المسلّح في الثورة إلى المجال التشريعيّ، ويمنح داريا حضوراً رمزيّاً داخل هيئة الرئاسة.
منافسة بلا برامج معلنة
على الرغم من تعدّد المرشّحين ووجود منافسة داخل القاعة، غابت عن السباق برامج تشريعيّة وسياسيّة واضحة. فلم يظهر خلاف معلن على أولويّات التشريع، أو شكل العلاقة مع الحكومة، أو آليّات الرقابة والمساءلة، وبقيت المنافسة مرتبطة بالأشخاص والمناطق وشبكات التأييد.
كشفت انتخابات المكتب قدرة الأعضاء على بناء تفاهمات متغيّرة حول الأشخاص، من دون ظهور انقسامات تتّصل بأولويّات المجلس التشريعية. ولم تُطرح خلال السباق رؤى متنافسة بشأن القوانين أو الرقابة على الحكومة، فكان الاقتراع أقرب إلى اختبار لشبكات النفوذ منه إلى مواجهة بين اتّجاهات سياسيّة محدّدة. ويبقى الاختبار الفعليّ في قدرة المجلس على تحويل هذا التنوّع إلى عمل تشريعيّ ورقابيّ مستقلّ، بعيداً عن إدارة التوازنات داخل المؤسّسة الجديدة.
