سعد سلوم…..جريدة المدى
ما إن تقترب ذكرى فاجعة الإيزيديين في 3 آب من كل عام، حتى تنحرف بوصلة النقاش عن مسار العدالة والإنصاف، لتشتعل فتنة جديدة تعيد تدوير سهام الكراهية ضد الضحايا. من زوبعة الشائعات المصطنعة حول إحراق الإيزيديين لجامع الرحمن في عام 2023، مروراً بالجدل الملفق ضد قائد قوات سنجار في 2024، وصولاً إلى العاصفة الموجهة في عام 2026 التي أثارها برنامج “حلقة وصل” للإعلامية سرور الدليمي عبر استضافة ناجية إيزيدية تحولت للإسلام… هنا يفرض السؤال الأقسى نفسه بإلحاح: هل نحن أمام مجرد مصادفات عابرة، أم أمام سيناريو مبرمج وممنهج يعيد إنتاج الكراهية ويستثمر في المأساة كلما أطل موعد استذكارها.
تتجسد المفارقة هنا في تقاطع الذاكرة الوطنية الحاملة لهموم تعويض الضحايا والتضامن الإنساني مع طروحات إعلامية غايتها إفراغ المناسبة من مضمونها القانوني. ويتجلى هذا التراجع بوضوح في مقاربة البرنامج المذكور لقصة الناجية الإيزيدية “أم وصفي” التي تعرضت للاختطاف والسبي على يد تنظيم داعش عام 2014، إذ اختزلت الحلقة ظروف اعتناقها للإسلام وحياتها اللاحقة في زاوية ترتكز على خياراتها الشخصية، متغافلة عن السياق المأساوي المتمثل في الإكراه المطلق والاحتجاز القسري لهذه الناجية.
عدّت النخب، والنشطاء، والقوى السياسية والحقوقية الإيزيدية مقاربة البرنامج طعنا خطيرا في جرح جماعي لم يلتئم بعد. فمحاولة اختزال مأساة الاستعباد في إطار “الاختيار الحر” للناجيات تُعد ضرباً عرض الحائط بأبسط بديهيات القانون الدولي الإنساني، إذ لا يمكن لأي منطق قانوني الاعتراف بـ “إرادة حرة” لشخص قضى سنوات تحت سوط الإرهاب، والقهر، وفقدان العائلة، والتهديد المستمر بالموت تحت سلطة تنظيم داعش.
إن أي تبديل في الدين أو الهوية يُنتزع في ظل هذه البيئة المأساوية المفعمة بأهوال الإكراه يفقد قيمته الإنسانية والقانونية تماماً، ويغدو مجرد منتج قسري لظروف الاستعباد. والأدهى من ذلك أن هذا السرد المشوه يعيد إنتاج مظلومية الضحايا بوحشية، ويُسهم من حيث لا يدري في إسقاط المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن الجناة وغسل أفعالهم الإجرامية.
لقد كشفت هذه الحادثة، وما رافقها من ردود فعل غاضبة عن هشاشة هيكلية في المعايير المهنية لدى بعض الوسائل الإعلامية عند مقاربة قضايا التنوع الديني والثقافي، مع غياب الدور الرقابي الحازم من قبل هيئة الإعلام والاتصالات في التصدي لمحتويات الكراهية والازدراء الديني، مما يترك الضحايا عرضة متجددة للانتهاك النفسي والاجتماعي. من هنا، تتعالى المطالب بضرورة التزام المؤسسات الإعلامية بالحياد واحترام القوانين التي تحمي ضحايا النزاعات من التلاعب الإعلامي المستمر.
من واقع متابعتي الميدانية لتطورات الملف الإيزيدي عبر السنوات، أدرك تماماً أن ما جرى ليس حادثاً منعزلاً أو مفارقة عابرة، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الهشاشة التي تعكس صلابة سردية تاريخية مهيمنة لا تزال تمارس تأثيرها العميق في الوعي الجمعي. فبين آونة وأخرى، يؤدي تفجر نوبات الكراهية إلى إثارة ذعر حقيقي داخل المجتمع الإيزيدي من شبح تكرار تجربة الإبادة الجماعية.
