اكرم البني كاتب.سوري
بداية، ننحني احتراماً واجلالاً، لأراوح شهداء مجازر السويداء والتي تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية لها وتالياً لكل الشهداء السوريين الذين قدموا أرواحهم فداءا للحرية والمساواة والكرامة.
السؤال الذي لا يزال يشغل بال الكثيرين، هو ما الذي ينتظرنا،
الجواب بعبارة مكثفة وواضحة، أن ما نعيشه إلى الآن، مما يسمى المرحلة الإنتقالية، هو للأسف، من اجل تمكين”من يعتبرون أنفسهم منتصرين” من السيطرة على مفاصل السلطة واخضاع الدولة والمجتمع، وليس من أجل تجاوز آثار الماضي وبناء مجتمع معافى ودولة مواطنة، ما يرجح أن تشهد البلاد سنوات صعبة ومعاناة مريرة من طراز مختلف جراء المحاولات المتدرجة لفرض المشروع الإسلاموي، اللهم، إلا إذا حدثت تطورات خارجية أو داخلية غّيرت هذا المسار أو حدّت من تسارعه.
والحال، على الرغم مما أطلق ويطلق من شعارات ووعود حول أهمية المشاركة الوطنية وال
كان فرح السوريين غامراً بسقوط طغمة الأسد، راهنوا وتوافقوا ضمناً على منح السلطة الجديدة كل الفرص لتجاوز مخلفات الماضي وتحقيق مطالبهم البسيطة في وحدة بلادهم وبناء دولة مواطنة يتساوى الجميع أمامها، بلتمنت غالبيتهم نجاحها في ذلك، متجاوزين بشكل صريح وجرئ، ماضيها وبنيتها الايديولوجية، لكن بين رهان ورهان، كشفت الوقائع عن نهج سلطوي مفعم بروح الاستئثار بكل شيء، وعن أدوات صريحة للحفاظ على السطوة كما كشفت عن أساليب
أولاً، منحت السلطة نفسها كل الشرعية، منذ ما سمي بمؤتمر النصر، لأخذ البلاد والعباد الى حيث تريد، والى حيث تعزز نفوذها وقوتها، متوسلة
ثانياً، ماذا يعني أن تتفرد سلطة في انتاج مؤسسات تنفيذية ملحقة تماما بها، الجيش، الأمن، الشرطة، إن عبر دمج فصائل تشبهها ولا تزال تتغنى بارتكاباتها، أو عبر تنشئة وتربية فتيان من لون مذهبي واحد، وحقنهم بشعاراتطائفية وبتعبئة جهادية لا تمت للتعبئة الوطنية والحقوقية بصلة؟ أليس من البديهي أنه ومن دون وضع خطة عاجلة وجدية لبناء مؤسسات عسكرية وأمنية محايدة تجاه الدولة والمجتمع وتسخر لتنفيذ القانون وحماية حيوات الناس وحقوقهم وممتلكاتهم ستغدو هذه المؤسسات أداة ضاربة بيد السلطة القائمة لتثبيت أركانها وامتيازاتها، وسحق من يعارضها أو يعاديها؟.
ثالثاً، نقف اليوم أمام نهج سلطوي متكامل في إرهاب المجتمع لاذلاله واخضاعه، إن إرهاب مباشر، ونذكر هنا مجازر الساحل ومجازر السويداء واستمرار حالات الخطف والقتل والابتزاز والتنكيل بالمدنيين من دون محاسبة أو عقاب، أو إرهاب غير مباشر، إن صحت العبارة، عبر تسخير مؤسسات إعلامية ومئات أبواق وسائل التواصل الاجتماعي لتنزيه أهل الحكم، ومسخ دور البشر وحقهم في المشاركة والمراقبة، وكيل الاتهامات والشتائم وأيضاً التهديدات ضد كل من ينتقد أو يعارض موقف أو قرار اتخذته السلطة القائمة.
