ملخص
على رغم التصعيد، لا يبدو أن أياً من الطرفين يسعى إلى حرب شاملة، مما يخلق حالاً يمكن وصفها بـالمأزق الاستراتيجي المتبادل، وملامح هذا المأزق أن إيران لا تستطيع إغلاق المضيق لفترة طويلة من دون الإضرار بمصالحها، والولايات المتحدة لا تستطيع فرض فتحه بالقوة من دون أخطار كبيرة، والطرفان يمتلكان أدوات تصعيد، لكن لا يمتلكان مساراً واضحاً للنصر، مما يؤدي إلى حال من الاستقرار الهش، فيستمر التوتر من دون أن يتحول إلى مواجهة شاملة.
شهدت منطقة الخليج خلال عام 2026 تصعيداً نوعياً أعاد تعريف طبيعة الصراع بين إيران والولايات المتحدة، ليس فقط من ناحية الأدوات، بل من ناحية المجال الجيوسياسي ذاته. فلم يعُد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق بحرية أو ورقة ضغط ظرفية، بل تحول إلى مركز ثقل ضمن شبكة أوسع من الممرات الاستراتيجية التي تمتد من الخليج إلى أوراسيا. وفي هذا السياق، تحاول إيران أن تروج أنها شهدت بروز تحول واضح في السلوك من سياسة الصبر الاستراتيجي إلى نمط “الردع النشط”، في مقابل مأزق أميركي يتسم بتضاؤل الخيارات وارتفاع كلفة الحسم.
وتهدف هذه المقالة إلى تحليل التصعيد الأخير عبر ثلاثة مستويات، الأول إعادة تعريف مضيق هرمز كأداة تريد إيران تحولها إلى سيادية، والثاني انتقال الصراع إلى ما يمكن تسميته “حرب الممرات” والثالث تفسير حال المأزق الاستراتيجي المتبادل بين طهران وواشنطن.
وتحاول إيران أن تبرز نهاية الصبر الاستراتيجي وبداية الردع النشط بهدف استعادة أدوات نفوذها أو استغلال التصعيد الأخير من أجل امتلاك أدوات نفوذ جديدة تعوض ما لحق بها وبأدواتها ووكلائها خلال الأعوام. فعلى مدى سنوات، تبنت إيران سياسة “الصبر الاستراتيجي” التي تقوم على امتصاص الضغوط وتفادي المواجهة المباشرة، مع الحفاظ على أوراق ردع كامنة، غير أن تطورات عام 2026 كشفت عن تحول واضح نحو استراتيجية أكثر صرامة ووضوحاً في استخدام القوة.
ويتجلى هذا التحول في ثلاثة مؤشرات رئيسة:
إعادة تعريف قواعد الاشتباك
لم تعُد إيران تكتفي بالردود المحدودة أو غير المباشرة، بل بدأت بفرض قواعد اشتباك جديدة تقوم على أن أي تهديد سيقابل بردّ مباشر أو غير مباشر يتجاوز الإطار التقليدي، ولا سيما أن الحرب فُرضت على أراضيها، ولم تتمكن من تفادي الحرب المباشرة كما حرصت في الماضي ونقل أية معارك إلى الدول المجاورة لها.
تسييس الجغرافيا
تحول مضيق هرمز من ممر دولي إلى أداة تعدها إيران سيادية تُستخدم لإعادة تشكيل التوازنات. فبدلاً من القبول بمبدأ “حرية الملاحة”، بدأت طهران تطرح مفهوم “الإدارة السيادية للممرات”، بما يتيح لها التحكم في شروط العبور، ومع أن إيران ظلت طوال الحرب تتحدث عن التنسيق مع سلطنة عمان حول المرور في المضيق، فإنها سعت إلى إقصاء حق السلطنة السيادي على مياهها الإقليمية وقامت بقصف السفن التي عبرت من المسار الجنوبي الذي حددته السلطنة وأعلنت أنها لا تريد إلا المسار القريب من المياه الإيرانية في محاولة للانفراد بالسيطرة على المرور والملاحة في المضيق، متناسية حق سلطنة عمان.
توسيع نطاق الردع
لم يعُد الرد الإيراني محصوراً في الخليج، بل امتد ليشمل بنى تحتية ومواقع استراتيجية في الإقليم، مما يعكس تحولاً من ردع تكتيكي إلى ردع إقليمي متعدد الأبعاد.
ثانياً: “حرب الممرات”
أحد أهم التحولات في هذا التصعيد انتقاله من صراع حول مضيق بحري إلى صراع أوسع حول الممرات الاستراتيجية. ويمكن توصيف هذا التحول بمفهوم “حرب الممرات”، حيث تصبح خطوط النقل والتجارة والطاقة ساحات صراع رئيسة.