ومن خلال رصدي لهذه التحولات، يمكن تتبع هذا النمط المتكرر عبر محطات مقلقة عديدة تابعتها عن قرب، لعل أبرزها الأزمة التي رافقت عودة عائلات مسلمة إلى سنجار، وما تخللها من شائعات مغرضة ومفبركة حول حرق الإيزيديين لجامع الرحمن في نيسان 2023. تلك الشائعات التي أفرزت موجات عارمة من الكراهية الممنهجة، إلى الحد الذي وثّقه “مركز رصد خطابات الكراهية” في مؤسسة مسارات بتسجيل قرابة 4 ملايين رسالة كراهية خلال فترة لم تتجاوز 13 يوماً فحسب. ويمكن الرجوع بهذا الصدد إلى دراستي الصادرة عام 2025 تحت عنوان (حصاد الكراهيات) والصادرة عن مفوضية حقوق الإنسان في إقليم كردستان العراق باللغتين العربية والكردية.
ولا يقل عن ذلك خطورةً ما عاينّاه في الذكرى العاشرة للإبادة الجماعية عام 2024، حين جرى اقتطاع مقطع مصور لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، من سياقه الأصلي وتجييره عمداً لاتهامه بالإساءة للرموز الإسلامية، الأمر الذي أثار موجة شعواء من خطابات التحريض التي دفعت بمئات العائلات الإيزيدية المقيمة في إقليم كردستان العراق إلى الفرار المذعور نحو سنجار خوفاً على حياتها ومصيرها بعد خطب دينية موجهة تشجع على مهاجمة مخيمات الإيزيديين.
وفي خضم هذه المحطات جميعها، يتكرر اللجوء إلى القوالب النمطية ذاتها عبر إعادة تدوير الافتراءات الباطلة واتهام الإيزيديين بفرية “عبادة الشيطان”، بهدف شرعنة خطابات الكراهية وتغذيتها بانفعالات دينية متطرفة، وهو مسار تحليلي طالما تناولته في مؤلفاتي، بدءاً من تفكيكه في كتابي (مائة وهم عن الأقليات في العراق) الصادر عام 2015، وصولاً إلى دراستي الصادرة عام 2025 عن منظمة الهجرة الدولية بعنوان)إرث مر ومستقبل غامض). ففي هذه الدراسة الصادرة بمناسبة مرور أكثر من عقد على الإبادة الجماعية، واصلت تفكيك سردية قرن كامل من الكتابات العربية عن الإيزيديين، كاشفاً عن جذور تلك السردية المهيمنة التي ما فتئت تغذي خطابات الكراهية الراهنة وتكرس صورة نمطية بالغة الصلابة في الثقافة السائدة.
ويكشف الإصرار المنهجي على التشويه الإعلامي عن إخفاق ذريع في تفكيك الصور المغلوطة، على الرغم من الجهود الحثيثة المبذولة، وفي مقدمتها إسهاماتي الميدانية المباشرة في تدريب 250 صحفياً عبر أنشطة “مركز دعم وتطوير صحافة التنوع”، فضلاً عن إصدار دليل تخصصي بعنوان (تنوعنا الديني: وسائل الإعلام العراقية وقضايا الأقليات الدينية) عام 2019. ومع ذلك، لا تزال التغطيات الإعلامية تعاني من تهميش لقضايا الأقليات، حاصرةً حضورها في إطار فولكلوري موسمي يقتصر على المناسبات الدينية فحسب، أو تختزلها في صورة “الضحية” المستلبة، من دون الاكتراث بمنحها المساحة الكافية لتقديم ثقافتها العميقة وإبراز أهميتها الجوهرية بوصفها مكوناً أصيلاً ومغنياً للهوية الوطنية الجامعة.
ولا يقل عن ذلك خطورةً تقصير وزارة التربية في الاضطلاع بدورها الوطني والتربوي للتعريف بمعتقدات وثقافة المجتمع الإيزيدي، وهو القصور الذي يعرقل تفكيك الصور المغلوطة ويحول دون بناء مناعة مجتمعية حقيقية قادرة على مقاومة روافد الكراهية ومغذيات التطرف. ومن هنا، انطلقت مبادرة عام 2020 لتأسيس “معهد دراسات التنوع الديني” كخطوة رائدة من مؤسسة مسارات، بالشراكة مع نخبة من القيادات الدينية وكرسي اليونسكو في جامعة الكوفة، متوجاً بذلك مساراً طويلاً من العمل الأكاديمي والبحثي المكرس لإنتاج مناهج تربوية متخصصة حول فهم الأديان في العراق، يتقدمها المنهج التأسيسي الرائد في “فهم الدين الإيزيدي” الذي وضعه البروفسور خليل جندي. وهو عمل ومبادرات نوعية تظل تغطي بجدارة حجم الغياب والتراجع في دور المؤسسات التعليمية الرسمية.
