
علي حسين.. جريدة المدى
اكتشف المواطن العراقي ولو متأخراً، أن جميع مسؤولينا ومعهم أحزابهم تتحدث عن النساء وتشتم الفساد ليلاً في الفضائيات، لكنها في نفس الوقت لا تريد أن تترك حصتها من الوزارات الدسمة. خلال الأسابيع الماضية قرأنا وسمعنا معلقات شعرية وأناشيد ترفض الفساد وتطالب بتعليق الفاسدين تحت نصب التحرير، واكتشفنا أن مشكلة البلاد هم المواطنون، الذين يريدون لهذه البلاد أن تغادر “نزاهة” عالية نصيف، وأن هذا الشعب “الناكر للجميل” نسي في لحظة من لحظات النشوة بالخدمات والوفرة والاقتصاد المزدهر، الجهود التي بذلها العالم النووي حسين الشهرستاني الذي وضع العراق على سكة التنمية والازدهار، وحوله من دولة نامية إلى دولة “نايمة”.
هذا العام أصبح عمر النظام “الديمقراطي” ثلاثة وعشرين عاماً، وفي كل عام نسمع المسؤولين والسياسيين يرددون نفس الخطاب: “فليسقط الفساد”، لكن لم يجرؤ سياسي عراقي على أن يرفض أن يمد يده إلى الأموال التي تُسرق في وضح النهار، لم يبق أحد إلا وخاض حربه من أجل المنافع، وباسم الدفاع عن المكوّن انقسموا إلى جبهات وأحزاب تتقاتل وتتنافس فيما بينها للحصول على أكبر قطعة من الكعكة العراقية كاملة الدسم.
وأنا أكتب هذه السطور، أود أن أذكّر القارئ العزيز بالأيام التي هبّت فيها رياح الازدهار، عندما أخبرنا السيد حسين الشهرستاني أن ثمار التنمية وأموال النفط ستجعل العراق ينافس سنغافورة ويتفوق على اليابان، في تلك الأيام توهم خلالها المواطن البسيط مثل جنابي بأن الأمور قد حُسمت لصالح البناء ودخولنا عصر التكنولوجيا المتطورة، وأن أموال العراق ستدر خيراً على العراقيين.
سيقول البعض: يا رجل، ما الذي ذكرك بحسين الشهرستاني والرجل تقاعد وقرر أن يتحفنا بمذكرات وضع لها عنوان “تجربة حياة” روى لنا فيها إنجازاته في وزارة النفط والكهرباء والتعليم العالي، بدليل أننا استطعنا أن نصدر الكهرباء إلى الصين، وفاضت أموال النفط حتى أن المواطن العراقي يشكو من التخمة. عزيزي القارئ، تذكرت خيرات الشهرستاني وأنا أقرأ تقريراً محزناً بوجود صفقات نفط غير قانونية في العراق بدأت منذ عام 2011، وأن هذه الصفقات أسهمت في تمويل أحزاب سياسية، وألحقت خسائر مالية كبيرة بالدولة العراقية. ويضيف التقرير أن عوائد ما يزيد على ثلث إنتاج العراق النفطي منذ عام 2011 ذهبت إلى الأحزاب السياسية، مستفيدة من إيرادات تقدر بنحو 1.5 مليون برميل يومياً. وأن مسؤولين عراقيين تلاعبوا بكميات النفط المحالة من وزارة النفط لمصلحة أحزابهم .
كنا جميعاً نعتقد ونمني النفس بأن ندخل بعد عام 2003 عصر التغيير الحقيقي: تحديث الحياة وفتح باب الازدهار الاقتصادي والصناعي والزراعي للجميع وتشجيع الكفاءات. لكننا بدلاً من ذلك أصبحنا نختلف على من هو الأشطر في السرقة، ونصمت ونحن نقرأ ونسمع أن جهات متنفذة تسرق العراق في وضح النهار.