رابعاً، ثمة هدف سلطوي من وراء الإصرار السلطووي على الغموض وتغييب الوضوح والشفافية، هو خلق مناخ من الريبة والشك وعدم اليقين لتشتيت مواقف الناس وتفكيك اصطفافاتها، فكيف الحال مع تقصا تشويه مفهوم العدالة الانتقالية ودورها المتميز في المحاسبة والانصاف، عبر تطويعها سياسياً
خامساً، ماذا يعني التغييب المتعمد لدور الحقل السياسي وتغذية الروابط المتخلفة من عشائرية وقبلية وطائفية، مع استمرار الشد على الوتر المذهبي الإسلاموي وعلى المظلومية السنية؟ أليس الغرض هو ردع أية محاولة تدعو إلى بناء وطن معافى ودولة عمومية يتساوي أمامها الناس بغض النظر عن انتماءاتهم؟ ألم يعزز ذلك، المخاوف لدى المكونات الاجتماعية الأخرى من مسيحيين ودروز وعلويين وأكراد وبخيار التزامها بوطن جامع، ويساهم في تعزيز الانقسامات المجتمعية وانتشار حالات التمييز والتعالي، وأيضاً الاذلال والاحتقار للآخر، والغرض تسهيل تطويعوإخضاع تلك المكونات وتهميشها.
سادساً، السيطرة شبه المطلقة للسلطة على إيرادات الدولة وعلى ممتلاكها وثرواتها جنباً إلى جنب مع تقصد رفع الضرائب الملقاة على عاتق الناس، وإهمال ليس فقط مشاريع التنمية الحقيقة، وإنما أيضاً حالة التردي المتزايد في الأوضاع الخدمية والصحية والتعليمية، ويتجلى ذلك بإدارة العملية الاقتصادية وفق حسابات تتعلق بما تدره منالأرباح على السلطة نفسها وعلى أعوانها، وليس على المجتمع وشروط عيشه والخطط التنموية، وهناك أسماء معروفة تنتمي أو ترتبط بالقلة الحاكمة، باتت تسيطر على مفاصل الحياة الاقتصادية والتجارية والمالية في البلاد، وما يرافق ذلك من فساد وإفساد وهدر للأموال العامة.
صحيح أن ثمة من لا يزال يبرر للسطة استئثارها وتفردها وما قامت وتقوم به،، ويصر على منحها مزيداً من الفرص، مرة أولى، ملقياً اللوم على حالة الخراب غير المسبوق الذي ورثته، ومرة ثانية مستقوياً بالخشية من انفتاح صراع دموي بين فصائل لا تزال تتقاسم الغنائم وتخويف المجتمع من تداعيات ذلك على وحدته وعلى أرواح الناس، ومرة ثالثة مستلهماً الدعم الكبير الذي منح لها، عالمياً وعربياً، وكأنه تحصين لها مما ترتكبه أو سترتكبه، والأسوأ جماعات دفعتها حسابات المصلحة الذاتية والأنانية للبحث عن الفتات أو من أسرتها خلفيتها الطائفية
كل هؤلاء يغفلون، عن حسن نية أو عن سوء نية، عن حقيقة ما جرى ويجري، كما يتهربون من تحديد المآل الخطير لهذا النهج السلطوي على المجتمع ومستقبل أجياله، وتالياً يتغافلون عن الطبيعة البنيوية الدينية الاستئثارية ل
والحال، ثمة خياران رئيسيان معر
وإذا كان ما نراه يشير حتى الآن الى ان السطة تسير وفق الخيار الثاني، فمن المؤسف بل لا نرغب في أن يقف أحد بعد فترة ويعاتبنا قائلاً، ألم أنبه
فهل ثمة ما يمكن فعله؟
نعم ثمة ما يمكن فعله.. والحال، مع غياب قوى ديمقراطية فاعلة وذات صدقية، ومع اتساع ظواهر ” التكويع ” و”الممالأة “ذهب بعض المجتهدين الى تحديد مبادئ عامة وبسيطة جامعة يمكن التوافق حوله
ولضمان جدوى الفعل والتأثير في خدمة هذه المبادئ البسيطة، ثمة من يقترح تفعيل حالة من التشبيك أو ” شبكة” بين مختلف المعنيين بمقاومة ما يجري، تتضمن في روحيتها، مرونة تنظيمية تتوخى اللامركزية في اليات التنسيق وت
وتأسيساً على ما سبق فإن أمام سورية سنوات انتقالية صعبة ومقل
لكن وكي نفسح لبعض التفاؤل حيزاً يمكن الإشارة إلى أن ثمة عوامل موضوعية تقف في صفنا..