الممرات كأداة قوة وصراع
في عالم يعتمد بصورة متزايدة على سلاسل الإمداد، أصبحت السيطرة على “التدفقات” العامل الحاسم، وهنا تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص الاعتماد على مضيق هرمز عبر تطوير مسارات بديلة، سواء بحرية أو برية. في المقابل، ترى إيران أن أي مسار بديل يمثل تهديداً مباشراً لمكانتها الجيوسياسية، وورقة استراتيجية مهمة انتزعتها عبر الحرب، بالتالي تسعى إلى عرقلته أو احتوائه.
وشهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في استهداف البنية التحتية المرتبطة بالممرات مثل الجسور والسكك الحديد وخطوط النقل العابرة للأقاليم، مما لا يهدف فقط إلى إحداث ضرر مادي، بل إلى تقويض أية بدائل برية وممرات يمكن أن تستخدمها إيران للالتفاف على الحصار البحري الذي فرضه ترمب.
ومن جهة أخرى تمثل إيران حلقة وصل مهمة في ممرات الشمال– الجنوب، وأي إضعاف لها يؤثر في مشاريع أوسع تتعلق بالتجارة العالمية. وبذلك، يتحول الصراع من نزاع إقليمي إلى جزء من تنافس عالمي على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية، مما يفسر سبب الهجمات الأميركية على البنى التحتية والجسور الموجودة في شمال إيران وشمال غربها، فضلاً عن العمليات على الحدود الجنوبية والغربية لها لإضعاف سيطرتها على مضيق هرمز.
والتصعيد الأخير بين الطرفين يعود لأزمة التفاهمات وفشل الدبلوماسية الجزئية، وضمن محاولات احتواء التصعيد، طُرحت مذكرة تفاهم تضمنت عدداً من البنود لتنظيم الملاحة وخفض التوتر إلا أن هذه المبادرة فشلت سريعاً، مما يكشف عن عمق الخلافات البنيوية بين الطرفين قبل الانتقال إلى البنود اللاحقة الأخرى في المذكرة.
كذلك، تضمنت المذكرة صياغات قابلة لتفسيرات متناقضة، أو تعجل الطرفين التوقيع ثم أرادا كسب الوقت عبر التفسيرات المتناقضة، فالولايات المتحدة رأت فيها ضماناً لحرية الملاحة، وإيران اعتبرتها اعترافاً ضمنياً بحقها في إدارة المضيق، مما أدى إلى تضارب في التوقعات، ومن ثم إلى انهيار التفاهم.
يمكن القول إن الأمر لا يتعلق بالتكتيك بل بتضارب الأهداف الاستراتيجية، فواشنطن تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني، بينما طهران تسعى إلى تكريسه وتعزيزه. والصراع الجاري أحد تجليات تاريخ طويل من التوترات والاتهامات المتبادلة جعل من الصعب بناء أرضية مشتركة، حتى في القضايا التقنية، ونتيجة لذلك، تحولت المذكرة من أداة لخفض التصعيد إلى عامل إضافي في تعقيده.
وعلى رغم التصعيد، لا يبدو أن أياً من الطرفين يسعى إلى حرب شاملة، مما يخلق حالاً يمكن وصفها بـالمأزق الاستراتيجي المتبادل، وملامح هذا المأزق أن إيران لا تستطيع إغلاق المضيق لفترة طويلة من دون الإضرار بمصالحها، والولايات المتحدة لا تستطيع فرض فتحه بالقوة من دون أخطار كبيرة، والطرفان يمتلكان أدوات تصعيد، لكن لا يمتلكان مساراً واضحاً للنصر، مما يؤدي إلى حال من الاستقرار الهش، فيستمر التوتر من دون أن يتحول إلى مواجهة شاملة.
ومع ذلك وعلى رغم رفع كلفة التصعيد على المنطقة، بخاصة دول الخليج العربية والأردن، ودفع ثمن الرد الإيراني على واشنطن، كان هناك ترحيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالإفراج عن مواطنة أميركية من أصول إيرانية كانت محتجزة لدى طهران منذ عام 2024، معتبراً أنها بادرة حسن نية من طهران. وهنا تتجلى لنا رغبة طهران هي الأخرى في المضي نحو التهدئة وليس التصعيد لأن استمرار الحرب قد يقوّض ما بقي من قدرات عسكرية واستراتيجية لدى النظام القائم حالياً الذي بلا شك يريد العمل على إعادة بناء قوته الداخلية والانتقال إلى مرحلة ما بعد علي خامنئي.
