
بغداد – أجرى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تغييرات أمنية مهمة شملت تكليف الفريق الركن زيد حوشي خلف الموسوي برئاسة جهاز مكافحة الإرهاب وتعيين الفريق الركن محمد قاسم الفهد على رأس قيادة قوات الشرطة الاتحادية.
وتعكس هذه الخطوة المبكرة في عمر الحكومة الجديدة إدراكا متزايدا لأهمية ضبط الإيقاع الأمني في بغداد والمحافظات، حيث تسعى القيادة التنفيذية إلى إرسال رسائل واضحة للداخل والخارج بأن مرحلة تنظيم الأوراق الأمنية وإعادة توزيع المسؤوليات قد بدأت بالفعل دون إبطاء.
وتأتي هذه التحركات الأمنية في ظل متابعة أميركية ودولية دقيقة لمسار الحكومة العراقية الجديدة وللقرارات والإصلاحات التي تتخذها في مختلف القطاعات. وتنظر واشنطن باهتمام بالغ إلى طبيعة القيادات التي تتولى إدارة المفصلين الأكثر حيوية في المنظومة الأمنية؛ وهما جهاز مكافحة الإرهاب الذي يُعد شريكا رئيسياً للتحالف الدولي في ملاحقة فلول التنظيمات المتطرفة، وقوات الشرطة الاتحادية المسؤولة عن حفظ الأمن الداخلي والاستقرار في المدن الكبرى.
ويسهم هذا التغيير في تأكيد التزام بغداد بتعزيز كفاءة التشكيلات الأمنية والنأي بها عن التجاذبات السياسية، مما يعزز الثقة الدولية بالمسار الإصلاحي للحكومة ويكسبها غطاء دبلوماسيا يدعم خطواتها الاقتصادية والأمنية المقبلة.
ويعبر تكليف الفريق الركن زيد الموسوي برئاسة جهاز مكافحة الإرهاب عن رؤية تعتمد على التدرج القيادي والخبرة الميدانية المباشرة، إذ شغل الموسوي سابقاً منصب الوكيل الأمني للجهاز وشارك في عمليات تحرير المدن.
يعطي هذا الاختيار انطباعاً باستمرارية الجهود الاستخباراتية وتطوير قدرات الجهاز لمواجهة التهديدات غير التقليدية والتحديات السيبرانية، بعيداً عن أسلوب المحاصصة أو الترضيات. بالتوازي مع ذلك، يحمل تكليف الفريق الركن محمد قاسم الفهد بقيادة الشرطة الاتحادية، بعد تجارب سابقة في قيادة الفرقة الخاصة المكلفة بتأمين المنطقة الخضراء، دلالات أمنية ناتجة عن خبرته المباشرة في التعامل مع ملفات الحماية الحساسة وضبط الأمن الاستراتيجي في العاصمة.
تتقاطع هذه القرارات بشكل مباشر مع المطالب الخارجية والداخلية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة القانون.
ويرى مراقبون أن التحركات الصارمة التي يقودها رئيس الوزراء تأتي لتثبيت قاعدة عمل تنظيمية جديدة تحكم أداء القيادات العسكرية، وتفرض انضباطا أعلى في متابعة ما تبقى من الخلايا الإرهابية والجريمة المنظمة.
تفتح هذه التغيرات الهيكلية الباب أمام صياغة استراتيجية أمنية متكاملة توازن بين العمل الميداني الدقيق في حماية الحدود والمدن، وبين تحسين البيئة الاستثمارية التي تتطلب بالضرورة استقراراً أمنياً شاملاً ومستداماً.
توضح هذه السلسلة من التعيينات الأسلوب الدقيق الذي تعتمد عليه الحكومة الجديدة في إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، إذ لا تتوقف التغييرات عند حدود الأجهزة الأمنية، بل تمتد لتشكل جزءاً من مشروع إصلاحي أوسع ينعكس على الملفات المالية والاستثمارية ومؤسسات الدولة الخدمية.
يظهر هذا التوجه الشامل حرصاً على إيجاد منظومة حكومية متماسكة تستطيع مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المعقدة، والتعامل بحرفية مع متطلبات الشركاء الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، التي تراقب مدى قدرة بغداد على تنفيذ التزاماتها وضمان استقلالية قراراتها الأمنية والعسكرية.
وتؤكد هذه القراءات في مجملها أن العراق يدخل مرحلة جديدة تتسم بإعادة تشكيل القيادات العليا وفق معايير الكفاءة والتخصص العسكري الميداني. ترسل الحكومة العسكرية من خلال هذه التغييرات إشارات قوية إلى جميع القوى السياسية والإقليمية مفادها أن إدارة المؤسسة الأمنية تخضع لقرار استراتيجي موحد يرتكز على المصلحة الوطنية العليا.