أولاً، الفشل والعجز المزمنين لمختلف تجارب الإسلام السياسي في تقديم نموذجاً يحتذى، إن في بناء دولة يعتد بها أو في انجاح تنمية قادرة على النهوض بالمجتمع، فشل وعجز يمتدان من إيران مروراً بالعديد من السلطات الاسلاموية في الإقليم والمنطقة العربية، ما أفقد الإسلام السياسي الزخم الذي كان يحظى به سابقاً كمدخل للخلاص والتغيير، وعزز مناخ الاعتراض عليه وسبل مواجهته.
ثانياً، حجم الخراب، انسانياً واقتصادياً وعمرانياً في البلاد، والذي لا يمكن لطرف واحد تجاوزه أو تحمل تبعاته، ما يفرض موضوعياً حضوراً ودوراً لمختلف الفعاليات المجتمعية السورية في مواجهة حالة الاستئثار والتفرد.
ثالثاً، خصوصية المجتمع السوري بتعدديته الاثنية والدينية والطائفية، بما يعني الرهان على الضغوط الداخلية من مجتمع متنوع، في إعاقة فرض نموذج اسلاموي أحادي.
وهنا تجدر الإشارة، وعلى الهامش، إلى أن ثمة اندفاعات متنوعة بدأت تطل برأسها في المشهد السوري وتدعو لأشكال مختلفة من التعاضد بين أقليات متضررة في مواجهة ما تعتبره حكم الأكثرية السنية، تحدوها أوهام اعتبار كل مكون أقلوي أو أكثري، كمكون منسجم ومتماسك ويحضر ككتلة موحدة في الفعل السياسي والتأثير الاجتماعي، بينما الحقيقة بخلاف ذلك وثمة تباينات وشروخ متفاوتة داخل كل مكون ينعكس بتباين اجتهاداته ومواقفه من المكونات الأخرى ومن السلطة القائمة ومن المستقبل السوري أيضاً، وما يهم هنا أكثر هو التباينات داخل المكون الأكثري السني والذي يميل في غالبيته نحو تكريس الاعتدال ونمط حياة وطني وتشاركي مع المكونات الأخرى، في مواجهة نوازع التطرف الاسلاموي، ما يشجع الرهان على دور كبير لا بد أن تلعبه فعاليات تنتمي الى المكون السني تعارض مشروع أسلمة الدولة والمجتمع، وتضم طيفاً واسعاً من المعتدلين دينياً ومنهم ضمن السلطة الحالية من أظهروا جدية للسير في مشروع بناء دولة عمومية يتساوى فيها السوريون، كمواطنين، بغض النظر عن جنسهم وطائفتهم ودينهم وقومياتهم.
رابعاً، لن تتمكن السلطة القائمة بما تمارسه من مظاهر “حضارية” شكلية وخادعة من النجاح لوقت طويل، في ارضاء الغرب وبدرجة ثانية العرب لضمان استمرار الدعم، ما دامت تتقصد اهمال دورها على الصعيد الداخلي وتسوغ ارتكاباتها وانتهاكاتها،
أخيراً من المفيد هنا الإشارة الى صحة تمس
فالنجاح في كسب مطلب المتابعة أو الرعاية الأممية يمكنه أن يساهم في تعرية السلطة وإعادة توجيه ما نالته من دعم دولي لصالح الشعب السوري، كما ضمان حياد إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، خاصة وأنه في جوهره، يدعو للحفاظ على وحدة البلاد ومحاصرة أية تدخلات اقليمية مغرضة في مستقبله، ومحاصرة لغة العنف والقمع وكل أشكال الإكراه والتفرد والوصاية، والأ
14 /7 / 2026