وإذا كان هذا الغياب المؤسسي والتعليمي يترك فراغاً تتناسل فيه الصور النمطية، فإن الطامة الكبرى تظهر حين تتحول وسائل الإعلام من أدوات للتنوير إلى منصات لتأجيج الكراهيات، إذ جاءت العاصفة التي أثارها برنامج “حلقة وصل” نتيجة تقاطع عوامل هيكلية وزمنية وموضوعية جعلت من المأساة مادة لتأجيج الحساسيات بدلاً من أن تكون نافذة للإضاءة الإنسانية. وتتجسد بؤر الاختناق في مفاصل عدة، أولها التوقيت المُلتبس والسياق المفخخ، إذ جاء عرض الحلقة قبيل أيام معدودة من الذكرى السنوية للإبادة الجماعية، لينهش في محطة ينشغل فيها المجتمع الإيزيدي بالمطالبة بالعدالة وكشف مصير المفقودين، محولاً بوصلة النقاش من التضامن الإنساني إلى مهاترات دينية عقيمة.
وثانيها الإشكال الأخلاقي لحالة “أم وصفي”، فالنقاد يتساءلون بحق: هل يعبر قرار شخص يعيش تحت وطأة الهشاشة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية عن إرادة حرة وواعية، أم أنه منتج قسري لظروف الإكراه والاحتجاز السابقة؟. ويزداد الأمر خطورة مع إيحاءات التقرير التي ربطت بين نيل الحماية والخدمات الأساسية وبين تغيير الدين، فضلاً عن الطعن غير المبرر في الحقائق بالتلميح إلى أن المجتمع الإيزيدي يرفض استقبال ناجياته، متجاهلين الفتوى التاريخية الصريحة للزعيم الروحي «بابا شيخ» القاضية باحتضان جميع الناجيات دون أي تمييز.
هذا كله يتقاطع مع قصور قانوني ومهني، تمثل في غياب التحقق المهني من رواية السيدة، وافتقارها لبيئة تتيح لها إعطاء “موافقة واعية” للظهور الإعلامي تحت وطأة تلك الظروف، مما أوقع البرنامج في مطب انتهاك معايير العمل الإعلامي تجاه ضحايا جرائم الإبادة، وفتح باب استقطاب للرأي العام انقسم بين من اختزل المسألة في “حرية اعتقاد” شكلية، وبين من أدرك أن الجوهر الحقيقي يكمن في استثمار مأساة ناجية لخدمة خطاب تعبوي، وسط تجاهل لآلاف الناجيات اللواتي يرزحن تحت وطأة غياب الخدمات، والوثائق، والعدالة الغائبة.
من هنا، فإن جوهر الأزمة أبعد ما يكون عن الخيار الشخصي لامرأة، إنه يكمن في السؤال الحقوقي الأكثر إلحاحاً وخطورة: هل يُعقل أن تحول وسائل الإعلام قصص الناجيات إلى بضاعة استعراضية في توقيتات بالغة الحساسية، لتُعيد إنتاج السرديات المدمرة ذاتها التي طالما وظفها تنظيم داعش لاستباحة الوجود الإيزيدي؟
إن تجدد دورات الكراهية ضد المجتمع الإيزيدي تزامناً مع كل إحياء لذكرى الإبادة الجماعية لا يحدث من فراغ، بل هو نتيجة تقاطع خطير يجمع بين توظيف المناسبة موسمياً لصناعة “الترند” الإعلامي المثير للجدل، وإعادة تدوير السرديات التاريخية المغلوطة، وسط غياب الرقابة الإعلامية الحازمة وضعف دور المؤسسات التعليمية والرسمية في تفكيك الصور النمطية وبناء مناعة مجتمعية حقيقية. هذا الاستنزاف المتكرر يكشف عن حقيقة تتمثل في دوران الكراهية في حلقات مفرغة تتزامن طردياً مع إيقاع استذكار الفاجعة، وكأن الذاكرة الجماعية مأخوذة رهينةً لتلبي نداءات التحريض الموسمي كلما أطل آب وجراحه.
وعليه، فإن المعركة اليوم تتجاوز إطار الرد على حلقة تلفزيونية، لتصبح دفاعا أصيلا عن صون الذاكرة الوطنية، وتأكيد دائم على أن كرامة الإنسان وإنصاف الضحايا يُمثلان البوصلة التي لا يمكن التفريط بها، مهما تصاعدت موجات “الترند” وتراجعت معايير المهنية.